رَأَيْت كَأَنِّي فِي صحراء فيحاء مخضرة الأرجاء يلوح من شرقيها شَجَرَة عَظِيمَة وَالنَّاس يهرعون إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة فَسَأَلت بَعضهم عَن حَال النَّاس فَقَالَ إِن تَحت الشَّجَرَة شموائيل النَّبِي جَالس وَالنَّاس يسلمُونَ عَلَيْهِ فسررت بِمَا سمعته وقصدت الشَّجَرَة فَوجدت فِي ظلها شَيخا جسيما بهيا وقورا شَدِيد بَيَاض الشّعْر عَظِيم الهيبة بِيَدِهِ كتاب ينظر فِيهِ فَسلمت عَلَيْهِ وَقلت بِلِسَان عَرَبِيّ السَّلَام عَلَيْك يانبي الله فَالْتَفت إِلَى مُبْتَسِمًا وهش إِلَيّ وَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَام يَا شريكنا فِي الِاسْم اجْلِسْ لنعرض عَلَيْك أمرا فَجَلَست بَين يَدَيْهِ فَدفع إِلَيّ الْكتاب الَّذِي بِيَدِهِ وَقَالَ اقْرَأ مَا تَجدهُ بَين يَديك
فَوجدت بَين يَدي هَذِه الْآيَة من التَّوْرَاة نابي أقيم لاهيم مقارب أحيهم كاموخا إيلاويشماعون تَفْسِيره نَبيا أقيم لَهُم من وسط أخوتهم مثلك بِهِ فليؤمنوا
[ ٦٠ ]
وَهَذِه مُنَاجَاة من الله ﷿ لمُوسَى وَكنت أعرف أَن الْيَهُود يَقُولُونَ إِن هَذِه الْآيَة نزلت فِي حق شموائيل النَّبِي لِأَنَّهُ كَانَ مثل مُوسَى يعنون أَنه كَانَ من سبط ليوى وَهُوَ السبط الَّذِي كَانَ مِنْهُ مُوسَى
فَلَمَّا وجدت بَين يَدي هَذَا الْآيَة من التَّوْرَاة قرأتها وظننت أَنه يذهب إِلَى الافتخار بِأَن الله تَعَالَى ذكره فِي التَّوْرَاة وَبشر بِهِ مُوسَى ﵇
فَقلت هَنِيئًا لَك يَا نَبِي الله مَا خصك الله بِهِ من هَذِه الْمنزلَة
فَنظر إِلَيّ مغضبا وَقَالَ أَو إيَّايَ أَرَادَ الله بِهَذَا يَا ذكيا مَا أفادتك إِذا الْبَرَاهِين الهندسية
فَقلت يَا نَبِي الله فَمن أَرَادَ الله بِهَذَا
قَالَ الَّذِي أَرَادَ بِهِ فِي قَوْله هُوَ فيع ميهار فاران
وَتَفْسِيره إِشَارَة إِلَى نبوة وعد بنزولها على جبال فاران فَلَمَّا قَالَ لي ذَلِك عرفت أَنه يَعْنِي الْمُصْطَفى ﷺ لِأَنَّهُ الْمَبْعُوث من جبال فاران وَهِي جبال مَكَّة لِأَن التَّوْرَاة ناطقة نصا بِأَن فاران مسكن آل إِسْمَاعِيل
[ ٦١ ]
وَذَلِكَ قَول التَّوْرَاة ويشب بِمد نَار فاران
تَفْسِيره وَأقَام فِي بَريَّة فاران يَعْنِي إِسْمَاعِيل ولد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵉
ثمَّ إِنَّه عَاد والتفت إِلَى وَقَالَ وَأما علمت أَن الله لم يبعثنى بنسخ شَيْء من التَّوْرَاة وَإِنَّمَا بعثنى لأذكرهم بهَا وأحيي شرائعها وأخلصهم من أهل فلسطين
فَقلت بلَى يَا نَبِي الله
قَالَ فَأَي حَاجَة لَهُم إِلَى أَن يوصيهم رَبهم بِاتِّبَاع من لم ينْسَخ دينهم وَلم يُغير شريعتهم أرأيتهم احتاجوا إِلَى أَن يوصيهم بِقبُول نبوة دانيال أَو أرميا أَو حزقيل
[ ٦٢ ]
فَقلت لَا لعمري لم يحْتَج إِلَى ذَلِك
ثمَّ أَخذ الْمُصحف من يَدي وَانْصَرف مغضبا فارتعت لغضبه وازدجرت لموعظته واستيقظت مذعورا فَجَلَست وَكَانَ وَقت السحر والمصباح يقد فِي غَايَة استنارته فتذكرت الْمَنَام جَمِيعه فَإِذا أَنا قد تخيلته لَا يذهب عَليّ مِنْهُ شَيْء
فَعلمت أَن ذَلِك لطف من الله ﷾ وموعظة لإِزَالَة الشُّبْهَة الَّتِي كَانَت تمنعني من إعلان كلمة الْحق والتظاهر بِالْإِسْلَامِ
فتبت إِلَى الله من ذَلِك واستغفرته وَأَكْثَرت من الصَّلَاة على رَسُول الله الْمُصْطَفى ﷺ
[ ٦٣ ]
وأسبغت الْوضُوء وَصليت عدَّة رَكْعَات لله ﷿ وَأَنا شَدِيد الْفَرح وَالسُّرُور بِمَا قد انْكَشَفَ لي من الْهِدَايَة
ثمَّ جَلَست مفكرا
فغلب على النّوم عِنْد تفكري ونمت
[ ٦٤ ]