تكلم أهل العلم في هذه المسألة واختلفوا في ذلك، لكن هذه المسألة لم يأت فيها نص، والقاعدة في هذا أنه لا يُجزمُ فيها بشيء، فلا يجزم بأن لكل أمة ميزانًا، ولا بأنه ميزان واحد لكل الأمم.
- المسألة الثانية: في الموزون هل هو العامل أو العمل أو هما معًا؟
اخْتُلِفَ في ذلك فمن أهل العلم من قال: إن الميزان للعمل، ودليل ذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ» (^١).
فهذا الحديث فيه دلالة على أن الأعمال هي التي توزن في الميزان يوم القيامة.
ويدل على ذلك أيضًا حديث مشهور وهو حديث البطاقة الذي رواه عبدالله بن عمرو بن العاص وهو مخرج عند «الترمذي» جاء في آخره:
«فَتُوضَعُ السِّجِلاتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَت السِّجِلاتُ وَثَقُلَت
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤).
[ ٩٣ ]
الْبِطَاقَةُ، فَلا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ الله شَيْءٌ» (^١).
والمقصود أنَّ شهادة أن لا اله إلا الله هي التي رجحت في الميزان، ولذلك طاشت السجلات وثَقُلَت البطاقة مما يدل على أن الموزون العمل، وحديث البطاقة حديث مشهور، وقد قال عنه الإمام الترمذي في «جامعه»: «حديث حسن غريب».
والغريب عند أهل الحديث من أقسام الضعيف، ولكن لا يلزم من الغرابة الضعف، كما في حديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^٢) سنده غريب ومع ذلك اتفق أهل العلم على صحته، وحديث البطاقة استغربه الترمذي والبغوي.
الرأي الثاني: أن الوزن للعامل استدلالًا بأحاديث كثيرة من ذلك ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» (^٣).
ومن ذلك أيضًا قول النبي ﷺ عن سَاقَي ابن مسعود - ﵁ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٦٣٩).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١)، ومسلم رقم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٤٧٢٩)، ومسلم رقم (٢٧٨٥).
(٤) أخرجه أحمد رقم (٣٧٩٢) من حديث ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنه كان يجتني سواكا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله - ﷺ -: «مم تضحكون؟»، قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه، فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد». الحديث.
[ ٩٤ ]
الرأي الثالث: أن الوزن للعامل والعمل، ومال إلى هذا ابن كثير ﵀ جمعًا بين النصوص الواردة في هذا الباب، ولعله هو الأقرب، والله أعلم.
- المسألة الثالثة: ما الحكمة من الوزن يوم القيامة؟ مع أن الله - ﷾ - مطلع على كل ذلك، فهو عالم بأعمال العباد ومقدارها في الموازين؟
- الجواب: أن الحكمة من ذلك لأهل الإيمان: ليعلموا أن ما حازوه من خير وحصلوا عليه من فوز، إنما هو بمحض رحمة الله تعالى، لا بأعمالهم، والدليل على هذا قوله ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا» (^١).
سؤال آخر: لو أن رجلًا أمضى كل عمره في الصلاة هل يستحق الجنة بمجرد هذا العمل؟
o الجواب: لا يمكن أن يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى، ومن رحمة الله أن وفقه للعمل الصالح الذي هو سبب من أسباب دخول الجنة، فهذا التوفيق للعمل الصالح هو نعمة من الله على عبده تستحق الشكر، وما أحسن قول القائل:
لك الحمد يا رَبي على كلِّ نعمةٍ ومن أعظمِ النعماءِ قولي لك الحمدُ
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٦٧٣)، ومسلم رقم (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٩٥ ]
أما الكفار: فالحكمة من وزن أعمالهم الإحصاء عليهم، كي يُقِرُّوا بها، ويُوقَفُوا عليها ليعترفوا بعد ذلك بما كان منهم من سوء، كما قال الله تعالى ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١].
وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت:٥٠].
وعلى هذا إذا دخل المؤمن الجنة علم أنه دخلها بفضل الله، والكافر إذا دخل النار علم أن هذا بعدل الله - ﷾ -، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
وقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الميزان هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]» (^١).
وقال ﵀: «إن الله سبحانه يحاسب الخلق في ساعة واحدة لا يشغله
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٢).
[ ٩٦ ]
حساب هذا عن حساب هذا، وهذا الحساب يراد به الموازنة بين الحسنات والسيئات، وهذا يتضمن المناقشة، ويراد به عرض الأعمال على العامل وتعريفه بها» (^١).
والخلاصة: أن أهل السُّنة والجماعة يؤمنون بالميزان ويقولون: إنه ميزان حقيقي بخلاف المعتزلة الذين قالوا: إنه غير حقيقي وإنما معناه إقامة العدل فهو ميزان معنوي معناه العدل بين العباد، وليس لهم حجة في ذلك إلا أنهم حكَّموا عقولهم في الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل وقدموا العقول على النقول، وأما أهل الحق فإنهم يؤمنون بالأمور الغيبية على حقيقتها ويردون كيفيتها إلى الله - ﷿ -.