وكذا الصِّراطُ يُمَدُّ فوقَ جَهَنَّم فَمُسَلَّمٌ نَاجٍ وآخَرُ مُهْمَلُ
الحوض هو النهر، والله تعالى أعلم.
- ثالثًا: هل للأنبياء الآخرين حوض؟
قال بذلك بعض أهل العلم استدلالًا بما رواه «الترمذي» مرفوعًا: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا» (^١)، ولكن هذا الحديث ضعيف عند أهل الحديث، وقد أعله الترمذي بالإرسال، ولم يثبت في ذلك شيء، والله أعلم.
قوله: «وكذا» أي: وأقر أيضًا بـ «الصِّراط» وهو لغة: الطريق الواضح. وشرعًا: الجسر المنصوب على متن جهنم بين الجنة والنار، يمر عليه جميع الخلائق، فأقر بأنه حق ثابت للنصوص الواردة فيه.
قوله: «يُمَدُّ» أي ينصب «فوقَ جَهَنَّم» يعني على ظهر جهنم نعوذ بالله تعالى منها.
قوله: (فَمُسَلَّمٌ نَاجٍ): أي سالم من مزلته بفضل الله ورحمته (وآخَرُ مُهْمَلُ): بعدل الله وحكمته.
والمقصود أن الناظم يشير في هذا البيت إلى أن الصراط المنصوب على متن جهنم يوم القيامة حق ثابت يجب الإيمان به وفق ما جاء في نصوص الوحيين، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١].
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٤٣) من حديث سمرة بن جندب - ﵁ -، قال الترمذي: «هذا الحديث عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلا ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح».
[ ١٠٠ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فسره النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» عن جابر بأنه المرور على الصراط والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة، من كان صغيرا في الدنيا ومن لم يكن، وهذا عام لجميع الخلق» (^١).
وروى الإمام أحمد في «مسنده» من حديث عبد الله بن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ كُلُّهُم ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْهَا بِأَعْمَالِهِم» (^٢).
والمقصود بالورود على متن جهنم: المرور على الصراط المنصوب على متنها، يمر الخلائق يوم القيامة عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كراكب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من تَتَخَطَّفُه الكَلالِيبُ التي على متن جهنم فَيُكدَسُ فيها، نسأل الله السلامة والعافية.
ويدل لذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي ﷺ في حديث طويل جاء فيه: «ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ وَتَحِلُّ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد رقم (٣٩٢٧) والترمذي رقم (٣١٥٩)، وقال: «حديث حسن».
[ ١٠١ ]
الشَّفَاعَةُ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الْجِسْرُ؟ قَالَ: دَحْضٌ مَزِلَّةٌ. فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» (^١).
وينبغي التنبيه هنا على أن الناس في سرعة المرور وبطئه على حسب إيمانهم وأعمالهم الصالحة التي قدموها في الدنيا، فبحسب استقامة الإنسان على دين الإسلام وثباته عليه يكون ثباته ومروره على الصراط، فمن ثبت على الصراط المعنوي وهو الإسلام ثبت على الصراط الحسي المنصوب على متن جهنم يوم القيامة.
وفي هذا الموقف العصيب الذي لا يعرف الناسُ فيه بعضُهم بعضا، ولا يتكلم فيه أحد إلا الأنبياء، ومن سواهم لا يتكلم، كما قال النبي ﷺ في «الصحيحين»: «وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلا الرُّسُلُ، وَكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ» (^٢).
• وهناك بعض المسائل المتعلقة بالصراط: