إن المنافق والكافر ومن في حكمهم قد نهي الله - تعالى - عن إعزازهم وإكرامهم بعد إذ أذلهم، وأمر - جل وعلا - بإصغارهم واحتقارهم وإذلالهم.
قال الله - تعالى ـ: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ (١).
وقال - تعالى ـ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢).
وأمر - جل وعلا - بالغلظة عليهم، فقال - تعالى ـ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣).
قال الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤) - رحمه الله تعالى ـ: «أمر - تعالى - رسوله -؟ - بجهاد الكفار والمنافقين، والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة» (٤).
ومخاطبتهم بهذه الألفاظ فيها من التودد والاحترام ما ليسوا جديرين به، فإذا قال لهم العبد المسلم ذلك، فقد أعزهم بعد إذ أذلهم الله، وأكرمهم بعد إذ أهانهم الله.
وقد كان -؟ - يكره استعمال اللفظ الشريف المصون في حق من
_________________
(١) الحج، آية (١٨).
(٢) التوبة، آية (٢٩).
(٣) التوبة، آية (٧٣).
(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ٣٧١).
[ ٢٠١ ]
ليس كذلك، واستعمال اللفظ المهين المكروه فيمن ليس من أهله، وإطلاق السيادة على المنافق والكافر ومن في حكمهم من هذا القبيل (١).
وقد جاء النص عن رسول الله -؟ - في النهي عن إطلاق لفظ السيادة عليهم صريحا.
قال -؟ ـ: «لا تقولوا للمنافق: سيد، فإنه إن يك سيدا، فقد أسخطتم ربكم».
وقد بين العلماء كيف أنّ من أطلق السيادة على المنافق مسخطٌ لربه، فقد ذكر الطحاوي (ت ٣٢٢) - رحمه الله تعالى - أن سبب ذلك هو أنه وضع المنافق بخلاف المكان الذي وضعه الله ﷿ بذلك (٢).
وذكر ابن الأثير - رحمه الله تعالى - وجها آخر، فقال في بيان معنى هذا الحديث: «فإنه إن كان سيدكم - وهو منافق - فحالكم دون حاله، والله لا يرضى لكم ذلك» (٣).
فقد بين أن سبب النهي هو أن القائل جعل المنافق سيدا له، فيكون هذا القائل دونه، فلما كان دونه كانت حاله أشد من حاله.
وأما العلامة الطيبي (ت ٧٤٣) - رحمه الله تعالى - فذهب إلى أن سبب السخط أحد أمرين:
الأول: هو كون من جعله سيدا، فقد جعله واجب الطاعة، فإذا أطاعه القائل، كان ذلك سببا لسخط الرب - جل وعلا ـ.
الثاني: أن السخط حاصل بمجرد قولها له، وإن لم يك سيدا في الحقيقة
_________________
(١) انظر: زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٩)، فيض القدير للمناوي (١/ ٤١١).
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار (١٥/ ٢٤٩).
(٣) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٢/ ٤١٨).
[ ٢٠٢ ]
والواقع، وجعل الطيبي معنى (إن يك) إن يُقَل له (١).
وأما ملا علي قاري - رحمه الله تعالى - فذهب إلى أن قول ذلك للمنافق سبب للسخط من وجهين:
أحدهما: أن يكون سيد قوم أو صاحب عبيد وإماء وأموال، فإطلاق هذا اللفظ عليه يكون تعظيما له، وتعظيم المنافقين سبب لسخط الرب - جل وعلا - لأن الله - تعالى - أمر بالغلظة عليهم.
ثانيهما: أن يكون المنافق ليس كذلك، يعني ليس بصاحب دنيا ولا جاه، فإذا قيل له ذلك، كان كذبا بالاتفاق، والكذب حرام، وهو من أسباب السخط (٢).
فلا يحل بعد هذا البيان من رسول الله ﷺ أن يطلق هذا اللفظ على منافق أو كافر.
_________________
(١) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى بالكاشف عن حقائق السنن (١٠/ ٣٠٩٥)، وانظر: عون المعبود للعظيم آبادي (١٣/ ٢٢١).
(٢) انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٩/ ١١٩)، عون المعبود (١٣/ ٢٢١).
[ ٢٠٣ ]