فَرَأَيْت كَأَنِّي جَالس فِي سكَّة عامرة لَا أعرفهَا إِذْ أَتَانِي آتٍ عَلَيْهِ ثِيَاب المتصوفة وزي الْفُقَرَاء فَلم يسلم عَليّ لكنه قَالَ أجب رَسُول الله ﷺ
فهبته وَقمت مَعَه مَسْرُورا مسرعا مُسْتَبْشِرًا بلقاء النَّبِي ﷺ فَسَار بَين يَدي وَأَنا من وَرَائه حَتَّى انْتهى إِلَى بَاب دَار فدخله واستدخلني فَدخلت وَرَاءه وسرت خَلفه فِي دهليز طَوِيل قَلِيل الظلمَة إِلَّا أَنه مظلم
فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى طرف الدهليز وَعلمت أَنه قد حَان إشراف النَّبِي ﷺ هبت لقاءه هَيْبَة شَدِيدَة فَأخذت فِي الاستعداد للقائه وَسَلَامه وَذكرت أَنِّي كنت قد قَرَأت فِي أخباره ﷺ أَنه كَانَ إِذا لَقِي فِي جمَاعَة قيل سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
وَإِذا لَقِي وَحده قيل السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
فعزمت على أَنِّي أسلم عَلَيْهِ سَلاما عَاما لتدخل الْجَمَاعَة فِي السَّلَام لِأَنِّي رَأَيْت ذَلِك كَأَنَّهُ الأولى والأليق
[ ٦٥ ]
ثمَّ أشرفت على صحن الدَّار وَكَانَ مُقَابل الدهليز مجْلِس طَوِيل وَعَن يسرة الدَّاخِل مجْلِس آخر وَلَيْسَ فِي الدَّار غير هذَيْن المجلسين
وَفِي كل وَاحِد من المجلسين رجلَانِ لَا أحقق الْآن صور أُولَئِكَ الرجل إِلَّا أَنِّي أَظن أَكْثَرهم كَانُوا شبانا لكِنهمْ كَانُوا كالمتهيئين للسَّفر
فَمَنعهُمْ من يلبس ثيابًا للسَّفر وأسلحتهم قريبَة مِنْهُم وَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ قَائِما فِيمَا بَين المجلسين أَعنِي فِي الزاوية الَّتِي فِي ذَلِك الرُّكْن من أَرْكَان الصحن وَكَأَنَّهُ قد كَانَ فِي شغل وَقد فرغ مِنْهُ وانقلب عَنهُ ليشرع فِي غَيره ففجأته بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ قبل شُرُوعه فِي غَيره
وَكَانَ ﷺ لَا بسا ثيابًا بيضًا وعمامته معتدلة اللطافة وعَلى عُنُقه رِدَاء أَبيض حول عُنُقه وَهُوَ معتدل الْقَامَة نبيل جسيم معتدل اللَّوْن بَين الْبيَاض والحمرة واليسير من السمرَة أسود الحاجبين والعينين وَشعر محاسنه نصف كَأَنَّهُ شعره وشعره ومحاسنه أَيْضا معتدلة بَين الطول وَالْقصر
وَلما دخلت عَلَيْهِ ورأيته الْتفت إِلَى ورآني فَأقبل عَليّ مُبْتَسِمًا وهش إِلَى جدا
فذهلت لهيبته عَمَّا كنت قد عزمت عَلَيْهِ من السَّلَام فَسلمت سَلاما خَاصّا فَقلت السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
وألغيت الْجَمَاعَة فَلم ألتفت ببصري وقلبي إِلَّا إِلَيْهِ
[ ٦٦ ]
فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
وَلم يكن بَين تسليمي عَلَيْهِ وَبَين سعيي إِلَيْهِ توقف ولازمان بل جريت إِلَيْهِ مسرعا وأهويت بيَدي إِلَيّ يَده وَمد يَده الْكَرِيمَة إِلَيّ فأمسكتها بيَدي وَقلت أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله
وَذَلِكَ أَنه خطر بقلبي أَن النجَاة مِنْهُم من زعم أَن الْأَسْمَاء الْأَعْلَام هِيَ أعرف المعارف وَمِنْهُم من يَقُول إِن الْأَسْمَاء المضمرة هِيَ أعرف المعارف وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن الْكَاف من قولي أَنَّك لَا يُشَارك الْمُخَاطب فِيهِ أحد لِأَنَّهَا لَا تقع إِلَّا عَلَيْهِ وَحده
فرأيته قد ملئ ابتهاجا ثمَّ جلس فِي الزاوية الَّتِي بَين المجلسين وَجَلَست بَين يَدَيْهِ
وَقَالَ تأهب للمسير مَعنا إِلَى غمدان للغزاة
فَلَمَّا قَالَ ذَلِك وَقع فِي نَفسِي أَنه يَعْنِي الْمَدِينَة الْعُظْمَى الَّتِي هِيَ كرْسِي ملك وَأَن الْإِسْلَام لم يستول عَلَيْهَا بعد
وَكنت قد قَرَأت قبل ذَلِك أَن الطَّرِيق الْأَقْرَب المسلوك إِلَى الصين فِي الْبَحْر الْأَخْضَر وَهُوَ أَشد الْبحار أهوالا وَأَعْظَمهَا أخطارا
[ ٦٧ ]
فَلَمَّا سَمِعت ذَلِك القَوْل من النَّبِي ﷺ خفت من ركُوب الْبَحْر وَقلت فِي نَفسِي
إِن الْحُكَمَاء لَا يركبون الْبحار فَكيف أركب الْبَحْر
ثمَّ قلت فِي نَفسِي أَيْضا من غير توقف
يَا سُبْحَانَ الله أَنا قد آمَنت بِهَذَا النَّبِي وبايعته أفيأمرني بِأَمْر وَلَا أتابعه فَإِذا أَي مبايعة تكون مبايعتي لَهُ وعزمت على السّمع وَالطَّاعَة
ثمَّ وَقع لي خاطر آخر وَقلت إِذا كَانَ مَعنا رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه فَإِن الْبر وَالْبَحْر يكونَانِ مسخرين لنا وَلَا خوف علينا من سَائِر الأخطار
وطاب قلبِي بذلك وَحسن يقيني وقبولي
وَأَنا أذكر أَن هَذِه الأفكار والخواطر ظَهرت لي وَأَنا بَين يَدي النَّبِي ﷺ فِي غير زمَان أعنى من غير توقف يستبطئني بِهِ عَن إجَابَته فَمَا كَانَ بأسرع من ان قلت لَهُ سمعا وَطَاعَة يَا رَسُول الله
فَقَالَ على خيرة الله تَعَالَى
فَقُمْت بَين يَدَيْهِ وَخرجت
فَمَا وجدت فِي الدهليز الظلمَة الَّتِي كَانَت فِيهِ عِنْد الدُّخُول
فَلَمَّا خرجت من الدَّار ومشيت قَلِيلا وجدت كَأَنِّي فِي سوق مراغة فِيمَا بَين الصيارف وَبَين الْمدرسَة القضوية وَكَأَنِّي أرى ثَلَاثَة نفر
[ ٦٨ ]
عَلَيْهِم زِيّ المتصوفة وَثيَاب الزهاد
وَمِنْهُم من على بدنه صدرة صوف خشن أسود وعَلى رَأسه مئزر من جِنْسهَا وَبِيَدِهِ قَوس ملفوفة فِي لباد خلق وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى حَرْبَة نصابها من سعف النّخل وَالْآخر متقلد سَيْفا غمده من خوص النّخل لِأَنَّهُ كَانَ قد انطبع فِي خيالي مُنْذُ كنت صَغِيرا حِين قَرَأت أَخْبَار ظُهُور دولة الْإِسْلَام كَيفَ كَانَ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ضعفاء فُقَرَاء وَلَيْسَ لَهُم من الْآلَات إِلَّا شَبِيها بِمَا ذكرنَا وَأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِك ينْصرُونَ على الجيوش الكثيفة والخيول العديدة ذوى الشَّوْكَة القوية
فَلَمَّا رَأَيْت النَّفر الثَّلَاثَة قلت
هَؤُلَاءِ هم المجاهدون والغزاة هَؤُلَاءِ أَصْحَاب النَّبِي ﷺ مَعَ هَؤُلَاءِ أسافر وأغزو
وَكَانَت الدمعة تبدر من عَيْني فِي النّوم لفرط سروري بهم وغبطني إيَّاهُم
ثمَّ استيقظت وَالصُّبْح لم يسفر بعد
فأسبغت الْوضُوء وَصليت الْفجْر وَأَنا شَدِيد الْحِرْص على إشهار كلمة الْحق وإعلان الِانْتِقَال إِلَى دين الْإِسْلَام
وَكنت حِينَئِذٍ بمراغة من آذربيجان فِي ضِيَافَة الصاحب الأمجد فَخر الدّين عبد الْعَزِيز بن مَحْمُود بن سعد بن عَليّ بن حميد المضرى رَحْمَة الله عَلَيْهِ
[ ٦٩ ]
وَكَانَ قد ابتلى بِمَرَض قد عافاه الله مِنْهُ ولى بِهِ أنس مُتَقَدم
فَدخلت إِلَيْهِ فِي أَوَائِل نَهَار الْجُمُعَة الْمَذْكُور يَوْمئِذٍ وعرفته أَن الله قد رفع الْحجاب عني وهداني فَمَا أعظم استبشاره يَوْمئِذٍ بذلك
وَقَالَ
الله إِن هَذَا الْأَمر مازلت أتمناه وأترجاه وطالما قد حاورت قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين فِي ذَلِك وَكُنَّا جَمِيعًا نتأسف على علومك وفضائلك أَن لَا تكون إسلامية فَالْحَمْد لله على مَا ألهمك بِهِ من صَلَاح وهداية وعَلى استجابته دعاءنا فِي ذَلِك
فَقل لي
كَيفَ فتح الله ذَلِك عَلَيْك وسهله بعد إرتاجه وامتناعه
فَقلت ذَلِك أَمر أوقعه الله فِي نَفسِي بالإلهام والفكر وَدَلِيله الْعقلِيّ وبرهانه قد كنت قَدِيما أعرفهُ وَدَلِيله فِي التوراه إِلَّا أَنِّي كنت أراقب أبي وأكره أَن أفجعه بنفسي تذمما من الله تَعَالَى والآن قد زَالَت عني هَذِه الشُّبْهَة مد يدك فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله
فَقَامَ الصاحب لفرط سروره قَائِما واهتز فَرحا وَكَانَ قبل ذَلِك لَا يقوم إِلَّا بالتكلف وَغَابَ عني واستجلسني إِلَى عودته وأفاض عَليّ من الملابس أجلهَا وحملني من المراكب على أنبلها وَأمر خواصه بالسعي إِلَى الْجَامِع بَين يَدي
[ ٧٠ ]
وَكَانَ الصاحب قد تقدم إِلَى الْخَطِيب وَأمره بِالتَّأْخِيرِ والتوقف إِلَى وَقت حضوري فِي الْمَسْجِد لِأَن الْوَقْت ضَاقَ إِلَى أَن فرغ الخياطون من خياطَة الْجُبَّة الَّتِي أَمر الصاحب بتفصيلها
فسرت إِلَى الْجَامِع وَالْجَمَاعَة فِي انتظاري وارتفع التَّكْبِير من جمَاعَة أهل الْمَسْجِد حيف أشرفت عَلَيْهِم
وَارْتجَّ الْمَسْجِد الْجَامِع من صلَاتهم على رَسُول الله ﷺ ثمَّ رقى الْخَطِيب الْمِنْبَر وَوعظ النَّاس القَاضِي صدر الدّين ملك الوعاظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله ابْن عبد الرَّحِيم بن لل وَأَطْنَبَ فِي مدحي وإحماد مَا أيدني الله بِهِ من التيقظ وَالْهِدَايَة وَبَالغ فِي ذَلِك مُبَالغَة تجَاوز حد الْوَصْف وَكَانَ أَكثر الْمجْلس مُتَعَلقا بِي
وَفِي عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم أَعنِي عيد النَّحْر ابتدأت بتحرير الْحجَج المفحمة للْيَهُود وألفتها فِي كتاب وسميته بإفحام الْيَهُود
واشتهر ذَلِك الْكتاب وطار خَبره وانتسخ مني فِي عدَّة بقاع نسخ كَثِيرَة بالموصل وأعمالها وديار بكر وَالْعراق وبلد الْعَجم
ثمَّ أضفت إِلَيْهِ بعد وَقت فصولا كَثِيرَة من الِاحْتِجَاج على الْيَهُود
[ ٧١ ]
من التَّوْرَاة حَتَّى صَار كتابا بديعا لم يعْمل فِي الْإِسْلَام مثله فِي مناظرة الْيَهُود الْبَتَّةَ
وَأما الْمَنَام الأول والمنام الثَّانِي فَإِنِّي لم أذكرهما للصاحب وَلَا لغيره من أهل مراغة إِلَى انْقِضَاء أَربع سِنِين من أَوَان رُؤْيَتهمَا
وَكَانَ ذَلِك لشيئين
أَحدهمَا
أَنِّي كرهت أَن أذكر أمرا لَا يقوم عَلَيْهِ الْبُرْهَان فَرُبمَا يسْرع خاطر من يسمعهُ إِلَى تَكْذِيبه لِأَنَّهُ أَمر نَادِر قَلِيلا مَا يتَّفق إِذا كَانَ الْعَاقِل يكره أَن يعرض كَلَامه للتكذيب سرا أَو عَلَانيَة
وَالثَّانِي
أَنِّي كرهت أَن يصل خبر المنامين إِلَى من يحسدني فِي الْبِلَاد على مَا فضلني الله بِهِ من الْعلم وَالْحُرْمَة فَيجْعَل ذَلِك طَرِيقا إِلَى التشنيع عَليّ والإزراء على مذهبي فَيَقُول
إِن فلَانا ترك دينه لمنام رَآهُ وانخدع لأضغاث أَحْلَام
فأخفيت ذَلِك إِلَى أَن اشْتهر كتاب إفحام الْيَهُود وَكَثُرت نسخه وقرأه على جمَاعَة كَثِيرَة من النَّاس
[ ٧٢ ]
فَلَمَّا تحقق النَّاس أَعنِي أَن التقالي من مَذْهَب الْيَهُود إِنَّمَا كَانَ بِدَلِيل وبرهان وحجج قَطْعِيَّة قَطْعِيَّة عرفتها وَأَنِّي كنت أُخْفِي ذَلِك وَلَا أبوح بِهِ مُدَّة مراقبة لأبي وَبرا بِهِ فَحِينَئِذٍ أظهرت قصَّة المنامين وأوضحت أَنَّهُمَا كَانَا موعظة من الله تَعَالَى وتنبيها على مَا يجب تَقْدِيمه وَلَا يحل لي تَأْخِيره بِسَبَب وَالِد أَو غَيره
وكتبت كتابا إِلَى أبي إِلَى حلب وَأَنا يَوْمئِذٍ بحصن كيفا وأوضحت لَهُ فِي ذَلِك الْكتاب عدَّة حجج وبراهين مِمَّا أعلم أَنه لَا يُنكره وَلَا يقدر على إِبْطَاله وأخبرته أَيْضا بِخَبَر المنامين
فانحدر إِلَى الْموصل ليلقاني وفاجأه مرض جَاءَهُ بالموصل فَهَلَك فِيهِ
فَليعلم الْآن من يقْرَأ هَذِه الأوراق أَن الْمَنَام لم يكن باعثا على ترك الْمَذْهَب الأول فَأن الْعَاقِل لَا يجوز أَن ينخدع عَن أَحْوَاله بالمنامات والأحلام من غير برهَان وَلَا دَلِيل
لكنني كنت قد عرفت قبل ذَلِك بِزَمَان طَوِيل الْحجَج والبراهين والأدلة على نبوة سيدنَا مُحَمَّد ﷺ
فَتلك الْحجَج والبراهين هِيَ سَبَب الِانْتِقَال وَالْهِدَايَة وَأما الْمَنَام فَإِنَّمَا كَانَت فَائِدَته الانتباه والازدجار من التَّمَادِي فِي الْغَفْلَة والتربص بإعلان كلمة الْحق بعد هَذَا ارتقابا لمَوْت أبي
فَالْحَمْد لله على الْإِسْلَام وَكلمَة الْحق وَنور الْإِيمَان وَنور الْهِدَايَة
[ ٧٣ ]
وأسأله الْإِرْشَاد لما يرضيه بِمُحَمد ﷺ وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا
[ ٧٤ ]