• وهنا مسألة وهي ما الفرق بين المشبهة والمعطلة؟
o الجواب: المشبهة هم الذين شبهوا الله بخلقه، والمعطلة هم الذين عطلوا الصفات ونفوها.
والتشبيه نوعان:
الأول: تشبيه الخالق بالمخلوق: وهو أن يثبت لله تعالى في ذاته أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق، كقول القائل: إن يدي الله كأيدي المخلوقين، أو نزوله كنزوله، ونحو ذلك.
الثاني: تشبيه المخلوق بالخالق: فهو أن يثبت شيئًا للمخلوق مما يختص به الخالق من الأفعال والحقوق والصفات، كفعل من أشرك في الربوبية أو كمن أشرك في الألوهية وكفعل الغلاة في مدح النبي ﷺ (^١).
والمعطلة ينقسمون إلى قسمين:
١ - المؤوِّلة: وهم الذين صرفوا معاني صفات الله تعالى عن ظاهرها المتبادر إلى معنى آخر غير متبادر لا دليل عليه ولا مرجح له.
٢ - المفوضة: وهم الذين يفوضون معاني الأسماء والصفات لله تعالى ولا يثبتون منها شيئًا.
_________________
(١) ينظر: شرح الطَّحَاوية، لابن أبي العز (ص: ٢١)، مجموع فتاوى ابن عثيمين (٤/ ٢٢، ٢٣)، فتح رب البرية بتلخيص الحموية، لابن عثيمين أيضًا (ص: ٢٠).
[ ٧٨ ]
وأَرُدُّ عُهْدَتَها إلى نُقَّالِهَا وأَصُونُها عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ
وقد اتفق المؤولة والمفوِّضة على صرف نصوص الصفات عن ظاهرها المتبادر المعتبر، ونفوا الصفات المأخوذة منها، ولكن المؤوِّلة أولوها بمعانٍ أخرى بعقولهم، بينما فوَّض المفوِّضة معانيها، ولم يفسروها.
وهناك فرق بين أهل السُّنة والمفوضة: يتبيَّن بالمثال التالي: وهو أنَّ من أسماء الله تعالى (الرحمن) فأهل السُّنة يثبتون هذا الاسم، ويأخذون منه صفة الرحمة، أما المفوضة فهم يثبتون الأسماء ولكن يفوضون معانيها إلى الله، وهم بذلك يثبتون أن القرآن ليس له معانٍ مفهومة.
ولهذا قال أهل السُّنة: المفوضة شر الطوائف؛ لأن ظاهرها التورع والاحتياط، وباطنها تكذيب القرآن، وأنه لا معنى ولا حقيقة له.
قوله: (وأَرُدُّ عُهْدَتَها إلى نُقَّالِهَا) المراد بالذي تُرَدُّ العهدة فيه إلى النُقَّال هو باب الصفات فلا يُتَكَلَّم في شيء من هذا الباب إلا بوحي، والمراد بالنُقَّال هم أهل العلم الذين نَقَلُوا هذه الأحاديث من لدن الصحابة - ﵃ - ثم التابعين ومن جاء بعدهم.
قوله: (وأَصُونُها عَنْ كُلِّ مَا يُتَخَيَّلُ) أي: يصون ما جاء في هذا الباب عن التأويل والتحريف والتعطيل والتكييف، ويصون الصفات أيضًا عن التخيل فإن الله أجل وأعظم من أن تتخيل صفاته. وأما الخواطر التي تَرِدُ على النفس، فلا يسلم منها أحد، بل لم يسلم منها الصحابة - ﵃ - حتى قالوا:
[ ٧٩ ]
قُبْحًا لِمَنْ
«إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ - والمقصود بها الخواطر التي لا يسلم منها أحد - قَالَ ﷺ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» (^١).
وجاء في غير «مسلم» قال: «الْحَمْدُ لله الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» (^٢)، قال الإمام أحمد: «كل ما أخبر الله به في كتابه من صفاته فهو كما أخبر لا كما يخطر للبشر».
ولهذا كانت قاعدة هذا الباب: «التسليم المطلق» كما ذكر أهل العلم وكما جاء عن الله - ﷿ - وعن الرسول ﷺ.
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
فهو تسليم مطلق لما جاء عن الله ورسوله، قال الطحاوي: «لا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام».
(قُبْحًا لِمَنْ ) استهل الناظم ﵀ هذا البيت بالدعاء على من أعرض عن القرآن، فهو يدعو عليه بالتقبيح حيث كان محلًّا لكل قبيح، لأنه أعرض
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٤٤٨).
[ ٨٠ ]
قُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ القُرَانَ وراءَهُ وإذا اسْتَدَلَّ يقولُ قالَ الأخطَلُ
عن القرآن، وكلما بَعُدَ المرء عن القرآن جمع القبائح، وكلما اقترب منه سلَّمه الله من القبائح.
قوله: (قُبْحًا) القبيح: ضد الحسن. (لِمَنْ نَبَذَ) طرح. (القران) (^١) الكريم.
(وراءَهُ) فلم يلتفت إليه بل أعرض عنه ورغب عن هديه.
قوله: (وإذا اسْتَدَلَّ) في مسائل العقائد (يقولُ قالَ الأخطَلُ) ويعني بذلك الشاعر النصراني المعروف (^٢)، والخطل في اللغة هو الخطأ في الكلام (^٣).
ويشير الناظم ﵀ هنا إلى شناعة ما قام به بعض المبتدعة الذين نفوا صفة الكلام عن الله - ﷿ - بحجة ضعيفة باهتة وهي بيت قاله الأخطل وهو:
إِنَّ الكلامَ لفي الفُؤادِ وإِنَّمَا جُعِلَ اللسانُ عَلَى الفُؤادِ دَلِيلَا
فاستدلوا بهذا البيت وقالوا: إن كلام الله هو الكلام النفسي، وإن الكلام في الحقيقة هو ما يقوم بالنفس.
_________________
(١) «الْقُرَان»: يعني القرآن، وهي لغة مشهورة وقراءة سبعية، وهي لغة الشافعي.
(٢) هو أبو مالك غياث بن غوث التغلبي، نشأ في العراق، وهو شاعر نصراني، سليط اللسان، مدمن على شرب الخمر، توفي سنة (٩٢ هـ). انظر: البداية والنهاية (٩/ ٩٧)، وتاريخ الأدب العربي ص (٦١).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٩٧).
[ ٨١ ]
ومقتضى قولهم هذا إنكار صفة الكلام لله سبحانه؛ لأنهم قالوا: إن كلام الله هو المعاني دون اللفظ، ويُرَدُّ عليهم بقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) [النساء:١٦٤]، قال النحاس: «أجمع النحويون على أن الفعل إذا أُكِّدَ بالمصدر لم يكن مجازًا» (^١)، والفعل (كَلَّمَ) هنا أُكِّدَ بالمصدر الحقيقي (تَكْلِيمًا) فوجب أن يكون كلامًا على الحقيقة.
وقد أجمع السلف والخلف من أهل السُّنة وغيرهم على أنَّ الفعل (كلَّم) هنا المراد به الكلام المنطوق بحروف (^٢).
وأيضًا يقال: إن العرب لا تنسب للساكت كلامًا ولو كان يحدث نفسه فضلًا عن غيره، وإنما يسمى الكلام كلامًا عندما يُنطق به، وأما قبل النطق به فلا يسمى كلامًا، ويدل لذلك قول النبي ﷺ: «إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ» (^٣).
والمقصود أن السلف يستدلون بـ: قال الله، قال رسوله، وهؤلاء يستدلون بهذا البيت، ولا شك أن هذا ضَلالٌ مُبِينٌ، وزيغ واضحٌ عن الصراط المستقيم.
_________________
(١) إعراب القرآن (١/ ٢٥١) بنحوه.
(٢) الروضة الندية ص (١٧١، ١٧٢) بتصرف يسير.
(٣) رواه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧) واللفظ له.
[ ٨٢ ]
قال شيخ الإسلام: «وقد قالت طائفة إن هذا ليس من شعره» (^١)، أي ليس من شعر الأخطل؛ لذلك لم يجزم ابن القيم في «نونيته» بنسبته إلى الأخطل حيث قال:
ودليلُهم في ذاك بيتٌ قاله فما يُقال الأخطلُ النصراني
قال العلامة ابن جبرين ﵀: «ثم لو قدَّرنا أنه صحيح وأنه من قول الأخطل لم نقبله وذلك لأن الأخطل نصراني، مشهور بتمسكه بالنصرانية، ويفتخر بها، وقد اشتهر من شعره قوله:
ولستُ بقائمٍ كالعَيْر يدعو قبيل الصبح حيَّ على الفلاح
ولستُ بقائدٍ عِسًا بكورًا إلى بطحاء مكة للنجاح
ولستُ بصائم رمضان طوعا ولستُ بآكل لحم الأضاحي
لا شك أن هذا يدل على كفر صريح، وإذا كان يفتخر بأنه نصراني فكيف يستشهد بكلامه في أمر يتعلق بالعقيدة؟! ثم أيضًا هو يسمى الأخطل، والخطل هو عيب في الكلام، وأيضًا هو نصراني والنصارى قد ضلوا في مسمى (الكلام) حيث جعلوا (عيسى) نفسه (الكلمة) فإذا كان
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٩٦).
[ ٨٣ ]