كبيرًا، ويبدِّعون من قال: إن القرآن مخلوق أو توقف في ذلك ويسمونهم الواقفة وهم الذين سكتوا وتوقفوا؛ وتفصيل المسألة كما يلي:
أولًا: الجهمية والمعتزلة: قالوا: إن القرآن مخلوق؛ وهو عبارة عن حروف وأصوات خلقها الله - ﷿ - ونسبها إليه تشريفًا وتعظيمًا.
ثانيًا: الواقفة: وهم الذين يقولون: إن القرآن كلام الله ولكنهم توقفوا، فلم يقولوا إنه مخلوق أو غير مخلوق، وخالفوا أهل السنة والجماعة الذين يفصحون ويصرحون بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، والحقيقة أنهم قوم شُكَّاكٌ من أتباع الجهمية، فهم لم يقولوا بذلك إلا لتأثرهم ببدعة الجهمية ولذلك قال الإمام أحمد: «الواقفة جهمية».
وقد وصفهم ابن أبي داود في «حائيته» بأنهم أتباع لجهم فقال:
وَلا تَكُ فِي القُرْآنِ بالوَقْفِ قَائِلًا كَمَا قَالَ أتْبَاعٌ لِجَهْمٍ وَأَسْجَحُوا
أما أهل السُّنة والجماعة فقالوا: إن القرآن كلام الله تكلم به حقيقة بحرف وصوت مسموع، وأنه منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
ولا شك ولا ريب أن مذهب أهل السنة والجماعة هو المذهب الحق في هذه المسألة العظيمة؛ لأنه موافق لما جاء في نصوص الوحيين التي من تمسك بها هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١].
[ ٦٨ ]
وأدلة مذهب السلف في ذلك كما يلي:
أولًا: قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ الآية [الفتح:١٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]. فهاتان الآيتان وغيرهما دليل على أن القرآن هو كلام الله.
ثانيًا: قولهم: إن الله تكلم به حقيقة بصوت مسموع، دليله ما جاء في حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالْوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا فَيُصْعَقُونَ، فَلَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ، حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. قَالَ: فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ مَاذَا قَالَ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: الْحَقَّ، فَيَقُولُونَ: الْحَقَّ الْحَقَّ» (^١).
فالحديث يدل على أن أهل السماء يسمعون كلام الله - ﷿ - إذا تكلم بالوحي، والسماع لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان بصوت مسموع، ومن المعلوم أن القرآن يدخل في عموم لفظ الوحي.
ثالثًا: وأما قولهم: «بحرف»، فدليله ما جاء أيضًا من حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ
_________________
(١) أخرجه البخاري تعليقًا (٦/ ٢٧١٩)، ووصله في خلق أفعال العباد ص (٩٢ - ٩٣)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٢/ ٦٤٨) رقم (٤٧٣٨).
[ ٦٩ ]
حَرْفٌ» (^١).
رابعًا: وأما قولهم: «منزل غير مخلوق»، فدليله قول الله - ﷿ -: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦].
خامسًا: وأما قولهم: «منه بدأ»، فدليله قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ﴾ أي: القرآن، ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ الرُّوحُ: هو جبريل - ﵇ -، والْقُدُس: الطُّهْر، والمعنى نزله الروحُ المطَهَّرُ، فهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ (مِنْ) هنا لابتداء الغاية، فيكون المعنى أن ابتداء تنزيل القرآن من عند الله - ﷾ -.
سادسًا: وقولهم: «وإليه يعود»، أي: أن القرآن يرجعُ إلى اللهِ تعالى؛ لأنه يرفع في آخر الزمان فلا يبقى منهُ شيءٌ في الصدور ولا في المصاحف، وذلك من علامات الساعة، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُبْعَثَ رِيحٌ حَمْرَاءُ مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ، فَيَكْفِتُ اللهُ بِهَا كُلَّ نَفْسٍ تُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا يُنْكِرُهَا النَّاسُ مِنْ قِلَّةِ مَنْ يَمُوتُ فِيهَا: مَاتَ شَيْخٌ فِي بَنِي فُلَانٍ، وَمَاتَتْ عَجُوزٌ فِي بَنِي فُلَانٍ، وَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ الله، فَيُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَا
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥/ ١٧٥) رقم (٢٩١٠). وقال الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٣٣٢٧): «إسناده جيد».
[ ٧٠ ]