وَأَقُولُ فِي القُرآنِ ما جاءَتْ بِهِ آياتُهُ فَهُوَ الكَريمُ المُنْزَلُ
قوله: (فِي القُرآنِ) أي في مسألة القرآن العظيم.
قوله: (ما جاءَتْ بِهِ آياتُهُ) (ما) موصولة بمعنى الذي، (جاءَتْ بِهِ آياتُهُ) البينات وسُوَرُه المنزلات.
قوله: (فَهُوَ) أي القرآن فالضمير يرجع إليه.
قوله: (الكَريمُ المُنْزَلُ) أي الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﷺ بواسطة جبريل - ﵇ -.
جاء في بعض النسخ (القديم المنزل) والأصح أنها (الكريم المنزل)، لسببين:
الأول: أن أكثر النسخ على ذلك.
الثاني: أن هذا هو الموافق لطريقة السلف، إذ لم يكونوا يستحبون التلفظ بلفظ القديم عن القرآن، ولهذا نص جماعة من أهل التحقيق كشيخ الإسلام ابن تيمية أن لفظة القديم ليست من كلام السلف، وبيَّن ﵀ في كتابه «التسعينية» أنه لم يقل أحد من السلف والأئمة: إن القرآن قديم.
• والناظم وصف القرآن بوصفين:
- الوصف الأول: أنه كريم كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧].
- الوصف الثاني: أنه منزل كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ
[ ٦٣ ]
عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦].
ويقول تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢].
ويقول - ﷿ -: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:١٠١]، وغيرها من الآيات.
وماذا نستفيد من وصف الناظم للقرآن بهذين الوصفين؟ ولماذا اختارهما دون بقية الأوصاف؟
o الجواب: لأجل اتباع طريقة القرآن والالتزام بالأوصاف التي جاءت في القرآن عن القرآن؛ وأولى من يؤخذ قوله في القرآن من تكلم به وهو الله - ﷿ -.
أما بالنسبة لكيفية نزول القرآن فالأصح عند أهل العلم أنه نَزَلَ إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم بعد ذلك نزل به جبريل منجمًا حسب الأحداث والوقائع خلال ثلاث وعشرين سنة.
وقد صرَّح بذلك ابن عباس - ﵁ - حيث قال: «فُصِلَ القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل - ﵇ - ينزل به على النبي ﷺ» (^١).
والمقصود أن الناظم ﵀ أراد أن يبين في هذا البيت أن قوله واعتقاده في
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٤٢).
[ ٦٤ ]
القرآن بأنه كلام الله لفظًا ومعنًى هو الصحيح الموافق لما جاء في كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله ﷺ، ويبين ذلك ما يلي:
أولًا: أنه كتاب معجز، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨].
يعني لو اتفقت الخلائق كلها من جن وإنس على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، بل تحداهم الله بأن يأتوا بسورة مثله فلم يستطيعوا.
ثانيًا: أنه منزل من عند الله - ﷿ -، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء:١٠٦].
ولهذا كان من الواجب اعتقاد أن القرآن كلام الله المنزل، خلافًا للمبتدعة الذين أنكروا أن يكون الله تعالى تكلم بالقرآن، كما كان من الجعد ابن درهم حيث أنكر أن الله تعالى كلَّمَ موسى - ﵇ - تَكْلِيمًا، وأنه اتخذ إبراهيم - ﵇ - خليلًا.
ولهذا أفتى علماء ذلك العصر بردة الجعد؛ لأنه كذب بالقرآن، والتكذيب بالقرآن ولو بحرف واحد ردة عن دين الإسلام، وقد أفتى العلماء بوجوب قتله، وصرَّح بذلك الحسن البصري ﵀.
فاستجاب لهذه الفتوى الإمام السُّنِّي خالد بن عبد الله القسري أمير العراق بواسط، ولما كان يوم العيد خطب الناس خُطبةً بليغةً جاء في آخرها:
[ ٦٥ ]
«أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد وأضرابه علوًا كبيرًا» (^١)، ثم نزل بعد ذلك أمام الناس وذبح الجعد، تقبل الله تعالى منه هذه الأضحية.
والسلف -رحمهم الله تعالى- كانوا يحرصون على قطع دابر البدع والفتن، ومع أنهم رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ضحوا بهذا المبتدع وقتلوه إلا أن بدعته قد سرت، وبقيت عند بعض أهل الضلال كالجهم بن صفوان، فقد أخذ هذه البدعة عن الجعد بن درهم ونشرها.
والمقصود أن سلف الأمة -رحمهم الله تعالى- يثبتون أن القرآن كلام الله - ﷿ - منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله - ﷾ - قد تكلم به على الحقيقة.
قال شيخ الإسلام: «مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم، ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق» (^٢).
وقال ﵀: «الكلام كلام الله حقيقة، والكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، فالكلام كلام البارئ والصوت هو
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٠٥).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧).
[ ٦٦ ]
صوت القارئ» (^١).
• وما معنى قولهم عن القرآن «منه بدأ»؟
قال الإمام أحمد وغيره: منه بدأ، أي هو المتكلم به، ولم يبتدِ من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق، قالوا: خلقه في غيره فهو مبتدأ من ذلك المحل المخلوق (^٢).
وقال ابن تيمية ﵀ في «التسعينية»: «وهنا قولان في مسألة القرآن الكريم:
الأول: قول ابن كُلَّاب حيث قال: الحروف حكاية عن كلام الله وليس من كلام الله؛ لأن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم، والله يمتنع أن يقوم به حروف وأصوات؛ فوافق الجهمية والمعتزلة في هذا النفي.
الثاني: قول الأشعري حيث قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله» (^٣).
والصحيح مذهب أهل السُّنة والجماعة وهو القول بأن القرآن كلام الله حقيقة.
والخلاصة: أن السلف -﵏- يؤمنون بأن الله قد تكلم بالقرآن وأنه - ﷾ - أنزله، فيصفون القرآن بأنه منزل وليس بمخلوق، وأن صفة الكلام صفة مدح وكمال ونفيها نقص وعيب في حق الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا
_________________
(١) التسعينية (٣/ ٩٦٣).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ٨٣).
(٣) (٢/ ٤١٨، ٣/ ٩٦٢).
[ ٦٧ ]