مثبة، والحصر هو وجود الحكم في المحصور ونفيه عما سواه.
ومن المعلوم أن أسلوب الحصر من أقوى الدلالات على المقصود، فيكون معنى هذا الأسلوب أننا ما عبدناهم إلا لغاية واحدة فقط، وهي طلب القربة، وليس من أجل أن نتخذهم أربابًا من دون الله، ثم ذكر الله - ﷿ - في آخر هذه الآية أنهم كفار فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فكفرهم بهذا الطلب.
ثانيًا: التوسل بذات أو جاه أحد الأنبياء أو الصالحين فضلًا عن غيرهم ممن هو دونهم، فهذا العمل بدعة منكرة، لم يدل عليها دليل، ولم يُنقل عن أحد من الصحابة أو سلف الأمة فعل ذلك.
يقول شيخ الإسلام ﵀: «من تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعةً سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يُعبد إلا بما هو واجب أو مستحب» (^١).
شبهة: قد يقول قائل: ماذا عن قول عمر - ﵁ - كما في «صحيح البخاري»: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ: فَيُسْقَوْنَ» (^٢).
وأهل البدع يستدلون بهذا الدليل على جواز التوسل بالصالحين.
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٢/ ٢٥).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٠١٠) من حديث أنس بن مالكٍ: «أنَّ عُمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطُوا استسقى بالعباسِ بن عبد المطلب فقال: » الحديث.
[ ٤٩ ]
وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ علَا وفضائلٌ لكِنَّما الصِّدِّيقُ مِنْهُمْ أَفْضَلُ
الجواب: أن عمر - ﵁ - لم يتوسل بذات أو جاه أو حق العباس - ﵁ -، وإنَّما توسل بدعائه؛ والتوسل بدعاء الشخص الحي الحاضر جائز ولا إشكال فيه، وبهذا يتحقق الجمع بين الأدلة.
ثالثًا: التوسل بحق المخلوق كما في قول بعض الناس: «اللهم إني أتوسل إليك بحق فلان عليك، اللهم إني أتوسل بحق الجيلاني عليك أو بحق البدوي أو بحق العالم الفلاني أن تعطيني كذا وكذا». هذا غير مشروع، وليس لأحد من المخلوقين على الله تعالى حق، فعطاءُ الله جل وعلا لأحد من المخلوقين هو تفضلٌ وإحسانٌ منه إليهم، وليس حقًّا على الله لهم، والله أعلم.
قوله: (وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ عَلا وفضائلٌ) جاء في بعض النسخ: «وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ وَفَضْلٌ سَاطعٌ»، والمثبت في أكثر النسخ: (وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ عَلا وَفضائل).
قوله: (وَلِكُلِّهِمْ) الضمير هنا يعود على جميع الصحابة. (قَدْرٌ) عظيم وشأنٌ رفيع. (عَلا) أي سما على غيره، وهذا معلوم، فهم خير أمة أخرجت للناس، وهم خير القرون كما أخبر بذلك النبي ﷺ جاء ذلك في «الصحيحين» من حديث عمران بن حصين ب (^١).
قوله: (لكِنَّما الصِّديقُ مِنْهُمْ أَفْضَلُ) (لكنَّ): حرف استدراك وتعقيب، و(ما) زائدة كافة، ولما كان أبو بكر الصديق - ﵁ -، أفضل خلق الله بعد النبيين والمرسلين، كما هو معلوم عند الأمة، ومجمع عليه عند الأئمة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٩٣٨) رقم (٢٥٠٨)، ومسلم (٤/ ١٩٦٤) رقم (٢٥٣٥)، ولفظه: «خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: لا أدري أذكر النبي - ﷺ - بَعدُ قرنين أو ثلاثةً».
[ ٥٠ ]