استدرك الناظم ﵀ بقوله: (لكِنَّما الصِّديقُ) يعني أبا بكر - ﵁ - وأرضاه.
(مِنْهُمْ) أي من جملة الصحابة. (أَفْضَل) وهذا بالإجماع، فهو أكثر الصحابة فضائل، واسمه: عبد الله بن عثمان (أبي قحافة) ابن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي القرشي، يلقب بالصديق، ويكنى بأبي بكر.
وفضائله كثيرة مشهورة جدًّا، منها أنه أول من أسلم من الرجال الأحرار (^١)، وأول من جمع القرآن (^٢).
وكان - ﵁ - يتحلى بالورع والبعد عن الشبهات حتى إنه قاءَ ما أكل حين علم أنه من كسب حرام (^٣)، وصدَّقَ الرسول ﷺ حين كذَّبهُ الناس ولم يتردد
_________________
(١) أخرج البخاري (٣٦٦٠)، و(٣٨٥٧) عن عمار بن ياسر: «رأيت رسول الله - ﷺ - وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر»، قال الحافظ في «الفتح» (٧/ ١٧٠): «وفيه دلالة على قدم إسلام أبي بكر إذ لم يذكر عمار أنه رأى مع النبي - ﷺ - من الرجال غيره، وقد اتفق الجمهور على أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال»، وذهب بعض أهل العلم إلى أن علي بن أبي طالب أولُ الناس إسلامًا؛ ولذلك قال النووي في «تهذيب الأسماء» (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥): «قال العلماء: والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ومن الصبيان علي ومن النساء خديجة بنت خويلد ومن الموالي زيد بن حارثة ومن العبيد بلال».
(٢) وقصة جمع القرآن أخرجها البخاري (٤٩٨٦) من حديث زيد بن ثابت.
(٣) فقد أخرج البخاري (٣٨٤٢) عن عائشة - ﵂ -، قالت: «كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه».
[ ٥١ ]
في قبول دعوته إلى الإسلام حين تردَّد وأبى غيره، وواسى رسول الله ﷺ بنفسه وماله حتى قال فيه النبي ﷺ: «إِنَّ الله بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي» (^١).
وهو أخص الصحابة برسول الله ﷺ وصاحبه في الغار (^٢)، قال تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، فنص القرآن على ثبوت صحبته، وهذه فضيلة لم يشاركه فيها أحد من الصحابة؛ لهذا قال العلماء: من قال: إن أبا بكر لم يكن من الصحابة كفر؛ لتكذيبه نص القرآن.
وقد تواتر عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: «خير الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» (^٣).
قال شيخ الإسلام: «ونقل عن علي بن أبي طالب - ﵁ - من نحو ثمانين
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٦١) من حديث أبي الدرداء - ﵁ -.
(٢) أخرج البخاري (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١) عن أبي بكر - ﵁ - قال: «قلت للنَّبي - ﷺ - وأنا في الغار لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال ما ظنك يا أبا بكرٍ باثنين الله ثالثهما».
(٣) أخرجه البخاري (٣٦٧١)، وأحمد وابنه عبد الله (١/ ١٠٦).
[ ٥٢ ]
وجهًا: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويذكر ذلك عن ابن الحنفية كما رواه البخاري، والشيعة تكذبه؛ فهم معه كالنصارى مع المسيح واليهود مع موسى» (^١)، يعني: أن الشيعة يكذبون عليًّا كتكذيب النصارى لعيسى واليهود لموسى.
وقال الإمام الحافظ الذهبي: «هذا متواتر عن علي - ﵁ -، فلعنة الله على الرافضة ما أجهلهم» (^٢).
وقد جاء في فضله - ﵁ - أحاديث، منها ما جاء في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: «وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ» (^٣).
وأيضًا ما جاء في «البخاري» عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ» (^٤).
ومما قيل فيه شعرًا:
_________________
(١) مختصر الفتاوى المصرية ص (١٠٦).
(٢) لوامع الأنوار (٢/ ٣١٢).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٦٥٤)، ومسلم رقم (٢٣٨٢).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٣٦٦١).
[ ٥٣ ]
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أوفاها وأعدلها بعد النبي وأولاها بما حملا
والثاني التالي المحمود مشهده وأول الناس منهم صدق الرسلا
وقيل فيه أيضًا:
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا من البرية لم يعدل به رجلا
وكذلك قول الشاعر:
وَلكنِّي أُحِبُّ بِكُلِّ قَلْبي وَأَعْلَمُ أَنَّ ذَاكَ مِنَ الصَّوَابِ
رَسُولَ اللهِ وَالصِّدِّيقَ حُبًّا بِهِ أَرْجُو غَدًا حُسْنَ الثَّوَاب
وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر، وأما وفاته - ﵁ - فكانت في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة عن ثلاث وستين سنة.
ويأتي بعد أبي بكر في الأفضلية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، يكنى بأبي حفص، ويلقب بالفاروق، أسلم في السنة السادسة من البعثة وفرح المسلمون بإسلامه فرحًا شديدًا فكان عزًّا للإسلام
[ ٥٤ ]
والمسلمين (^١)، وكان ملهمًا مقدامًا شجاعًا قويًّا لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو أول من لقب بأمير المؤمنين (^٢)، وأول من وضع التاريخ الهجري، وافق ربه في عدة آيات؛ منها: اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وآية الحجاب، وأسارى بدر (^٣).
تولى الخلافة في السنة التي توفي فيها أبو بكر الصديق - ﵁ -، فكان خير خلف لخير سلف، فقام بالأمر أتم قيام، وفتح بلاد الشام وكرمان وسجستان، وأصفهان ونواحيها، ومناقبه كثيرة، - ﵁ -.
وقد جاء في فضله أحاديث منها: ما جاء في «الصحيحين» عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» (^٤).
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) أخرج البخاري (٣٦٨٤) عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر».
(٢) الاستيعاب لابن عبد البر (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧).
(٣) أخرج البخاري (٤٢)، (٤٤٨٣) وغيره عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] وآية الحجاب قلت يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي - ﷺ - في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن، فنزلت هذه الآية. وأخرج مسلم (٢٣٩٩) عن ابن عمر قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر.
(٤) أخرجه البخاري رقم (٣٤٨٠)، ومسلم رقم (٢٣٩٦).
[ ٥٥ ]
«إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ» (^١).
ومما قيل فيه شعرًا:
في الجاهلية والإسلام هيبته تثني الخطوب فلا تعلو عواديها
في طيِّ شدته أسرار رحمته للعالمين ولكن ليس يفشيها
وبين جنبيه في أوفى صرامته فؤاد والدة ترعى ذراريها
إن الذي برأ الفاروق نزهه عن النقائص والأغراض تنزيها (^٢)
ومناقبه كثيرة - ﵁ -، من أشهرها أنه كان قويًّا في دين الله شديدًا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ثاقب الرأي، حاد الذكاء نير البصيرة، جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وقد كان عادلًا فلا يزال المسلمون يذكرونه على مر العصور وتتابع الأزمان، ويتحدثون عن فضائله ومناقبه ويشيدون بعدله الذي صار مضربًا للمثل، وقد كانت خلافته فتحًا، إذ تهاوت في أيامه عروش كسرى وقيصر، فقضى على أعظم دولتين في ذلك الزمان.
لكن أهل الغدر مدوا أيديهم ليبوءوا بإثم دم هذا الفاروق العظيم، فقد
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٦٩) (٣٦٨٩)، ومسلم رقم (٢٣٩٨).
(٢) أبيات من قصيدة طويلة للشاعر حافظ إبراهيم في الفاروق - ﵁ -.
[ ٥٦ ]
قام أبو لؤلؤة المجوسي الخبيث بطَعنِهِ بخنجر في صلاة الصبح فاستشهد - ﵁ - لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة، وسنه آنذاك ثلاث وستون سنة.
ويليه في الأفضلية والخلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ -، تولى الخلافة في السنة التي توفي فيها عمر - ﵁ -، هاجر الهجرتين، وزَوَّجَه رسول الله ﷺ ابنتيه: رقية، وأم كلثوم؛ ولذلك سُمي بذي النورين، وهو من السابقين الأولين، وأحد العشرة المبشرين، وهو أحد الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض (^١).
ومما جاء في فضله أن النبي ﷺ جمع ثيابه حين دخل عثمان - ﵁ - وقال: «أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» (^٢).
وأيضًا ما ثبت في «البخاري» من حديث ابن عمر ب أنه قال: «كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ» (^٣).
_________________
(١) قال عمر - ﵁ -: «ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض؛ فسمى عليًّا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا وعبد الرحمن». أخرجه البخاري رقم (٣٧٠٠) وغيره في قصة بيعة عثمان.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٤٠١).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٦٥٥).
[ ٥٧ ]
فالمقصود أن له كثيرًا من الفضائل - ﵁ - وأرضاه، استشهد ثاني أيام التشريق في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة النبوية بعد أن حوصر في بيته عشرين يومًا.
ورابع الصحابة في الفضل: علي بن أبي طالب - ﵁ - فهو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين، وصهر النبي ﷺ، وهو منه بمنزلة هارون من موسى (^١)، يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله (^٢)، إلى غير ذلك من فضائله المعلومة - ﵁ -.
كانت وفاته في تسع عشرة من رمضان سنة أربعين للهجرة، وعمره ثلاث وستون سنة.
ويأتي بعد الخلفاء الراشدين في الفضيلة الستة الباقون من العشرة المبشرين، وهم:
أولًا: طلحة بن عبيد الله، وقد جاء في فضله ما ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٥٠٣)، ومسلم رقم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٧٠١)، ومسلم رقم (٢٤٠٦).
(٣) أخرجه مسلم رقم (٢٤١٧).
[ ٥٨ ]
ثانيًا: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ومما جاء في فضله ما ثبت عن النبي ﷺ كما عند «الترمذي» وأحمد في «مسنده» عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: «أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ» (^١).
ثالثًا: سعد بن أبي وقاص الذي قال له النبي ﷺ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» كما في «الصحيحين» عن علي - ﵁ - قال: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ؛ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» (^٢).
رابعًا: عبد الرحمن بن عوف الذي جاء في فضائله قول النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ» (^٣).
خامسًا: أبو عبيدة عامر بن الجراج جاء في فضله ما رواه حذيفة قال: «جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا. فَقَالَ: «لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ حَقَّ أَمِينٍ». قَالَ: فَاسْتَشْرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ» (^٤).
_________________
(١) سنن الترمذي (٥/ ٦٤٧) رقم (٣٧٤٧)، والمسند (٣/ ٢٠٩).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٧٤٩)، ومسلم رقم (٢٤١١).
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٩) رقم (٢٦٦٠١)، والترمذي (٥/ ٦٤٨) رقم (٣٧٤٩).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٤١٢٠)، ومسلم رقم (٢٤٢٠).
[ ٥٩ ]
سادسًا: الزبير بن العوام، الذي قال عنه النبي ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» (^١).
وقد جمع أحدهم العشرة في بيتين، فقال:
للمصطفى خيرُ صحبٍ نَصَّ أنَّهم في جنةِ الخلدِ نصًّا زادهم شرفا
هم طلحةٌ وابنُ عوفٍ والزبيرُ إلى أبي عبيدةَ والسعدانِ والخلفا
وهناك نماذج لبعض فضائل الصحابة - ﵃ - من غير العشرة، فمن ذلك دعاؤه ﷺ لابن عباس - ﵁ -: «اللَّهُمَّ فَقِّهه فِي الدِّينِ» (^٢).
وقوله عن ابن عمر ب كما في «الصحيحين»: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» (^٣)، ومن ذلك قوله ﷺ عن سعد بن معاذ - ﵁ -:
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٦٩١)، ومسلم رقم (٢٤١٥).
(٢) أخرجه أحمد رقم (٢٨٦٦).
(٣) أخرجه البخاري رقم (١١٢٢)، ومسلم رقم (٢٤٧٩) من حديث ابن عمر، قال: كان الرجل في حياة رسول الله - ﷺ -، إذا رأى رؤيا، قصها على رسول الله - ﷺ -، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي - ﷺ -، قال: وكنت غلاما شابا عزبا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - ﷺ -، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، قال: فلقيهما ملك فقال لي: لم ترع، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة، على رسول الله - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل».
[ ٦٠ ]
«اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» (^١).
وإخباره ﷺ عن عبد الله بن سلام: «أنه في الجنة» (^٢).
ومن ذلك أيضا دعاؤه ﷺ لحسان - ﵁ - بقوله: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» (^٣).
ودعاؤه ﷺ لحافظ الأمة أبي هريرة - ﵁ - ولأمه حينما قال ﷺ كما في «الصحيحين»: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِم الْمُؤْمِنِينَ قال أبو هريرة - ﵁ -: فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلا يَرَانِي إِلا أَحَبَّنِي» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٨٠٣)، ومسلم رقم (٢٤٦٦) من حديث جابر - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٧٠١٠)، ومسلم رقم (٢٤٨٤) من حديث قيس بن عباد قال: كنت في حلقة فيها سعد بن مالك وابن عمر، فمر عبد الله بن سلام، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فقلت له: إنهم قالوا كذا وكذا، قال: سبحان الله، ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم، إنما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء فنصب فيها، وفي رأسها عروة، وفي أسفلها منصف -والمنصف الوصيف- فقيل: ارقه، فرقيته حتى أخذت بالعروة، فقصصتها على رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى».
(٣) أخرجه البخاري رقم (٤٥٣)، ومسلم رقم (٢٤٨٥) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري: يستشهد أبا هريرة، فيقول: يا أبا هريرة: نشدتك بالله، هل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يا حسان، أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس» قال أبو هريرة: نعم.
(٤) أخرجه مسلم رقم (٢٤٩١) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٦١ ]
وَأَقُولُ
ولذا أهل الإيمان كلهم مجمعون على محبته - ﵁ - بخلاف من في قلبه مرض كالرافضة، ومن يحارب السنة ويسعى إلى إسقاطها، فإنهم يطعنون في أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ويتهمونه في أمانته، وبعضهم يتهمه في حفظه، ولا شك أن هذا خطير؛ لأن اتهامه - ﵁ - إسقاط لكثير من الأحكام التي نقلها، وإسقاط لجميع ما جاء عن النبي ﷺ من طريقه - ﵁ -، لكن أهل العلم ﵏ تصدوا لهم، وألفوا الكتب الكثيرة في الدفاع عن أبي هريرة - ﵁ - (^١).
ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتاب مناقب الصحابة في «الصحيحين»، ومن أوسع وأفضل ما أُلف في هذا الباب كتاب «فضائل الصحابة» للإمام أحمد ﵀، وقد خرج محققًا في مجلدين.
قوله: (وَأَقُولُ) يعني بلساني معتقدًا بقلبي.
والقول له إطلاقات: فتارة يطلق ويراد به الرأي، وتارة يطلق فيشمل قول القلب واللسان، كما هو الحال في هذا البيت، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٣٦] أي: قولوا ذلك بقلوبكم إيمانًا واعتقادًا، وبألسنتكم نطقًا وتلفظًا.
_________________
(١) ينظر: كتاب «دفاع عن أبي هريرة» لعبد المنعم صالح العلي العزي، دار القلم، وكتاب: «دفاع عن السنة» لمحمد بن محمد أبي شهبة.
[ ٦٢ ]