هم يَزْعمُونَ أَن الْمُصْطَفى ﷺ وَشرف وَعظم وكرم كَانَ قد رأى أحلاما تدل على كَونه صَاحب دولة وَأَنه سَافر إِلَى الشَّام فِي تِجَارَة لِخَدِيجَة رضوَان الله عَلَيْهَا وَاجْتمعَ بأحبار الْيَهُود وقص عَلَيْهِم أحلامه فَعَلمُوا أَنه صَاحب دولة فأصحبوه عبد الله بن سَلام فَقَرَأَ عَلَيْهِ عُلُوم التَّوْرَاة وفقهها مُدَّة
زَعَمُوا وأفرطوا فِي دَعوَاهُم إِلَى أَن نسبوا الفصاحة المعجزة الَّتِي فِي الْقُرْآن إِلَى تأليف عبد الله بن سَلام وانه قرر فِي شرح النِّكَاح أَن الزَّوْجَة لَا تستحل بعد الطَّلَاق الثَّالِث إِلَّا بِنِكَاح آخر ليجعل بزعمهم أَوْلَاد الْمُسلمين ممزريم
وَهَذِه كلمة جمع واحده ممزير وَهُوَ اسْم لولد الزِّنَا لِأَن فِي شرعهم أَن الزَّوْج إِذا رَاجع زَوجته بعد أَن نكحت غَيره كَانَ أولادهما معدودين من أَوْلَاد الزِّنَا
[ ١٤٦ ]
فَلَمَّا كَانَ النّسخ مِمَّا لَا ينطبع فهمه فِي عُقُولهمْ ذَهَبُوا إِلَى أَن هَذَا الحكم فِي النِّكَاح من مَوْضُوعَات عبد الله بن سَلام قصد بِهِ أَن يَجْعَل أَوْلَاد الْمُسلمين ممزريم بزعمهم
ثمَّ أَكثر الْعجب مِنْهُم أَنهم جعلُوا دَاوُد النَّبِي ﵇ ممزير من وَجْهَيْن وَجعلُوا منتظرهم ممزير من وَجْهَيْن
وَذَلِكَ أَنهم لَا يَشكونَ فِي أَن دَاوُد بن بشاى بن عَابِد وَأَبُو هَذَا عَابِد يُقَال لَهُ بوعز من سبط يهوذا وَأمه يُقَال لَهَا رَوْث الموابية من بني مؤاب ومؤاب هَذَا مَنْسُوب عِنْدهم فِي نَص التَّوْرَاة فِي هَذِه الْقِصَّة وَهِي أَنه لما أهلك الله تَعَالَى أمة لوط لفسادها وَنَجَا بابنتيه فَقَط خالتا ابنتاه أَن الأَرْض قد خلت مِمَّن تستبقيان مِنْهُ نَسْلًا فَقَالَت الْكُبْرَى للصغرى إِن أَبَانَا لشيخ وإنسان لم يبْق فِي الأَرْض ليَأْتِينَا كسبيل الْبشر فهمى نسقى أَبَانَا خمرًا ونضاجعه لنستبقى من أَبينَا نَسْلًا
فَفَعَلَتَا ذَلِك بزعمهم لعنهم الله وَجعلُوا ذَلِك النَّبِي قد شرب الْخمر حَتَّى سكر وَلم يعرف ابْنَتَيْهِ ثمَّ وطئهما فأحبلهما وَهُوَ لَا يعرفهما
فَولدت إِحْدَاهمَا ولدا سمته مؤاب تعنى أَنه من الْأَب وَالثَّانيَِة سمت وَلَدهَا بن عمى تعنى أَنه من قبيلتها
وَذَلِكَ الْوَالِدَان عِنْد الْيَهُود ممزريم ضَرُورَة لِأَنَّهُمَا من الْأَب وابنتيه
فَإِن أَنْكَرُوا ذَلِك لِأَن التَّوْرَاة لم تكن نزلت لَزِمَهُم ذَلِك لِأَن عِنْدهم
[ ١٤٧ ]
أَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ لما خَافَ فِي ذَلِك الْعَصْر من أَن يقْتله المصريون بِسَبَب زَوجته أخْفى نِكَاحهَا وَقَالَ هِيَ أُخْتِي علما مِنْهُ بِأَنَّهُ إِذْ قَالَ ذَلِك لم يبْق للظنون إِلَيْهِمَا سَبِيل
وَهَذَا دَلِيل على أَن حظر نِكَاح الْأُخْت كَانَ فِي ذَلِك الزَّمَان مَشْرُوعا
فَمَا ظَنك بِنِكَاح الْبِنْت الَّذِي لم يجز وَلَا فِي زمن آدم ﵇
وَهَذِه الْحِكَايَة منسوبة إِلَى لوط النَّبِي فِي التَّوْرَاة الْمَوْجُودَة بأيدى الْيَهُود فَلَنْ يقدروا على جَحدهَا فيلزمهم من ذَلِك أَن الْوَلَدَيْنِ المنسوبين إِلَى لوط ممزريم إِذْ توليدهما على خلاف الْمَشْرُوع
[ ١٤٨ ]
وَإِذا كَانَت رَوْث من ولد مؤاب وَهِي جدة دَاوُد ﵇ وَجدّة مسيحهم المنتظر فقد جعلوهما جَمِيعًا من نسل الأَصْل الَّذِي يطعنون فِيهِ
وَأَيْضًا فَمن أفحش الْمحَال أَن يكون شيخ كَبِير قد قَارب الْمِائَة سنة قد سقى الْخمر حَتَّى سكر سكرا حَال بَينه وَبَين معرفَة ابْنَتَيْهِ فضاجعته إِحْدَاهمَا واستنزلت منيه وَقَالَت عَنهُ وَهُوَ لَا يشْعر قَاتلهم الله أَنى يؤفكون نطق كِتَابهمْ فِي قَوْله وَلَو ياذاع بشخبا وبقوماه
[ ١٤٩ ]
تَفْسِيره
وَلم يشْعر باضطجاعها وقيامها
وَهَذَا حَدِيث من لَا يعرف كَيْفيَّة الْحَبل لِأَنَّهُ من الْمحَال أَن تهلق الْمَرْأَة من شيخ طَاعن فِي السن قد غَابَ حسه لفرط سكره
وَمِمَّا يُؤَكد اسْتِحَالَة ذَلِك أَنهم زَعَمُوا أَن ابْنَته الصُّغْرَى فعلت كَذَلِك بِهِ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة فعلقت أَيْضا وَهَذَا مُمْتَنع من المشائخ الْكِبَار أَن يعلق من أحدهم فِي لَيْلَة ويلعق مِنْهُ أَيْضا فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة إِلَّا أَن الْعَدَاوَة الَّتِي مازالت بَين بني عمون مؤاب وَبَين بني إِسْرَائِيل بعثت وَاضع هَذَا الْفَصْل على تلفيق هَذَا الْمحَال ليَكُون أعظم الْأَخْبَار فحشا فِي حق بني عمون ومؤاب
وَأَيْضًا فَأن عِنْدهم أَن مُوسَى جعل الْإِمَامَة فِي الهارونيين فَلَمَّا ولى طالوت وثقلت وطأته على الهارونيين وَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة ثمَّ انْتقل الْأَمر إِلَى دَاوُد بقى فِي نفوس الهارونيين التشوق إِلَى الْأَمر الَّذِي زَالَ عَنْهُم وَكَانَ عزرا هَذَا خَادِمًا لملك الْفرس حظيا لَدَيْهِ فتوصل إِلَى بِنَاء بَيت
[ ١٥١ ]
الْمُقَدّس وَعمل لَهُم هَذِه التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم
فَلَمَّا كَانَ هارونيا كره أَن يتَوَلَّى عَلَيْهِم فِي الدولة الثَّانِيَة داودى فأضاف فِي التَّوْرَاة فصلين طاعنين فِي نسب دَاوُد
أَحدهمَا قصَّة بَنَات لوط
وَالْآخر قصَّة ثامار وَسَيَأْتِي ذكرهَا
وَلَقَد بلغ لعمري غَرَضه فَإِن الدولة الثَّانِيَة الَّتِي كَانَت لَهُم فِي بَيت الْمُقَدّس لم يملك عَلَيْهِم فِيهَا داوديون بل كَانَت مُلُوكهمْ هارونيين
وعزرا هَذَا لَيْسَ هُوَ العزير كَمَا يظنّ لِأَن العزير هُوَ تعريب العازار
فَأَما عزرا فَإِنَّهُ إِذا عرب لم يتَغَيَّر عَن حَاله لِأَنَّهُ اسْم خَفِيف الحركات والحروف وَلِأَن عزرا عِنْدهم لَيْسَ بِنَبِي وَإِنَّمَا يسمونه عزرا هوفير وَتَفْسِيره النَّاسِخ
وَأَيْضًا فَإِن عِنْدهم فِي التَّوْرَاة قصَّة أعجب من هَذِه وَهِي أَن
[ ١٥٢ ]
يهوذا بن يَعْقُوب ﵉ زوج وَلَده الْأَكْبَر من امْرَأَة يُقَال لَهَا ثامار
وَكَانَ يَأْتِيهَا مستدبرا فَغَضب الله من فعله فأماته فَزَوجهَا من وَلَده الآخر فَكَانَ إِذا دخل بهَا أمنى على الأَرْض علما مِنْهُ بِأَنَّهُ إِن أولدها كَانَ
[ ١٥٣ ]
أول الْأَوْلَاد مدعوا باسم أَخِيه ومنسوبا إِلَى أَخِيه فكره الله ذَلِك من فعله فأماته أَيْضا فَأمرهَا يهوذا باللحاق بِأَهْلِهَا إِلَى أَن يكبر شيلا وَلَده وَيتم عقله حذرا من أَن يُصِيبهُ مَا أصَاب أَخَوَيْهِ فأقامت فِي بَيت أَبِيهَا فَمَاتَتْ من بعد زَوْجَة يهوذا وأصعد إِلَى منزل يُقَال لَهُ ثمناث ليجز غنمه فَلَمَّا أخْبرت ثامار بإصعاد حميها إِلَى ثمناث لبست زِيّ الزوانى وَجَلَست فِي مستشرف على طَرِيقه لعلمها بشيمه فَلَمَّا مر بهَا خالها زَانِيَة فَرَاوَدَهَا فطالبته بِالْأُجْرَةِ فوعدها بجدي وَرهن عِنْدهَا عصاة وخاتمه وَدخل بهَا فعلقت مِنْهُ بفارص وزارح وَمن نسل فارص هَذَا كَانَ بوعز المتزوج بروث الَّتِي من نسل مؤاب وَمن وَلَدهَا كَانَ دَاوُد النَّبِي ﵇
وَأَيْضًا فَفِي هَذِه الْحِكَايَة دقيقة ملزمة بالنسخ وَهِي أَن يهوذا لما أخبر بِأَن كمنته قد علقت من الزِّنَا أفتى بإحراقها
فَبعثت إِلَيْهِ بِخَاتمِهِ وَعَصَاهُ
وَقَالَت من رب هذَيْن أَنا حَامِل
فَقَالَ صدقت مني ذَلِك وَاعْتذر بِأَنَّهُ لم يعرفهَا وَلم يعاودها
وَهَذَا يدل على أَن شَرِيعَة ذَلِك الزَّمَان كَانَت مقتضية إحراق الزوانى
[ ١٥٤ ]
وَأَن التَّوْرَاة أَتَت بنسخ ذَلِك وأوجبت الرَّجْم عَلَيْهِنَّ
وفيهَا أَيْضا من نسبتهم الزناء وَالْكفْر إِلَى بَيت النُّبُوَّة مَا يُقَارب مَا نسبوه إِلَى لوط النَّبِي ﵇
وَهَذَا كُله عِنْدهم فِي نَص كِتَابهمْ وهم يجْعَلُونَ هَذَا نسبا لداود وَسليمَان ولمسيحهم المنتظر ثمَّ يرَوْنَ الْمُسلمين أَحَق بِهَذَا اللقب من منتظرهم
وكذبهم فِي هَذَا القَوْل من أظهر الْأُمُور وأبينها
فإمَّا دفعهم لإعجاز الْقُرْآن للفصحاء فلست أعجب مِنْهُ إِذا كَانُوا لَا يعْرفُونَ من الْعَرَبيَّة مَا يفرقون بِهِ بَين الفصاحة والعي مَعَ طول مكثهم فِيمَا بَين الْمُسلمين
وَأَيْضًا فَمن اعتراضهم على الْمُسلمين أَنهم يَقُولُونَ كَيفَ يجوز أَن ينْسب إِلَى الله تَعَالَى كتاب ينْقض بعضه بَعْضًا يُرِيدُونَ بذلك ينْسَخ بعضه بَعْضًا
فَنَقُول لَهُم
أما تَحْسِين جَوَاز ذَلِك فقد ذَكرْنَاهُ فِي أول هَذِه الْكَلِمَة وَأما تعجبكم مِنْهُ وتشنيعكم بِهِ فَإِن كتابكُمْ غير خَال من مثله فَإِن أَنْكَرُوا ذَلِك قُلْنَا لَهُم
[ ١٥٥ ]
ماتقولون فِي السبت أَيهمَا أقدم افتراضها عَلَيْكُم أَو افتراض الصَّوْم الْأَكْبَر
فَيَقُولُونَ
السبت أقدم
لأَنهم إِن قَالُوا الصَّوْم أقدم كذبناهم بِأَن السبت فرضت عَلَيْهِم فِي أول إعطائهم الْمَنّ وَالصَّوْم الْأَكْبَر فرض عَلَيْهِم بعد نزُول اللَّوْحَيْنِ ومخالفتهم وعبادتهم الْعجل وَلما رفع عَنْهُم عِقَاب ذنبهم ذَلِك فِي هَذَا الْيَوْم فرض عَلَيْهِم صَوْمه وتعظيمه
فَإِذا أقرُّوا بِتَقْدِيم السبت
قُلْنَا لَهُم
مَا تَقولُونَ فِي يَوْم السبت هَل فرضت فِيهِ عَلَيْكُم الرَّاحَة والدعة وَتَحْرِيم المشقات أم لَا
[ ١٥٦ ]
فَيَقُولُونَ
بلَى
فَنَقُول لَهُم
فَلم فرضتم فِيهِ الصَّوْم إِذا اتّفق صومكم الْأَكْبَر يَوْم السبت مَعَ كَون صومكم فرض بعد فَرِيضَة السبت وَلكم فِي ذَلِك الصَّوْم أَنْوَاع من الْمَشَقَّة مِنْهَا الْقيام جَمِيع النَّهَار أَلَيْسَ هَذَا أَيْضا قد نسخ فَرِيضَة السبت
وَأما سيدنَا رَسُول الله ﷺ وَعظم وكرم فَلهُ فِيمَا بَينهم اسمان فَقَط فَعَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ
أَحدهمَا فاسول
وَتَفْسِيره السَّاقِط
وَالثَّانِي موشكاع
وتأويله الْمَجْنُون
وَأما الْقُرْآن الْعَظِيم فأنهم يسمونه فِيمَا بَينهم قالون وَهُوَ اسْم للسوءة بلسانهم يعنون بذلك أَنه عَورَة الْمُسلمين
وَبِذَلِك وَأَمْثَاله صَارُوا أَشد عَدَاوَة للَّذين آمنُوا فَكيف لَا يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون
[ ١٥٧ ]