قَالَ السموأل
بعد حمد الله وَالصَّلَاة على نبيه مُحَمَّد الْمُصْطَفى ﷺ
إِن الْعِنَايَة الإلهية لتسوقه من تسبق فِي علم الله هدايته حَتَّى يُوجد مِنْهُ الاهتداء فِي الْوَقْت الَّذِي سبق فِي علم الله تَعَالَى وجوده مِنْهُ فِيهِ وَأَنا أذكر سَبَب مَا وفقنى الله لَهُ من الْهِدَايَة وَكَيف انساقت بِي الْحَال مُنْذُ نشأت إِلَيّ انتقالى عَن مَذْهَب الْيَهُود ليَكُون عِبْرَة وموعظة لمن يَقع إِلَيْهِ
وليعلم متأمله أَن اللطف الإلهي أخْفى من أَن يحاط بكنهه فَإِن الله يخص بفضله من يَشَاء وَيُؤْتى الْحِكْمَة من يَشَاء ويهديه صراطا مُسْتَقِيمًا
وَذَلِكَ أَن أَبى كَانَ يُقَال لَهُ الرآب يهوذا بن آبون من مَدِينَة فاس الَّتِي بأقصى الْمغرب
[ ٤٥ ]
والرآب لقب وَلَيْسَ باسم وَتَفْسِيره الحبر وَكَانَ أعلم أهل زَمَانه بعلوم التَّوْرَاة وأقدرهم على التَّوَسُّع فِي الْإِنْشَاء والإعجاز والارتجال لمنظوم العبراني ومنثوره
وَكَانَ اسْمه الْمَدْعُو بِهِ بَين أهل الْعَرَبيَّة أَبَا الْبَقَاء يحيى بن عَبَّاس المغربي وَذَلِكَ أَن أَكثر متخصصيهم يكون لَهُ اسْم عَرَبِيّ غير اسْمه العبري أَو مُشْتَقّ مِنْهُ كَمَا جعلت الْعَرَب الِاسْم غير الكنية
وَكَانَ اتِّصَاله بأمي بِبَغْدَاد وَأَصلهَا من الْبَصْرَة وَهِي إِحْدَى الْأَخَوَات الثَّلَاث المنجبات فِي عُلُوم التَّوْرَاة وَالْكِتَابَة بالقلم العبرى وَهن بَنَات إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ الليوى أَعنِي من سبط ليوي وَهُوَ سبط مضبوط النّسَب لِأَن مِنْهُ كَانَ مُوسَى ﵇
وَكَانَ إِسْحَاق هَذَا ذَا عُلُوم يدرسها بِبَغْدَاد وَكَانَت أمهن نفيسة بنت أبي نصر الداوودى وَهَذَا من رُؤَسَائِهِمْ الْمَشَاهِير وَذريته إِلَى الْآن بِمصْر
وَكَانَ اسْم أُمِّي باسم أم شموائيل النَّبِي ﵇ وَكَانَ هَذَا
[ ٤٦ ]
النَّبِي قد ولد بعد أَن مكثت أمه عاقرا لَا ترزق ولدا وَلَا تحمل عدَّة سِنِين حَتَّى دعت رَبهَا فِي طلب ولد يكون ناسكا لله ودعا لَهَا رجل صَالح من الْأَئِمَّة يُقَال لَهُ عيلى
فرزقت شموائيل النَّبِي وَذَلِكَ كُله مشروح فِي أَوَائِل سفر شموائيل النَّبِي
فَمَكثت أُمِّي عِنْد أبي مُدَّة لَا ترزق ولدا حَتَّى استشعرت العقم فرأت فِي منامها أَنَّهَا تتلو مُنَاجَاة حنة أم شموائيل لِرَبِّهَا فنذرت أَنَّهَا إِن رزقت ولدا ذكرا تسميه شموائيل لِأَن اسْمهَا كَانَ باسم ام شموائيل
فاتفق أَنَّهَا بعد ذَلِك اشْتَمَلت عَليّ وَحين رزقتني دعتني شموائيل وَهُوَ إِذا عرب السموأل وَكَنَّانِي أبي أَبَا نصر وَهِي كنية جدي وشغلنى أبي بِالْكِتَابَةِ بالقلم العبري ثمَّ بعلوم التَّوْرَاة وتفاسيرها حَتَّى أحكمت علم ذَلِك عِنْد كَمَال السّنة الثَّالِثَة عشرَة من مولدِي
[ ٤٧ ]
فشغلني حِينَئِذٍ بتَعَلُّم الْحساب الْهِنْدِيّ وَحل الزيجات عِنْد الشَّيْخ الْأُسْتَاذ أبي الْحسن بن الدسكري وَقِرَاءَة علم الطِّبّ على الفيلسوف أبي البركات هبة الله بن على والتأمل فِي علاج الْأَمْرَاض ومشاهدة مَا يتَّفق من الْأَعْمَال الصناعية فِي الطِّبّ والمعالجات الَّتِي يعالجها خَالِي أَبُو الْفَتْح بن الْبَصْرِيّ
فَأَما الْحساب الْهِنْدِيّ والزيج فَإِنِّي أحكمت علمهما فِي أقل من سنة وَذَلِكَ حِين كمل لي أَربع عشرَة سنة وَأَنا فِي خلال ذَلِك لَا أقطع الْقِرَاءَة فِي الطِّبّ ومشاهدة علاج الْأَمْرَاض
ثمَّ قَرَأت الْحساب الديواني وَعلم المساحة على الشَّيْخ أبي المظفر الشهرزوري وقرأت الْجَبْر والمقابلة أَيْضا عَلَيْهِ
وترددت إِلَى الْأُسْتَاذ أبي الْحسن بن الدسكري وَأبي الْحسن بن
[ ٤٨ ]
النقاش لقِرَاءَة الهندسة حَتَّى حللت المقالات الَّتِي كَانَا يحلانها من إقليدس وَأَنا فِي خلال ذَلِك متشاغل بالطب حَتَّى استوعبت مَا عِنْد من ذكرته من الاستاذين من هَذِه الْعُلُوم
وبقى بعض كتاب إقليدس وَكتاب الواسطى فِي الْحساب وَكتاب البديع فِي الْجَبْر والمقابلة للكرخى لَا أجد من يعرف مِنْهُ شَيْئا وَغير
[ ٤٩ ]
ذَلِك من الْعُلُوم الرياضية مثل كتاب شُجَاع بن أسلم فِي الْجَبْر والمقابلة وَغَيره
وَكَانَ بِي من الشغف بِهَذِهِ الْعُلُوم والعشق لَهَا مَا يلهيني عَن الْمطعم وَالْمشْرَب إِذا فَكرت فِي بَعْضهَا
فخلوت بنفسي فِي بَيت مُدَّة وحللت جَمِيع تِلْكَ الْكتب وشرحتها ورددت على من أَخطَأ من واضعيها وأظهرت أغلاط مصنفيها وعزمت على ماعجزوا عَن تَصْحِيحه وتحقيقه وأزريت على إقليدس فِي تَرْتِيب أشكال كِتَابه بِحَيْثُ أمكنني إِذا غيرت نظام أشكاله أَن اسْتغنى عَن عدَّة مِنْهَا لَا يبْقى إِلَيْهَا حَاجَة
بعد أَن كَانَ كتاب إقليدس معجزا لسَائِر المهندسين إِذْ لم يحدثوا أنفسهم بتغيير نظام أشكاله وَلَا بالاستغناء عَن بَعْضهَا كل ذَلِك فِي هَذِه السّنة أعنى الثَّامِنَة عشرَة من مولدِي
واتصلت تصانيفي فِي هَذِه الْعُلُوم مُنْذُ تِلْكَ السّنة وَإِلَى الْآن وَفتح الله عَليّ كثيرا مِمَّا ارتج على من سبقني من الْحُكَمَاء المبرزين فدونت ذَلِك لينْتَفع بِهِ من يَقع إِلَيْهِ
[ ٥٠ ]
وَفِي خلال ذَلِك لَيْسَ لي مكسب إِلَّا بصناعة الطِّبّ وَكَانَ لي مِنْهَا أوفر حَظّ إِذا أَعْطَانِي الله من التأييد فِيهَا مَا عرفت بِهِ كل مرض يقبل العلاج من الْأَمْرَاض الَّتِي لَا علاج لَهَا فَمَا عَالَجت مَرِيضا إِلَّا وعوفي وَمَا كرهت علاج مَرِيض إِلَّا وَعجز عَن علاجه سَائِر الْأَطِبَّاء وَكفوا عَن تَدْبيره فَالْحَمْد لله على جزيل نعْمَته وعظيم فَضله
واتضح لي بعد مطالعة مَا طالعته من الْكتب الَّتِي بالعراق وَالشَّام وآذربيجان وكوهستان الطَّرِيق إِلَى اسْتِخْرَاج عُلُوم كَثِيرَة واختراع أدوية لم أعرف أَنِّي سبقت إِلَيْهَا مثل الدرقاق الَّذِي وسمته بالمخلص ذِي الْقُوَّة النافذة وَهُوَ يُبرئ من عدَّة أمراض عسيرة فِي بعض يَوْم وَغَيره من الْأَدْوِيَة الَّتِي ركبتها مِمَّا فِيهِ مَنَافِع وشفاء للنَّاس بِإِذن الله تَعَالَى
وَقد كنت قبل اشتغالي بِهَذِهِ الْعُلُوم وَذَلِكَ فِي السّنة الثَّانِيَة عشرَة وَالثَّالِثَة عشرَة مشغوفا بالأخبار والحكايات شَدِيد الْحِرْص على الِاطِّلَاع على مَا كَانَ فِي الزَّمَان الْقَدِيم والمعرفة بِمَا جرى فِي الْقُرُون الخالية فاطلعت على التصانيف الْمُؤَلّفَة فِي الحكايات والنوادر على اخْتِلَاف فنونها ثمَّ انْتَقَلت من ذَلِك إِلَى محبَّة الأسمار والخرافات الطوَال ثمَّ إِلَى الدَّوَاوِين الْكِبَار مثل ديوَان أَخْبَار عنتر وديوان ذى الهمه والبطال والبطال وأخبار الْإِسْكَنْدَر ذِي القرنين وأخبار
[ ٥١ ]
العنقاء وأخبار الطّرف بن لوذان وَغير ذَلِك
ثمَّ إِنِّي لما طالعت ذَلِك اتَّضَح لي أَن أَكْثَره من تأليف المؤرخين فطلبت الْأَخْبَار الصَّحِيحَة فمالت همتي إِلَى التواريخ فَقَرَأت كتاب أبي على بن مسكويه الَّذِي سَمَّاهُ تجارب الْأُمَم وطالعت تَارِيخ الطَّبَرِيّ وَغَيرهمَا من التواريخ فَكَانَت تمر بِي فِي هَذِه التواريخ أَخْبَار النَّبِي ﷺ وغزواته وَمَا أظهر الله لَهُ من المعجزات وَمَا خصّه بِهِ من الكرامات وحباه بِهِ من النَّصْر والتأييد فِي غَزْوَة بدر وغزوة خَيْبَر وَغَيرهمَا وقصة منشئه فِي الْيُتْم
[ ٥٢ ]
والضعف ومعاداة أَهله لَهُ وإقامته فِيمَا بَين أعدائه يجاهدهم بإنكار دينهم عَلَيْهِم والدعوة إِلَى دينه مُدَّة طَوِيلَة وسنين كَثِيرَة إِلَى أَن أذن الله لَهُ فِي الْهِجْرَة إِلَى دَار غَيرهَا وَمَا جرى للأعداء الَّذين جاهدوه من النكبات ومصرعهم بَين يَدَيْهِ بسيوف أوليائه ببدر وَغَيرهَا وَظُهُور الْآيَة العجيبة فِي هزيمَة الْفرس ورستم الْجَبَّار مَعَهم فِي أُلُوف كَثِيرَة على غَايَة من الحشد وَالْقُوَّة بَين يدى سعد بن أبي وَقاص وهم فِي فِئَة يسيرَة على حَال من الضعْف وَمَدَائِن كسْرَى أنو شرْوَان وانكسار الرّوم وهلاك عساكرهم على يَدي أبي عُبَيْدَة بن الْجراح رَحْمَة الله عَلَيْهِ ثمَّ سياسة أبي بكر وَعمر ﵄ وعدلهما وزهدهما
[ ٥٣ ]
وَمَعَ ذَلِك فَإِنِّي كنت لِكَثْرَة شغفي بأخبار الوزراء وَالْكتاب قد أكتسبت بِكَثْرَة مطالعتي لحكاياتهم وأخبارهم وَكَلَامهم قُوَّة فِي البلاغة وَمَعْرِفَة بالفصاحة وَكَانَ لي فِي ذَلِك مَا حَمده الفصحاء وتعجب بِهِ البلغاء وَقد يعلم ذَلِك مني من تَأمل كَلَامي فِي بعض الْكتب الَّتِي ألفتها فِي أحد الْفُنُون العلمية
فشاهدت المعجزة الَّتِي لاتباريها الفصاحة الْآدَمِيَّة فِي الْقُرْآن فَعلمت صِحَة إعجازة ثمَّ إِنِّي لما هذبت خاطري بالعلوم الرياضية ولاسيما الهندسية وبراهينها راجعت نَفسِي فِي اخْتِلَاف النَّاس فِي الْأَدْيَان والمذاهب وَكَانَ أبر المحركات لي فِي الْبَحْث عَن ذَلِك مطالعتي كتاب برذويه
[ ٥٤ ]
الطّيب من كتاب كليلة ودمنة وَمَا وجدت فِيهِ
فَعلمت أَن الْعقل حَاكم يجب تحكيمه على كليات أُمُور عالمنا هَذَا إِذا لَوْلَا أَن الْعقل أرشدنا إِلَى اتِّبَاع الْأَنْبِيَاء وَالرسل وتصديق الْمَشَايِخ وَالسَّلَف لما صدقناهم فِي سَائِر مَا تلقيناه عَنْهُم وَعلمت أَنه إِذا كَانَ اصل التَّمَسُّك بالمذاهب الموروثة عَن السّلف وأصل اتِّبَاع الْأَنْبِيَاء مِمَّا أدّى إِلَيْهِ الْعقل فَإِن تحكيم الْعقل على كليات جَمِيع ذَلِك وَاجِب
وَإِذا نَحن حكمنَا الْعقل على مَا نَقَلْنَاهُ عَن الْآبَاء والأجداد علمنَا أَن النَّقْل عَن السّلف لَيْسَ يُوجب الْعقل قبُوله من غير امتحان لصِحَّته بل بِمُجَرَّد كَونه مأخوذا عَن السّلف لَكِن من أجل أَنه يكون أمرا ذَا حَقِيقَة فِي ذَاته وَالْحجّة مَوْجُودَة بِصِحَّتِهِ
فَأَما الْأُبُوَّة والسلفية وَحدهمَا فليستا بِحجَّة إِذْ لَو كَانَتَا حجَّة لكانتا أَيْضا حجَّة لسَائِر الْخُصُوم الْكفَّار كالنصارى فَإِنَّهُم نقلوا عَن أسلافهم أَن عِيسَى ابْن الله وَأَنه الرازق الْمَانِع الضار النافع فَإِن كَانَ تَقْلِيد
[ ٥٥ ]
الْآبَاء والأسلاف يدل على صِحَة مَا نقل عَنْهُم فَإِن ذَلِك يلْزم مِنْهُ الْإِقْرَار بِصِحَّة مقَالَة النَّصَارَى ومقالة الْمَجُوس
وَإِن كَانَ هَذَا التَّقْلِيد لأسلاف الْيَهُود خَاصَّة دون غَيرهم من الْأُمَم فَلَا يقبل مِنْهُ ذَلِك إِلَّا أَن يَأْتُوا بِدَلِيل على أَن آبَاءَهُم كَانُوا أَعقل من آبَاء الْأُمَم وأسلافهم فَإِن الْيَهُود ادَّعَت ذَلِك فِي حق آبائها وأسلافها فَجَمِيع أَخْبَار أسلافهم ناطقة بتكذيبهم فِي ذَلِك
وَإِذا تركنَا التعصب لَهُم فَنحْن نجْعَل لِآبَائِهِمْ أُسْوَة بِسَائِر آبَاء غَيرهم من الْأُمَم فَإِذا كَانَت آبَاء النَّصَارَى وَغَيرهم قد نقلو عَن آبَائِهِم الْكفْر والضلال الَّذِي تهرب الْعُقُول مِنْهُ وتنفر الطباع السليمة عَنهُ فَلَيْسَ بممتنع أَن يكون
[ ٥٦ ]
مَا نَقله الْيَهُود عَن آبَائِهِم أَيْضا بِهَذِهِ الصّفة فَلَمَّا علمت أَن الْيَهُود لَهُم أُسْوَة بغيرهم فِيمَا نقلوه عَن الْآبَاء والأسلاف علمت أَنه لَيْسَ بِأَيْدِيهِم حجَّة
[ ٥٧ ]
صَحِيحَة بنبوة مُوسَى إِلَّا شَهَادَة التَّوَاتُر
وَهَذَا التَّوَاتُر مَوْجُود لعيسى وَمُحَمّد كوجوده لمُوسَى ﵈ أَجْمَعِينَ فَإِن كَانَ التَّوَاتُر يُفِيد تَصْدِيقًا فالثلاثة صَادِقُونَ ونبوتهم مَعًا صَحِيحَة
وَعلمت أَيْضا أَنِّي لم أر مُوسَى بعيني وَلم أشاهد معجزاته وَلَا معجزات غَيره من الْأَنْبِيَاء ﵈ وَلَوْلَا النَّقْل وتقليد الناقلين لما عرفنَا شَيْئا من ذَلِك فَعلمت أَنه لَا يجوز للعاقل أَن يصدق بِوَاحِد ويكذب بِوَاحِد من هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء ﵈ لِأَنَّهُ لم ير أحدهم وَلَا شَاهد أَحْوَاله إِلَّا بِالنَّقْلِ وَشَهَادَة التَّوَاتُر مَوْجُودَة لثلاثتهم فَلَيْسَ من الْعقل وَلَا من الْحِكْمَة أَن يصدق أحدهم ويكذب الْبَاقُونَ بل الْوَاجِب عقلا إِمَّا تَصْدِيق الْكل وَإِمَّا تَكْذِيب الْكل
[ ٥٨ ]
فَأَما تَكْذِيب الْكل فَإِن الْعقل لَا يُوجِبهُ أَيْضا لأَنا إِنَّمَا نجدهم قد أَتَوا بمكارم الْأَخْلَاق وندبوا إِلَى الْفَضَائِل ونهوا عَن الرذائل ولأنا نجدهم ساسوا الْعَالم بسياسة بهَا صَلَاح حَال أَهله
فصح عِنْدِي بِالدَّلِيلِ الْقَاطِع نبوة الْمَسِيح والمصطفى ﷺ وَآمَنت بهما
فَمَكثت بُرْهَة أعتقد ذَلِك من غير أَن الْتزم الْفَرَائِض الإسلامية مراقبة لأبي وَذَلِكَ أَنه كَانَ شَدِيد الْحبّ لي قَلِيل الصَّبْر عني كثير الْبر بِي وَكَانَ قد أحسن تربيتي إِذا شغلني مُنْذُ أول حداثتي بالعلوم البرهانية وربي ذهني وخاطري فِي الْحساب والهندسة العلمين اللَّذين مدح أفلاطون عقل من يتربى ذهنه فِي النّظر فيهمَا فَمَكثت مُدَّة طَوِيلَة لَا يفتح على وَجه الْهِدَايَة وَلَا تنْحَل عني هَذِه الشُّبْهَة وَهِي مراقبة أبي إِلَى أَن حَالَتْ الْأَسْفَار بيني وَبَينه وبعدت دَاري عَن دَاره وَأَنا مُقيم على مراقبته والتذمم من أَن أفجعه بنفسي
وحان وَقت الْهِدَايَة وجاءتني الموعظة الإلهية برؤيتي للنَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع ذِي الْحجَّة سنه ثَمَان وَخمسين وخمسائة وَكَانَ ذَلِك بمراغة من آذربيجان وَهَذَا شرح مَا رَأَيْت
[ ٥٩ ]