أَحَق النَّاس بِأَن يوسم بالجهالة وينبذ بالضلالة من كَانَ طبعه آبيا عَن الانقياد للحقائق وعقله بَعيدا عَن فهم الْيَقِين
فَأَما من شقَّتْ دَرَجَته عَن ذَلِك وَكَانَ مَعَ امْتِنَاعه عَن تَسْلِيم الْحَقَائِق مسرعا إِلَى قبُول الْبَاطِل وتصديق المستحيل فَهُوَ حقيق بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجُنُون والسقوط
وَهَذِه الطَّائِفَة أَحَق النَّاس بذلك لِأَن آبَائِهِم كَانُوا يشاهدون فِي كل يَوْم من الْآيَات الحسية وَالنَّار السماوية مَا لم يره غَيرهم من الْأُمَم وهم مَعَ ذَلِك يهمون برجم مُوسَى وَهَارُون فِي كثير من الْأَوْقَات
وَكفى بإتخاذهم الْعجل فِي أَيَّام مُوسَى وإيثارهم العودة إِلَى مصر وَالرُّجُوع إِلَى الْعُبُودِيَّة ليشبعوا من أكل اللَّحْم والبصل والقثاء ثمَّ عِبَادَتهم الْأَصْنَام بعد عصر يُوشَع بن نون ثمَّ انضمامهم إِلَى أبشالوم الْوَلَد الْعَاق ولد دَاوُد من بنت ملك الكرج
فَإِن سوادهم الْأَعْظَم انْضَمَّ إِلَى هَذَا الْوَلَد العَاصِي الْعَاق وشدوا مَعَه على حَرْب الْملك الْكَبِير وَالنَّبِيّ الْكَرِيم نَبِي الله دَاوُد
ثمَّ أَنهم لما عَادوا إِلَى طَاعَة دَاوُد جَاءَت وفودهم وعساكرهم متقاطرة إِلَيْهِ مستغفرين مِمَّا ارتكبوه مستبشرين بسلامة الْملك دَاوُد بِحَيْثُ اخْتصم
[ ١٧٩ ]
الأسباط مَعَ سبط يهوذا إِذا عبروا بِالْملكِ الْأُرْدُن قبل مَجِيء عَسَاكِر الأسباط غيرَة مِنْهُم على السَّبق إِلَى خدمَة الْملك
وتعاتبوا فِي ذَلِك عتابا دَقِيقًا
فَقَالَ سبط يهوذا نَحن أَحَق النَّاس بِالسَّبقِ إِلَى الْملك والاختصاص بخدمته لِأَنَّهُ منا فَلَا وَجه لعتبكم علينا يَا بني إِسْرَائِيل
فنبغ فُضُولِيّ يُقَال لَهُ شيبع بن بكري فَنَادَى برفيع صَوته لَا نصيب لنا فِي دَاوُد ولاحظ فِي ابْن يساي ليمض كل مِنْكُن إِلَى خبائه يَا إسرائيليين
فَمَا كَانَ أسْرع من انفضاض عَسْكَر بني إِسْرَائِيل عَن دَاوُد بِسَبَب كلمة ذَلِك الْفُضُولِيّ
وَلما توصل الْوَزير يؤاب إِلَى قتل ذَلِك المشغب عَادَتْ العساكر جَمِيعهَا إِلَى طَاعَة دَاوُد
فَمَا كَانَ الْقَوْم إِلَّا مثل رعاع همج الْعَوام الَّذين تجمعهم دبدبة وتفرقهم صَيْحَة
وَأما عِبَادَتهم الكبشين وتركهم الْحَج إِلَى الْقُدس ثمَّ إصرارهم على مُخَالفَة الْأَنْبِيَاء إِلَى انْقِضَاء دولتهم فمما لَا يصدر عَن متمسك بأهداب الْعقل وسبيلهم أَن لَا يتطرقوا إِلَى معايب أحد من الْأُمَم إِذا كَانَت هَذِه مخازيهم وفضائحهم
فَأَما تسرعهم إِلَى قبُول الْبَاطِل والمستحيل فَإنَّا نذْكر مِنْهُ طرفا يُنبئ عَن
[ ١٨٠ ]
قلَّة عُقُولهمْ وَهُوَ مَا جرى فِي زَمَاننَا من أذكاهم وأكيسهم وأمكرهم وهم يهود بَغْدَاد
فَإِن محتالا من شُبَّان الْيَهُود نَشأ بسواد الْموصل يُقَال لَهُ مناحيم بن سُلَيْمَان وَيعرف بِابْن الروحى وَكَانَ ذَا جمال فِي صورته وَقد تفقه فِي دينهم بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْهُور من الْيَهُود الساكنين بالناحية الْمَعْرُوفَة بالعمادية من بلد الْموصل وَكَانَ المتولى هُنَاكَ ذَا ميل إِلَى ذَلِك الْمُحْتَال وَحب لَهُ لحسن اعْتِقَاده فِيهِ وَلما توهم فِيهِ من ديانَة اظاهر بهَا بِحَيْثُ كَانَ الْوَالِي يسْعَى إِلَى زيارته
فطمع ذَلِك الْمُحْتَال فِي جَانب الْوَالِي واستضعف عقله
فَتوهم أَنه يتَمَكَّن من الْوُثُوب على القلعة وَأَخذهَا وَأَنَّهَا تضحي لَهُ معقلا حصينا
فَكتب إِلَى الْيَهُود المستقرين بنواحي بِلَاد آذربيجان وَمَا والاها لِأَنَّهُ علم أَن يهود الْأَعَاجِم أقوى جَهَالَة من سائد الْيَهُود
وَذكر فِي كتبه أَنه قَائِم قد غَار للْيَهُود من يَد الْمُسلمين وخاطبهم بأنواع من الْمَكْر والخديعة
فبعض فُصُول كتبه الَّتِي رَأَيْتهَا يحوي مَا هَذَا مَعْنَاهُ
ولعلكم تَقولُونَ هَذَا لأي شئ قد استنفرنا الْحَرْب أم لقِتَال لَا لسنا نريدكم لِحَرْب وَلَا لقِتَال بل لِتَكُونُوا واقفين بَين يَدي هَذَا الْقَائِم ليراكم هُنَاكَ من يَغْشَاهُ من رسل الْمُلُوك الَّذين بِبَابِهِ
[ ١٨١ ]
وَفِي أَوَاخِر الْكتب يَنْبَغِي أَن يكون مَعَ كل وَاحِد مِنْكُم سيف أَو غَيره من آلَات الْحَرْب ويخفيه تَحت أثوابه
فاستجابت إِلَيْهِ يهود الْأَعَاجِم وَأهل نواحي الْعمادِيَّة وَسَوَاد الْموصل
ونفروا إِلَيْهِ بِالسِّلَاحِ الْمُسْتَتر حَتَّى صَار عِنْده مِنْهُم جمَاعَة كثيفة
وَكَانَ الْوَالِي لحسن ظَنّه بِهِ يظنّ أَن أُولَئِكَ القادمين إِنَّمَا جَاءُوا لزيارة ذَلِك الحبر الَّذِي قد ظهر لَهُم بِزَعْمِهِ فِي بَلَده إِلَى أَن انكشفت لَهُ مطامعهم
وَكَانَ حَلِيمًا عَن سفك الدِّمَاء فَقتل صَاحب الْفِتْنَة الْمُحْتَال وَحده
فَأَما الْبَاقُونَ فتهاجوا مُدبرين بعد أَن ذاقوا وبال الْمَشَقَّة والخسارات والفقر
وَلم تنكشف هَذِه الْقِصَّة لَهُم مَعَ ظُهُورهَا لكل ذِي عقل بل هم إِلَى الْآن يفضلونه على كثير من أَنْبِيَائهمْ أَعنِي يهود الْعمادِيَّة
وَفهم من يَعْتَقِدهُ الْمَسِيح المنتظر بِعَيْنِه وَلَقَد رَأَيْت جمَاعَة من يهود الْأَعَاجِم بخوى وسلماس وتبريز ومراغه وَقد جعلُوا اسْمه قسمهم الْأَعْظَم
وَأما من بالعمادية من الْيَهُود فصاروا أَشد مباينة وَمُخَالفَة فِي جَمِيع أُمُورهم للْيَهُود من النَّصَارَى
[ ١٨٢ ]
وَفِي تِلْكَ الْولَايَة جمَاعَة مِنْهُم على دين يَسُبُّونَهُ إِلَى مناحيم الْمُحْتَال الْمَذْكُور
وَلما وصل خَبره إِلَى بَغْدَاد اتّفق هُنَاكَ شخصان من محتالى الْيَهُود ودواهي مشيختهم فزورا على لِسَان مناحيم كتبا إِلَى بَغْدَاد تبشرهم بالفرج الَّذِي كَانُوا قَدِيما ينتظرونه وَأَنه يعين لَهُم لَيْلَة يطيرون فِيهَا أَجْمَعِينَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس
فانقاد الْيَهُود البغداديون إِلَيْهِ مَعَ مَا يَدعُونَهُ من الذكاء ويفخرون بِهِ من الخب انقادوا بأسرهم إِلَى تَصْدِيق ذَلِك
وَذَهَبت نسوانهم بأموالهن وحليهن إِلَى ذَيْنك الشَّيْخَيْنِ ليتصدقا بِهِ عَنْهُن على من يسْتَحقّهُ بزعمهما
وَصرف الْيَهُود جلّ أَمْوَالهم فِي هَذَا الْوَجْه واكتسوا ثيابًا خضرًا واجتمعوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة على السطوح ينتظرون الطيران بزعمهم على أَجْنِحَة الْمَلَائِكَة إِلَى بَيت الْمُقَدّس
وارتفع للنسوان مِنْهُم بكاء على أطفالهن المرتضعين خوفًا أَن يطرن قبل طيران أَوْلَادهنَّ أَو يطير أطفالهن قبلهن فتجوع الْأَطْفَال بتأخر الرَّضَاع عَنْهُم
وتعجب الْمُسلمُونَ هُنَاكَ مِمَّا اعترى الْيَهُود حِينَئِذٍ بِحَيْثُ أحجموا عَن معارضتهم حَتَّى تنكشف آثَار مواعيدهم العرقوبية
فَمَا زَالُوا متهافتين إِلَى الطيران إِلَى أَن أَسْفر الصَّباح عَن خذلانهم وإمتهانهم
[ ١٨٣ ]
وَنَجَا ذَانك المحتالان بِمَا وصل إِلَيْهِمَا من أَمْوَال الْيَهُود
وانكشف لَهُم بعد ذَلِك وَجه الْحِيلَة وَمَا تظاهر بِهِ من جِلْبَاب الرذيلة
فسموا ذَلِك الْعَام عَام الطيران وصاروا يعتبرون بِهِ سنى كهولهم والشبان
وَهُوَ تَارِيخ البغداديين من المتهودة فِي هَذَا الزَّمَان
فكفاهم هَذَا الْأَمر عارا دَائِما وشنارا ملازما
وَفِيمَا قد أوردناه كِفَايَة قاضية للوطر من إفحامهم وإلجامهم بِمَا هُوَ عين مَا عِنْدهم وَأَعُوذ بِاللَّه مِمَّا يشركُونَ وَإِلَيْهِ الْبَرَاءَة مِمَّا يكفرون
[ ١٨٤ ]