جاءت نصوص دالة على جواز إطلاق السيد على المخلوقين، وجاءت أحاديث فهم منها بعض العلماء النهي عن ذلك.
وقد تعددت أقوال العلماء في كيفية الجمع بينها، وسأذكر هنا - أولا - أدلة الجواز، فأدلة المنع، ثم أقوال العلماء في الجمع بينها، والراجح في نظري:
أولا: أدلة الجواز:
١ - قوله - تعالى ـ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَاب؟﴾ (١).
٢ - قوله - تعالى ـ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢).
فقد احتج الإمام مالك - رحمه الله تعالى - على الجواز بهاتين الآيتين (٣).
وقال الجصاص - رحمه الله تعالى ـ: «وقوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يدل على أن غير الله - تعالى - يجوز أن يسمى بهذا الاسم؛ لأن الله - تعالى - سمى يحيى سيدا» (٤).
٣ - قوله -؟ ـ: «أنا سيد ولد آدم» (٥).
_________________
(١) يوسف، آية (٢٥).
(٢) آل عمران، آية (٣٩).
(٣) انظر: عمدة القاري (١١/ ٨ - ٩).
(٤) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٩٢).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ١٢١٥) رقم (٣١٦٢)، و(٤/ ١٧٤٥) رقم (٤٤٣٥)، ومسلم في صحيحه (١/ ١٨٤).
[ ١٧٩ ]
٤ - قول النبي -؟ - في حق سعد بن معاذ -؟ ـ: «قوموا لسيدكم» (١).
٥ - قوله -؟ - في حق سعد بن عبادة: «اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير منى» (٢)
٦ - قوله -؟ - في الحسن بن علي ﵄: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين من المسلمين» (٣).
٧ - وقوله -؟ ـ: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ١١٠٧) رقم (٢٨٧٨) و(٤/ ١٥١١) رقم (٣٨٩٥) و(٥/ ٢٣١٠) رقم (٥٩٠٧)، ومسلم في صحيحه (٣/ ١٣٨٨) رقم (١٧٦٨).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ١١٣٥) رقم (١٤٩٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ٩٦٢) و(٣/ ١٣٢٨) و(٣/ ١٣٦٩) و(٦/ ٢٦٠٢).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه (٤/ ٣٣٩)، والإمام أحمد في المسند (٣/ ٣) رقم (١١٠٠٢)، وفي فضائل الصحابة (٢/ ٧٧٩) رقم (١٣٨٤)، والحاكم في المستدرك (٣/ ١٨٢)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٧١)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٤/ ٢٠٧) و(١١/ ٩٠) كلهم من حديث أبي سعيد الخدري. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وقال الحاكم: (قد صح من أوجه كثيرة، وأنا أتعجب من أنهما لم يخرجاه). وأخرجه الترمذي في جامعه (٥/ ٦٦٠) رقم (٣٧٨١)، والنسائي في السنن الكبرى (٥/ ٨٠) رقم (٨٢٩٨) و(٥/ ٩٥) رقم (٨٣١٥)، وأحمد في المسند (٥/ ٣٩٢) رقم (٢٣٣٧٨)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٤١٣) رقم (٦٩٦٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٣٨) رقم (٢٦٠٩)، وفي المعجم الأوسط (٦/ ٢٣٨) رقم (٦٢٨٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩٠)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٢٩) رقم (٥٦٣٠) كلهم من حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله تعالى عنه. قال الترمذي: (حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل). وقال الألباني: (وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح غير ميسرة بن حبيب، وهو ثقة).
[ ١٨٠ ]
٨ - قوله -؟ ـ: «أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين» (١).
٩ - قوله -؟ ـ: «إذا نصح العبد سيده، وأحسن عبادة ربه، كان له أجره مرتين» (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه (١/ ٣٨) رقم (١٠٠)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٣٣٠) رقم (٦٩٠٤)، والدولابي في الكنى والأسماء (١/ ١٢٠) من حديث أبي جحيفة ﵁. وأخرجه الترمذي في جامعه (٥/ ٦١٠) رقم (٣٦٦٤)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٦٨) رقم (٦٨٧٣)، وفي الصغير (٢/ ١٧٣)، والضياء المقدسي في المختارة (٦/ ٢٤٤) رقم (٢٢٦٠) من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه). وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٣٥٩) رقم (٤٤٣١)، والبزار في مسنده (٢/ ١٣٢) رقم (٤٩٠) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. وأخرجه عبد الله بن أحمد في فضائل الصحابة (١/ ١٨٨) رقم (٢٠٠) من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٤/ ٢١٦ - ٢١٧) من حديث ابن عباس ﵁. وأخرجه الترمذي في جامعه (٥/ ٦١١) رقم (٣٦٦٥)، وابن ماجه في سننه (١/ ٣٦) رقم (٩٥)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣٥٩) رقم (٤٤٣١)، والبزار في مسنده (٣/ ٦٧) رقم (٨٣١)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (١/ ٤٠٥) رقم (٥٣٣) من طرق عن علي ﵁. قال الألباني - رحمه الله تعالى ـ: (وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه صحيح بلا ريب، إلا من بعض طرقه حسن لذاته).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ٩٠٠) رقم (٢٤١٢) من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما ـ.
[ ١٨١ ]
١٠ - قوله -؟ ـ: «المملوك الذي يحسن عبادة ربه، ويؤدي إلى سيده الذي له عليه من الحق والنصيحة والطاعة، له أجران» (١).
١١ - قوله -؟: «نعم ما لأحدهم يحسن عبادة ربه، وينصح لسيده» (٢).
١٢ - قوله -؟ ـ: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي» (٣).
١٣ - قوله -؟ ـ: «كلكم راع فمسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٤).
ومن الأدلة - أيضا - ما جاء عن صحابة رسول الله -؟ - ومن ذلك:
١ - قول عمر لأبي بكر ﵄ يوم السقيفة بمشهد من أبي بكر وغيره من المهاجرين والأنصار: «بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله -؟ ـ» (٥) ولم ينكر أحد على عمر. -؟ ـ.
٢ - قول عمرـ؟ ـ: «أبوبكر سيدنا، وأعتق سيدنا» يعني بلالا (٦)؟.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ٩٠١) رقم (٢٤١٣) من حديث أبي موسى الأشعري (.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ٩٠٠) رقم (٢٤١١) من حديث أبي هريرة (.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ٩٠١) رقم (٢٤١٤) من حديث أبي هريرة (.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ٩٠١) رقم (٢٤١٦) من حديث أبي هريرة (.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ١٣٤١) رقم (٣٤٦٧).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه (٣/ ١٣٧١) رقم (٣٥٤٤).
[ ١٨٢ ]
ثانيا: أدلة المنع:
أولا: حديث عبد الله بن الشخير -؟ - حيث قال: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله -؟ - فقلنا: أنت سيدنا، فقال رسول الله -؟ ـ: «السيد الله» قلنا: فأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال -؟ ـ: «قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» (١)
ثانيا: حديث أنس -؟ - وهو أن رجلا قال للنبي: ياخيرنا وابن خيرنا، وياسيدنا وابن سيدنا، فقال رسول الله: «يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستفزنكم الشيطان، أنا عبد الله ورسوله» (٢)
ثالثا: قوله -؟ ـ: «لا تقولوا للمنافق: سيد، فإنه إن يك سيدا، فقد أسخطتم ربكم» (٣).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٦/ ٧١) رقم (١٠٠٧٨)، وأحمد في مسنده (٣/ ١٥٣) رقم (١٢٥٧٣) وعبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (١/ ٣٩٠) رقم (١٣٠٩) و(١/ ٣٩٧) رقم (١٣٣٧)، وابن حبان في صحيحه (١٤/ ١٣٣) رقم (٦٢٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٥٢)، والضياء في المختارة (٥/ ٢٥) رقم (١٦٢٦) كلهم من طريق حماد بن سلمة. قال الضياء: (إسناد صحيح). وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (٦/ ٧١) رقم (١٠٠٧٩) من طريق حماد بن سلمة قال: حدثنا ثابت وحميد عن أنس. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٢٢٦) رقم (٤٨٧١)، والضياء في المختارة (٦/ ٩٥ - ٩٦) رقم (٢٠٨٠) كلاهما من طريق حماد بن سلمة قال: حدثنا حميد عن أنس. قال الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي في الرد على السبكي (ص٢٨٨): (إسناده صحيح على شرط مسلم).
(٣) روا أبو داود في سننه (٤/ ٢٩٥) رقم (٤٨٨٣)، والنسائي في السنن الكبرى (٦/ ٧٠) رقم (١٠٠٧٣)، وأحمد في مسنده (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧) رقم (٢٢٩٨٩)، والبخاري في الأدب المفرد (ص٢٧٦) رقم (٧٦٠)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص١٨١) رقم (٣٩١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٥/ ٢٤٧) رقم (٥٩٨٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٢٢٩) رقم (٤٨٨٣)، وابن حزم في المحلى (١١/ ٢١٩) كلهم من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن بريدة عن النبي ﷺ. وهذا إسناد صحيح كما قال ذلك المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٣٥٩). وأخرجه نعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك (١٨٦) من طريق ابن حوط عن قتادة به بلفظ: (إذا قال الرجل للمنافق سيدا، فقد أهان الله). ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٤٧) رقم (٧٨٦٥)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٩٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣١٢) رقم (٥٢٢٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٥/ ٤٥٤) من طريق عقبة بن عبد الله بن الأصم عن عبد الله بن بريدة به. قال الحاكم: (حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) وتعقبه الذهبي بقوله: (عقبة ضعيف).
[ ١٨٣ ]
أقوال العلماء في هذه الأدلة:
١ - ذهبت طائفة من العلماء إلى القول بمنع إطلاق ذلك على المخلوقين، أخذا بالأدلة الدالة على ذلك، ورأوا أن حديث عبد الله بن الشخير ناسخ لما سواه من الأحاديث؛ لأن هذا الحديث كان عام الوفود في السنة التاسعة من الهجرة.
مناقشة هذا القول:
هذا القول متعقب بأمور:
الأول: أن أحاديث المنع مقابلة بمثلها، وهي الأحاديث الدالة على الجواز.
الثاني: أن دعوى النسخ تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على ذلك، وأما كون حديث عبد الله بن الشخير يعد هو الناسخ؛ لكونه عام الوفود، فلربما تكون بعض الأحاديث بعد ذلك.
[ ١٨٤ ]
الثالث: أن حديث النهي عن قول ذلك للمنافق، لا يدل على منع قولها لمن ليس كذلك.
٢ - النهي عنه في المخاطبات، كقول القائل: ياسيدي، وأما ذكره مع عدم الخطاب فهذا لا ينهى عنه (١).
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى ـ: «وقد كان بعض أكابر العلماء يأخذ بهذا، ويكره أن يخاطب أحدا بلفظه أو كتابه بالسيد» (٢).
وهذا القول ذكره الحافظ ابن حجر عن الإمام مالك بن أنس (٣) - رحمه الله تعالى.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (ت ١٢٨٥): «وأما استدلالهم بقول النبي -؟ ـ: «قوموا إلى سيدكم» فالظاهر أن النبي -؟ - لم يواجه سعدا به» (٤).
قالوا: لأن المخاطب ربما يكون في نفسه عجب وغلو، ولما يلحق القائل من الذل والخضوع (٥).
وهذا القول متعقب بالأحاديث التي فيها الأمر بالمخاطبة بهذا اللفظ، كقوله -؟ ـ: «وليقل: سيدي ومولاي».
٣ - حمل النهي على إطلاقه على غير المالك، والإذن بإطلاقه على المالك، وقد اختار هذا القول ابن حجر (٦) - رحمه الله تعالى.
_________________
(١) انظر: تكملة فتح الملهم شرح صحيح مسلم لمحمد تقي العثماني (٤/ ٤١٦).
(٢) فتح الباري (٥/ ١٧٩).
(٣) انظر: فتح الباري (٥/ ١٧٩).
(٤) فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد (٢/ ٨٣٩).
(٥) انظر: القول المفيد (٣/ ٢٨٠).
(٦) انظر: فتح الباري (٥/ ١٧٩).
[ ١٨٥ ]
وحجة هؤلاء هي النصوص الواردة في توجيه المماليك إلى ذلك.
وهذا القول متعقب بالأحاديث التي فيها توجيه هذا القول من غير المماليك، كحديث سعد بن معاذ، وحديث الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وغيرها من الأحاديث.
٤ - حمل النهي على إطلاقه على المالك، وجواز إطلاقه على غيره، فهو عكس القول السابق.
وحجة هؤلاء أنه إذا أطلق على المالك، فلربما انصرف الذهن إلى الله - تعالى (١).
وهذا القول متعقب بالأحاديث التي فيها الإذن بذلك للماليك، كقوله: «وليقل: سيدي ومولاي».
قيل للإمام مالك - رحمه الله تعالى ـ: «هل كره أحد بالمدينة قوله لسيده: يا سيدي؟ قال: لا» (٢).
٥ - حمل النهي عن ذلك على الكراهة التنزيهية على سبيل الأدب، والأدلة الأخرى دالة على الجواز (٣).
وهذا القول متعقب بأمرين:
الأول: كثرة الأحاديث الدالة على كثرة الاستعمال، فلو كان الأدب بخلافها، لما كثرت هذه الكثرة، ولما وجه النبي -؟ - المماليك إلى قول ذلك، بل إنه -؟ - عدل بالمماليك إلى قول هذا اللفظ عن قول الألفاظ الأخرى المستبشعة في حق المخلوق نحو: (ربي).
_________________
(١) انظر: فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد للجيلاني (١/ ٣٠٠).
(٢) انظر: عمدة القاري للعيني (١١/ ٨).
(٣) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (٣/ ٢١٣)، الفروع لابن مفلح (٣/ ٥٦٨)، إبطال التنديد لابن عتيق (ص ١٦٧).
[ ١٨٦ ]
الثاني: قال الشيخ سليمان بن حمدان - رحمه الله تعالى ـ: «قال في إبطال التنديد: وهذان الحديثان دليل على الأدب مع الله ﷿، وقوله: «أنا سيد ولد آدم» وشبهه دليل على الجواز، فأقول: إذا كان الحديثان دليلا على الأدب مع الله ﷿ فما الذي أجاز سوء الأدب ومخالفة الأحاديث الصحيحة؟.
أما الاستدلال على جواز سوء الأدب بقوله -؟ ـ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، فلا يدل على الجواز؛ لأن هذا إخبار منه -؟ - عما فضله الله به على البشر، تحدثا بنعمة الله - تعالى - عليه، عملا بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (١). . .» (٢)
٦ - حمل النهي عن اتخاذ ذلك عادة شائعة؛ لأنها ربما أورثت كبرا، وحمل الجواز على استعمال ذلك في النادر (٣).
وهذا القول متعقب بتوجيه النبي -؟ - المماليك إلى قول ذلك، ومعلوم أن كون المماليك يقولون ذلك، يعني أنه سيكون عادة شائعة.
المناقشة والترجيح:
بعد النظر في الأقوال السابقة وأدلة كل فريق ظهر لي جواز إطلاق ذلك على المخلوق بشروط:
أحدها: عدم إرادة أي معنى من معاني الربوبية أو الألوهية، فإذا أريد شيء من ذلك فلا.
ومن ذلك: أن يلمح في هذا اللفظ معنى السيادة العامة على جميع الخلق.
_________________
(١) الضحى، آية (١١).
(٢) الدر النضيد (ص٣٣٦ - ٣٣٧).
(٣) انظر: فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد لفضل الله الجيلاني (١/ ٣٠٠).
[ ١٨٧ ]
وبه يوجه قوله -؟ - لما خوطب بالسيادة: «السيد الله»، فإنه لما كان التعريف بأل يفيد ذلك، منع من ذلك، ووجههم لما هو أحسن.
وأما إذا لم يلمح ذلك فلا مانع من إطلاقه؛ لإطلاق القرآن ذلك في حق يحيى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ولإطلاقه -؟ - هذا اللفظ على بعض الناس، كما في الأحاديث السابقة.
قال الشيخ حسين (ت١٢٢٤) وعبد الله (ت ١٢٤٣) ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله تعالى ـ: «قول: سيدي ونحوه، إن قصد به أن ذلك الرجل معبوده الذي يدعوه عند الشدة لتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، فإن ذلك شرك أكبر، وأما إن كان مراده غير ذلك، كما يقول التلميذ لشيخه: سيدي، أو يقال للأمير والشريف، أو لمن كان من أهل بيت رسول الله -؟ ـ: هذا سيد، فلا بأس به، ولكن لا يجعل عادة وسنة بحيث لا يتكلم إلا به» (١).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (ت ١٢٩٢) - رحمه الله تعالى - لما سئل عن حكم إطلاقه على المخلوق: «هذه الألفاظ تستعملها العرب على معان كسيادة الرئاسة والشرف فإطلاق هذه الألفاظ على هذا الوجه معروف لا ينكر، وفي السنة من ذلك كثير، وأما إطلاق ذلك في المعاني المحدثة كمن يدعي أن السيد هو الذي يدعى ويعظم فهذا لا يجوز، بل هو من أقسام الشرك» (٢).
وقال الشيخ محمد بشير السهسواني (ت ١٣٢٦) - رحمه الله تعالى ـ: «فالنهي عن إطلاق السيد والمولى على غير الله محمول على السيد والمولى بمعنى الرب، والرخصة محمولة عليهما بمعنى آخر من سائر المعاني» (٣).
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٤٥).
(٢) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٣/ ٢٠٨).
(٣) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان (ص٥٤١).
[ ١٨٨ ]
ويقول صديق حسن خان (ت١٣٠٧) - رحمه الله تعالى ـ: «ولفظ السيد له معنيان:
أحدهما: أن السيد هو الذي يكون مالكا مختارا بنفسه وحده، ولا يكون محكوما عليه من أحد، بل يكون حاكما مستقلا بذاته كشأن الملوك في الدنيا، فهذا الأمر إنما هو شأن الله - تعالى - ليس غيره سيدا بهذا المعنى.
وثانيهما: أن السيد رعوي لآخر، ولكن له فضل على عامة الرعايا، ممتاز منهم بالمزايا، ينزل إليه حكم الحاكم أولا، ثم يبلغ إليهم من لسانه وبواسطته فالنبي بهذا المعنى سيد لأمته، والإمام سيد أهل عصره فإن هؤلاء الكبار يتمسكون بحكم الله - تعالى - أولا بأنفسهم، ثم يبلغونه إلى أصاغرهم ويعلمونهم.
وهكذا نبينا -؟ - سيد أهل العالم أجمعهم وأكتعهم وأبصعهم، ومرتبته عند الله ﷿ أعلى من الجميع، وأكبر من الكل، وهو -؟ - أقوم الخلق، وأكبرهم في القيام بأحكام الله - تعالى - وكل الناس محتاجون إليه في تعلم سبل الله وشرائعه.
وعلى هذا يصح أن يقال له: سيد العالم، بل يجب أن يعتقد فيه هذه السيادة العامة الشاملة للجميع.
وأما بناء على الأول، فليس هو -؟ - سيد نملة واحدة، فضلا عن غيرها؛ لأنه ﵇ لا يقدر على التصرف في نملة من تلقاء نفسه» (١).
ثانيها: كون الموصوف بذلك أهلا للسيادة، أما إذا لم يكن أهلا لها فلا.
ودليل هذا: حديث النهي عن القول للمنافق ياسيد.
قال العلامة النووي (ت ٦٧٦) - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر بعض
_________________
(١) الدين الخالص (٢/ ٢٢١).
[ ١٨٩ ]
الأحاديث الدالة على الجواز وبعض الأحاديث الدالة على المنع: «والجمع بين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق: فلان سيد، وياسيدي، وشبه ذلك، إذا كان المسود فاضلا خيرا، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقا، أو متهما في دينه، أو نحو ذلك، كره أن يقال: سيد» (١).
وذكر العلامة الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله تعالى - أن إطلاق ذلك على المخلوق يجوز بشرط «أن يكون الموجه إليه السيادة أهلا لذلك، أما إذا لم يكن أهلا، كما لو كان فاسقا أو زنديقا فلا يقال له ذلك، حتى ولو فرض أنه أعلا منه مرتبة أو جاها فإذا كان أهلا لذلك، وليس هناك محذور، فلا بأس به، وأما إن خشي المحذور، أو كان غير أهل فلا يجوز» (٢).
٣ - انتفاء المفسدة، فإن كانت المفسدة في الخطاب منع من ذلك، وإن كانت المفسدة في قولها وإن لم يكن موجها له الخطاب كأن يكون بضمير الغيبة منع منه، وإن كان يخشى من المفسدة؛ للغلو أو التدرج فيه، منع من ذلك، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما.
ودليل هذا هو إنكار النبي -؟ - ذلك في حديث عبد الله بن الشخير، حيث كان مخاطبا به؛ فإن ذلك العام كان عام وفود، والناس كانوا حديثي عهد بكفر وجاهلية، والغلو فيهم فاش، فلخشيته -؟ - من الغلو فيه أو التدرج في ذلك نهاهم عن ذلك.
_________________
(١) الأذكار النووية (ص٣١١١ - ١٢).
(٢) القول المفيد (٣/ ٢٨٠).
[ ١٩٠ ]