نقُول لَهُم هَل أَنْتُم الْيَوْم على مِلَّة مُوسَى ﵇ فَإِن قَالُوا نعم قُلْنَا لَهُم أَلَيْسَ فِي التَّوْرَاة أَن من مس عظما أَو وطئ فبرا أَو حضر مَيتا عِنْد مَوته فَإِن يصير من النَّجَاسَة فِي حَال لَا مخرج لَهُ مِنْهَا إِلَّا برماد الْبَقَرَة الَّتِي كَانَ الإِمَام الهاروني يحرقها فَلَا يُمكنهُم مُخَالفَة ذَلِك لِأَنَّهُ نَص مَا يتداولونه
فَنَقُول لَهُم فَهَل أنتهم الْيَوْم على ذَلِك
فَيَقُولُونَ لَا نقدر عَلَيْهِ
فَنَقُول لَهُم فَلم جعلتم ان من لمس الْعظم والقبر وَالْمَيِّت فَهُوَ طَاهِر يصلح للصَّلَاة وَحمل الْمُصحف وَالَّذِي فِي كتابكُمْ بِخِلَافِهِ
أما إِن قَالُوا لأَنا عدمنا أَسبَاب الطَّهَارَة وَهِي رماد الْبَقَرَة وَالْإِمَام المطهر المستغفر
[ ٩٣ ]
قُلْنَا فَهَل ترَوْنَ هَذَا الْأَمر مَعَ عجزكم عَن فعله مِمَّا تستغنون فِي الطَّهَارَة عَنهُ أم لَا فَإِن قَالُوا نعم قد نستغني عَنهُ فقد أقرُّوا بالنسخ لتِلْك الْفَرِيضَة لحَال اقتضاها هَذَا الزَّمَان وَإِن قَالُوا لَا نستغني فِي الطَّهَارَة عَن ذَلِك الطّهُور فقد أقرُّوا بِأَنَّهُم الأنجاس أبدا ماداموا لَا يقدرُونَ على سَبَب الطَّهَارَة
فَنَقُول لَهُم فَإِذا كُنْتُم أنجاسا على رَأْيكُمْ وأصولكم فَمَا بالكم تعتزلون الْحَائِض بعد انْقِطَاع الْحيض وارتفاعه سَبْعَة أَيَّام اعتزالا تفرطون فِيهِ إِلَى حد أَن أحدكُم لَو لمس ثَوْبه ثوب الْمَرْأَة لَا ستنجستموه مَعَ ثَوْبه
فَإِن قَالُوا لِأَن ذَلِك من أَحْكَام التَّوْرَاة
قُلْنَا أَلَيْسَ فِي التَّوْرَاة أَن ذَلِك يُرَاد بِهِ الطَّهَارَة فَإِن كَانَت الطَّهَارَة قد فاتتكم والنجاسة الَّتِي أَنْتُم فِيهَا على معتقدكم لَا ترْتَفع بِالْغسْلِ كنجاسة الْحيض فَهِيَ لذَلِك أَشد من نَجَاسَة الْحيض ثمَّ إِنَّكُم ترَوْنَ أَن الْحَائِض طَاهِرَة إِذا كَانَت على غير ملتكم وَلَا تستنجسون لامسها وَلَا الثَّوْب الَّذِي تلمسه وَتَخْصِيص هَذَا الْأَمر أعنى نَجَاسَة الْحيض بطائفتكم مِمَّا لَيْسَ فِي التَّوْرَاة فَهَذَا كُله مِنْكُم نسخ أَو تَبْدِيل
فَإِن قَالُوا
إِن هَذَا وَإِن كَانَ النَّص غير نَاطِق بِهِ فقد جَاءَ فِي الْفِقْه
[ ٩٤ ]
قُلْنَا لَهُم فَمَا تَقولُونَ فِي فقهائكم هَل الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ من مسَائِل الْخلاف والمذاهب على كثرتها لديكم كَانَت ثَمَرَة اجْتِهَاد واستدلال أَو مَنْقُولًا بِعَيْنِه
فهم يَقُولُونَ إِن جَمِيع مَا فِي كتب فقهنا نَقله الْفُقَهَاء عَن الْأَحْبَار عَن الثِّقَات من السّلف عَن يهوشع بن نون عَن مُوسَى الكليم ﵉ عَن الله تَعَالَى
فيلزمكم فِي هَذَا أَن الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة الَّتِي اخْتلف فِيهَا اثْنَان من فقهائكم يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا ينْقل مذْهبه فِيهَا نقلا مُسْندًا إِلَى الله ﷿
وَفِي ذَلِك من الشناعة اللَّازِمَة لَهُم أَن يجْعَلُوا الله قد أَمر فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة بِشَيْء وَخِلَافَة وَهُوَ النّسخ الَّذِي يدفعونه بِعَيْنِه
فَإِن قَالُوا إِن هَذَا الْخلاف غير مُسْتَعْمل لِأَن الْأَوَّلين كَانُوا بعد اخْتلَافهمْ فِي الْمَذْهَب فِي الْمَسْأَلَة يرجعُونَ بهَا إِلَى اصل وَاحِد هُوَ الْمَقْطُوع بِهِ
قُلْنَا إِن رجوعهم بعد الِاخْتِلَاف إِلَى الِاتِّفَاق على مَذْهَب وَاحِد إِمَّا لِأَن أحدهم رَجَعَ عَمَّا نقل أَو طعن فِي نَقله فَيلْزمهُ السُّقُوط عَن الْعَدَالَة
[ ٩٥ ]
وَلَا يجوز لكم أَن تعاودوا الِالْتِفَات إِلَى نَقله
وَإِمَّا أَن يكون الْفُقَهَاء اجْتَمعُوا على نسخ أحد المذهبين أَو تكون رِوَايَة أَحدهمَا ناسخة لرِوَايَة الآخر
وَمَا من الْفُقَهَاء إِلَّا من ألفى مذْهبه فِي مسَائِل كَثِيرَة وَهَذَا جُنُون مِمَّن لَا يقر بالنسخ وَلَا يرى كَلَام أَصْحَاب الْخلاف اجْتِهَادًا ونظرا بل نفلا مَحْضا