- القسم الأول: التوسل المشروع، وله أمثلة كثيرة منها ما يلي:
أولًا: التوسل بتوحيد الله كما في دعاء يونس - ﵇ -، كما في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
ثانيًا: التوسل إلى الله - ﷿ - بالإيمان، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣].
ثالثًا: التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، ودليل التوسل بالأسماء قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وأما التوسل بالصفات فدليله ما جاء عند الترمذي من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان النبي ﷺ إذا كربه أمر قال: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ
[ ٤٦ ]
أَسْتَغِيثُ» (^١).
وقد ذكر أهل العلم أن من آداب الدعاء: التوسل إلى الله بذكر الاسم المناسب للمسألة، فإذا أراد أن يسأل الله المغفرة فيتوسل بالغفور، وإذا أراد أن يسأل الله رزقًا فيتوسل إليه بالرزَّاق، ومن أراد أن يسأل الله - ﷿ - علمًا نافعًا فإنه يتوسل إليه بالعليم، أو بأي اسم يدل على ذلك وهكذا في بقية الأسماء.
رابعًا: التوسل بالأعمال الصالحة كما في قصة الثلاثة الذين انحطت على فم غارهم صخرة، فانطبقت عليهم فتوسلوا بأعمالهم الصالحة ففرج الله لهم (^٢).
- القسم الثاني التوسل الممنوع، ومن أمثلته ما يلي:
أولًا: التوسل إلى الله - ﷿ - بسؤال ودعاء الميت وطلبه الشفاعة، وهذا كفر وشرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن من فعل ذلك فقد صرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله وهو الدعاء، ومن صرف نوعًا من أنواع العبادة أو فردًا من أفرادها لغير الله ﷾ فقد كفر به وأشرك معه غيره؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧].
ووجه الدلالة من هذه الآية: أن الله - ﷾ - بيَّن أن من يدع مع الله إلهًا
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٣٥٢٤) والحاكم (١/ ٥٠٩)، وقال الترمذي: «حديث غريب»، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد». والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣/ ١٧٢).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٢٧٢)، ومسلم رقم (٢٧٤٣) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -.
[ ٤٧ ]
آخر فإنه كافر، حيث قال في آخرها: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، وفي قوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ بيان أنه لا يمكن أحدًا أن يكون عنده برهانٌ على تعدد الآلهة (^١).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣،١٤]، فسمى الله - ﷾ - دعاءهم شركًا (^٢).
«ومن دعا ميتًا أو غائبًا فإنه مشرك؛ لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا، فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفًا في الكون فيكون بذلك مشركًا» (^٣).
ومما يجب الإحاطة به أن من صرف شيئًا من العبادة لغير الله - ﷾ - فإنه يكفر، ولو لم يعتقد فيه الربوبية، خلافًا لمن يقول: إنه لا يكفر إذا عبد غير الله حتى يعتقد فيه الربوبية، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣].
والشاهد أن هذه الآية فيها أسلوب حصر في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر:٣]، والحصر هنا يفيد النفي والإثبات فـ (ما) نافية، و(إلا)
_________________
(١) شرح الثلاثة الأصول لابن عثيمين ص (١٥٩) بتصرف يسير.
(٢) شرح الثلاثة الأصول لابن باز ص (١٥٤).
(٣) شرح الثلاثة الأصول لابن عثيمين ص (١٦٠).
[ ٤٨ ]