علماؤهم وَأَحْبَارهمْ يعلمُونَ أَن هَذِه التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم لَا يعْتَقد أحد من عُلَمَائهمْ وَأَحْبَارهمْ أَنَّهَا الْمنزلَة على مُوسَى الْبَتَّةَ لِأَن مُوسَى
[ ١٣٥ ]
صان التَّوْرَاة عَن بني إِسْرَائِيل وَلم يبثها فيهم وَإِنَّمَا سلمهَا إِلَى عشيرته أَوْلَاد ليوى وَدَلِيل ذَلِك قَول التَّوْرَاة ويختوب موشى إث هتورا هزوت وبيتناه ال هكوا هنيم بنى ليوى
تَفْسِيره
وَكتب مُوسَى هَذِه التَّوْرَاة وَدفعهَا إِلَى الْأَئِمَّة بني ليوى
وَكَانَ بَنو هَارُون قُضَاة الْيَهُود وحكامهم لِأَن الْإِمَامَة وخدمة القرابين وَبَيت الْمُقَدّس كَانَت مَوْقُوفَة عَلَيْهِم
وَلم يبْذل مُوسَى من التَّوْرَاة لبنى إِسْرَائِيل إِلَّا نصف سُورَة يُقَال لَهَا هاأزينو
فَإِن هَذِه السُّورَة من التَّوْرَاة هِيَ الَّتِي علمهَا مُوسَى بنى إِسْرَائِيل ذَلِك قَوْله ويختوب مُوسَى إنى هئسيرا هزوث ويلمذاه لبنى يسراييل
تَفْسِيره وَكتب مُوسَى هَذِه السُّورَة وَعلمهَا بنى إِسْرَائِيل وَأَيْضًا فَإِن الله قَالَ لمُوسَى عَن هَذِه السُّورَة وهايت إِلَى هشيرا هزوث لعيد ببنى يسراييل
وَتَفْسِيره وَتَكون لي هَذِه السُّورَة شَاهدا على بنى إِسْرَائِيل
وَأَيْضًا فَإِن الله قَالَ لمُوسَى عَن هَذِه السُّورَة
[ ١٣٧ ]
كى لوتشا خَاخ مفى زرعون
تَفْسِيره
لِأَن هَذِه السُّورَة لَا تنسى من أَفْوَاه أَوْلَادهم
يعْنى أَن هَذِه السُّورَة مُشْتَمِلَة على ذمّ طباعهم وَأَنَّهُمْ سيخالفون شرائع التَّوْرَاة وَأَن السخط يَأْتِيهم بعد ذَلِك وتخرب دِيَارهمْ ويشتتون فِي الْبِلَاد
قَالَ
فَهَذِهِ السُّورَة تكون متداولة فِي أَفْوَاههم كالشاهد عَلَيْهِم الْمُوَافق لَهُم على صِحَة مَا قيل لَهُم فَهَذِهِ السُّورَة لما قَالَ الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا لَا تنسى من أَفْوَاه أَوْلَادهم دلّ ذَلِك على أَن الله تَعَالَى علم أَن غَيرهَا من السُّور تنسى
وَأَيْضًا فَإِن هَذَا دَلِيل على أَن مُوسَى لم يُعْط بنى إِسْرَائِيل من التَّوْرَاة إِلَّا هَذِه السُّورَة فَأَما بَقِيَّة التَّوْرَاة فَدَفعهَا إِلَى أَوْلَاد هَارُون وَجعلهَا فيهم وصانها عَن سواهُم
وَهَؤُلَاء الْأَئِمَّة الهارونيون الَّذين كَانُوا يعْرفُونَ التَّوْرَاة ويحفظون أَكْثَرهَا قَتلهمْ بخت نصر على دم وَاحِد يَوْم فتح بَيت الْمُقَدّس
[ ١٣٨ ]
وَلم يكن حفظ التَّوْرَاة فرضا وَلَا سنة بل كَانَ كل وَاحِد من الهارونيين يحفظ فصلا من التَّوْرَاة
فَلَمَّا رأى عزرا أَن الْقَوْم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم وَرفع كِتَابهمْ جمع من محفوظاته وَمن الْفُصُول الَّتِي يحفظها الكهنة مَا لفق مِنْهُ هَذِه التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم الْآن
[ ١٣٩ ]
وَلذَلِك بالغوا فِي تَعْظِيم عزرا هَذَا غَايَة الْمُبَالغَة وَزَعَمُوا أَن النُّور إِلَى الْآن يظْهر على قَبره الَّذِي عِنْد بطائح الْعرَاق لِأَنَّهُ عمل لَهُم كتابا يحفظ دينهم
فَهَذِهِ التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم على الْحَقِيقَة كتاب عزرا وَلَيْسَ كتاب الله
[ ١٤٠ ]
وَهَذَا يدل على انه أعنى الَّذِي جمع هَذِه الْفُصُول الَّتِي بِأَيْدِيهِم رجل فارغ جَاهِل بِالصِّفَاتِ الإلهية فَلذَلِك نسب إِلَى الله تَعَالَى صِفَات التجسم والندامة على ماضى من أَفعاله والإقلاع عَن مثلهَا وَغير ذَلِك مِمَّا تقدم ذكره
وَأَيْضًا فمما يسْتَدلّ بِهِ على بطلَان تأويلاتهم وإفراطهم فِي التعصب وَتَشْديد الإصر مَا ذَكرُوهُ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة ريست بكورى إِذْ ماشخا تخا تابى ببث أذوناى ألوهيخا لَو تبشيل كدى باحليب أمو
تَفْسِيره
بكور ثمار أَرْضك تحمل إِلَى بَيت الله رَبك لَا تنضج الجدي بِلَبن أمه
[ ١٤١ ]
وَالْمرَاد من ذَلِك أَنهم أمروا عقيب افتراض الْحَج عَلَيْهِم أَن يستصحبوا مَعَهم إِذا حجُّوا إِلَى الْقُدس أبكار أغنامهم وأبكار مستغلات أَرضهم لأَنهم قد كَانَ فرض عَلَيْهِم قبل ذَلِك أَن تبقى سخولة الْبَقَرَة وَالْغنم وَرَاء أمهاتها سَبْعَة أَيَّام وَمن الْيَوْم الثَّامِن فَصَاعِدا تصلح أَن تكون قربانا لله تَعَالَى
فَأَشَارَ فِي هَذِه الْآيَة فِي قَوْله لَا تنضج الجدي بِلَبن أمه
إِلَى أَنهم لَا يبالغوا فِي إطالة مكث بكور أَوْلَاد الْغنم وَالْبَقر وَرَاء أمهاتهن بل يستصحبوا أبكارهن اللَّاتِي قد عبرن سَبْعَة أَيَّام من ميلادهن مَعَهم إِذا حجُّوا إِلَى بَيت الْمُقَدّس ليتخذوا مِنْهَا القرابين
فَتوهم المشائخ البلة المترجمون لهَذِهِ الْآيَة والمفسرون لمعانيها أَن المشرع يُرِيد بالإنضاج هُنَا إنضاج الطبيخ فِي الْقدر
وهبهم صَادِقين فِي هَذَا التَّفْسِير فَلَا يلْزم من تَحْرِيم الطَّبْخ تَحْرِيم الْأكل إِذْ لَو أَرَادَ المشرع الْأكل لما مَنعه مَانع من التَّصْرِيح بذلك
وَمَا كفاهم هَذَا الْغَلَط فِي تَفْسِير هَذِه اللَّفْظَة حَتَّى حرمُوا أكل سَائل اللحمان بالبن
وَهَذَا مُضَاف إِلَى مَا يسْتَدلّ بِهِ على جهل الْمُفَسّرين والنقلة وكذبهم على الله تَعَالَى وَتَشْديد الإصر على طائفتهم
[ ١٤٢ ]
فَأَما الدَّلِيل على تَفْسِير تبشيل الإنضاج الَّذِي هُوَ الْبلُوغ فَهُوَ قَول رَئِيس السقاة ليوسف الصّديق وهما فِي السجْن إِذْ شرح لَهُ رُؤْيَاهُ فَقَالَ فِي جملَة كَلَامه ويكيفن شلوشا ساريفيم وَهِي حفوراحث عالثا نصاه هبشيلو سكلوثيها غنابين
تَفْسِيره
وَفِي الكرمة ثَلَاثَة عناقيد وَهِي كَأَنَّهَا قد أثمرت وَصعد نوارها ونضجت عَنَّا قيدها عنبا
فقد تبين أَن الإنضاج الَّذِي يعبر عَنهُ بَال هبشيلو إِنَّمَا هُوَ الْبلُوغ
وَلَا يَنْبَغِي للعاقل أَن يستبعد اصْطِلَاح كَافَّة هَذِه الطَّائِفَة على الْمحَال واتفاقهم على فنون من الْكفْر والضلال
فَإِن الدولة إِذا انقرضت عَن أمة باستيلاء غَيرهَا عَلَيْهَا وَأَخذهَا بلادها انطمست حقائق سالف أَخْبَارهَا واندرس قديم آثارها وَتعذر الْوُقُوف عَلَيْهَا لِأَن الدولة إِنَّمَا يكون زَوَالهَا عَن أمة بتتابع الغارات والمصادمات وإخراب الْبِلَاد وإحراق بَعْضهَا فَلَا تزَال هَذِه الْفُنُون متتابعة عَلَيْهَا إِلَى أَن تستحيل علومها جهلا وَكلما كَانَت الْأمة أقدم وَاخْتلفت عَلَيْهَا الدول المناولة لَهَا بالإذلال والإيذاء كَانَ حظها من اندراس الْآثَار أَكثر
[ ١٤٣ ]
وَهَذِه الطَّائِفَة بِلَا شكّ أعظم الطوائف حظا مِمَّا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهَا من أقدم الْأُمَم عهدا ولكثرة الْأُمَم الَّتِي استولت عَلَيْهَا من الكنعانيين والبابليين وَالْفرس واليونان وَالنَّصَارَى وَالْإِسْلَام
وَمَا من هَذِه الْأُمَم إِلَّا من قصدهم أَشد الْقَصْد وَطلب استئصالهم وَبَالغ فِي إحراق بِلَادهمْ وإخرابها وإحراق كتبهمْ إِلَّا الْمُسلمين
فَإِن الْإِسْلَام صَادف الْيَهُود تَحت ذمَّة الْفرس وَلم يبْق لَهُم مَدَنِيَّة وَلَا جَيش إِلَّا الْعَرَب المتهودة بِخَيْبَر
فأشد على الْيَهُود من جَمِيع هَذِه الممالك مَا نالهم من مُلُوكهمْ العصاة مثل أحاب وأحزيا وأمصيا ويهورام ويربعام بن نباط وَغَيرهم من الْمُلُوك الإسرائيليين الَّذين قتلوا الْأَنْبِيَاء وبالغوا فِي تطلبهم ليقتلوهم وعبدوا الْأَصْنَام وأحضروا من الْبِلَاد سدنة للأصنام لتعظيمها وَتَعْلِيم رسوم عبادتها وابتنوا لَهَا البيع الْعَظِيمَة والهياكل وَعَكَفَ على عبادتها الْمُلُوك ومعظم بنى إِسْرَائِيل وَتركُوا أَحْكَام التَّوْرَاة وَالشَّرْع مُدَّة طَوِيلَة وأعصارا مُتَّصِلَة
[ ١٤٤ ]
فَإِذا كَانَ هَذَا تَوَاتر الْآفَات على شرعهم من قبل مُلُوكهمْ وَمِنْهُم على أنفسهم فَمَا ظَنك بالآفات المتفتنة الَّتِي تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِم من اسْتِيلَاء الْأُمَم فِيمَا بعد عَلَيْهِم وَقتل أئمتهم وإحراق كتبهمْ ومنعهم إيَّاهُم عَن الْقيام بشرائعهم
فَإِن الْفرس كثيرا مَا منعوهم عَن الختانة وَكَثِيرًا مَا منعوهم عَن الصَّلَاة لمعرفتهم أَن مُعظم صلوَات هَذِه الطَّائِفَة دُعَاء على الْأُمَم بالبوار وعَلى الْعَالم بالخراب سوى بِلَادهمْ الَّتِي هِيَ أَرض كنعان
فَلَمَّا رَأَتْ الْيَهُود الْجد من الْفرس فِي مَنعهم عَن الصَّلَاة اخترعوا أدعية مزجوا بهَا فصولا من صلَاتهم وسموها الخزانة وصاغوا لَهَا ألحانا عديدة وصاروا يَجْتَمعُونَ أَوْقَات صلواتهم على تلحينها وتلاوتها
وَالْفرق بَين هَذِه الخزانة وَبَين الصَّلَاة أَن الصَّلَاة بِغَيْر لحن وَأَن الْمصلى يَتْلُو الصَّلَاة وَحده وَلَا يجْهر مَعَه غَيره وَأما الْخزَّان فيشاركه جمَاعَة فِي الْجَهْر بالخزانة ويعاونونه فِي الألحان فَكَانَت الْفرس إِذا أنْكرت ذَلِك مِنْهُم زعمت الْيَهُود أَنهم يغنون أَحْيَانًا وينوحون أَحْيَانًا على أنفسهم فتركوهم وَذَلِكَ
وَمن الْعجب أَن دولة الْإِسْلَام لما جَاءَت مقرة للذمة على أديانها وَصَارَت الصَّلَاة مُبَاحَة لَهُم صَارَت الخزانة عِنْد الْيَهُود من السّنَن المستحبة فِي الأعياد والمواسم والأفراح يجعلونها عوضا عَن الصَّلَاة ويستغنون بهَا عَنْهَا من غير ضَرُورَة تبعثهم على ذَلِك
[ ١٤٥ ]