[طرق إثبات النبوة] ١:
لا يسع عاقلا أن يكذب نبيا ذا دعوى شائعة وكلمة صادقة، ويصدق غيره؛ لأنه لم يرَ أحدهما، ولا شاهد معجزاته. فإذا خص أحدهما
_________________
(١) ١ لا بد أن يخص الله سبحانه النبي الذي يرسله بأمر من دون الناس يدل على صدقه. وهو ما يسمى بالآيات المادية أو المعنوية. وإلا لم يكن قبول قوله بأولى من قبول غيره. والناس من حيث الإيمان بالنبوة قسمان: منهم من يؤمن بها، ومنهم من لا يؤمن بها مطلقا. فطريقة إثبات نبوة شخص ما لمن يؤمن بالله، ولا يؤمن بجنس النبوة أن يعرف أحوال هذا الشخص ويدرس سيرته، ويتأمل أخباره وما يأمر به من العبادات وأفعال الخير ومحاسن العادات، وما ينهى عنه من أضداد ذلك. ويكون ذلك إما بالمشاهدة، وإما بالتواتر والتسامع. وأما من يؤمن بجنس النبوة فنوعان: - نوع يؤمن بجنس النبوة لكنه لا يدري أيبعث نبي أم لا؟ وهذا يحتاج إلى أن يعلم أن هذا المدعي هل هو من جنس الأنبياء الصادقين أو من جنس المتنبئين الكاذبين؟ ويعرف صدق النبي بثبوت دلائل الصدقة المستلزمة لصدقه وانتفاء لوازم الكذب. كما يعرف صدقه بما يخصه الله به من آيات وبراهين =
[ ٥٣ ]
بالتصديق والآخر بالتكذيب، فقد تعين عليه الملام والإزراء عقلا. ولنضرب لذلك مثلا: إذا سألنا يهوديا عن موسى -﵇- وهل رآه وعاين معجزاته؟ فهو بالضرورة يقر بأنه لم يشاهد شيئا من ذلك عِيَانا.
فنقول له: بماذا عرفت نبوة موسى وصدقه؟
فإن قال: إن التواتر قد حقق ذلك، وشهادات الأمم بصحته دليل
_________________
(١) = وبمقارنة ما جاء به بما جاء به الأنبياء قبله. فالأنبياء جميعا يدعون إلى أصول مشتركة لا تختلف في حقيقتها وجوهرها. والأخبار الصادقة لا تتناقض. لكن قد يكون بعض الأنبياء أعلم ببعض الأمور أو بتفاصيلها من بعض. - ونوع عرف أن نبيا سيبعث. وربما عرف بعض صفاته وأموره، فيحتاج إلى أن يعرف عينه. وما يحتاج إليه هذا النوع من دلائل الصدق أيسر مما يحتاج إليه من لا يؤمن بالرسل أو من لا يعرف أن نبيا سيبعث. وأهل الكتاب من يهود ونصارى كانوا من هذا النوع قبل بعثة محمد -ﷺ- فإنهم كانوا ينتظرون مجيء نبي آخر الزمان الذي بشرت به الأنبياء، وبينت نعوته، وأخذت له من أممها العهد بالاتباع والنصرة. انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ٣/ ٢٩٨ و٤/ ٣٢١، الفصل لابن حزم ١/ ٧٣ - ٧٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/ ٤٨ و٩٩ و٢٠٩. ومن تتبع سيرة محمد -ﷺ- وتدبرها من حين ولد إلى أن بعث، ومن حين بعث إلى أن انتقل إلى جوار ربه، وتدبر نسبه وبلده وأصله وفصله وما جرى معه وما انتهى إليه بتجرد وإنصاف وصل إلى طمأنينة القلب بصدق هذا الرجل.
[ ٥٤ ]
ثابت في العقل، كما قد ثبت عقلا وجود بلاد وأنهار لم نشاهدها، وإنما تحققنا وجودها بتواتر الأنباء والأخبار. قلنا: إن هذا التواتر موجود لمحمد وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- كما هو موجود لموسى -﵇- فيلزمك التصديق بهما.
وإن قال اليهودي: إن شهادة أبي عندي بنبوة موسى -﵇- هي شبه تصديق بنبوته. قلنا له: ولِمَ كان أبوك عندك صادقا في ذلك معصوما عن الكذب؛ وأنت ترى الكفار أيضا يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك؛ إما تعصبا من أحدهم لدينه، وكراهية لمباينة طائفته، ومفارقة قومه وعشيرته، وإما لأن أباه وأشياخه نقلوه إليه، فتلقنه منهم معتقدا فيه الهداية والنجاة؟ فإذا كنت يا هذا قد ترى جميع المذاهب التي تكفر بها قد أخذها أبناؤها عن آبائهم كأخذ مذهبك عن أبيك، وكنت عالما أن ما هم عليه ضلال وجهل، فيلزمك أن تبحث عما أخذته عن أبيك من أن تكون هذه حالتك.
فإن قال: إن الذي أخذته عن أبي أصح مما أخذه الناس عن آبائهم، لزمه أن يقيم البرهان على نبوة موسى -﵇- من غير تقليد لأبيه؛ لأنه قد ادعى صحة ذلك بغير تقليد. وإن زعم أن العلة في صحة ما نقله عن أبيه أنه رجح أباه على آباء الناس بالصدق والمعرفة -كما يدعي اليهود في حق آبائهم- لزمه أن يأتي بالدليل على أن أباه أعقل من سائر آباء الناس وأفضل. فإن هو ادعى ذلك فقد كذب فيه؛ لأنه من ادعى مثل هذا يجب أن يستدل على فضائله بآثاره.
وقول اليهود باطل؛ فإنهم ليس لهم من الآثار في العالم ما ليس لغيرهم مثله. بل هم على الحقيقة لا ذكر لهم بين الأمم الذين استخرجوا العلوم الدقيقة ودونوها لمن يأتي بعدهم. وجميع ما نسب إليهم من العلوم مع استفادوه من علوم غيرهم لا يضاهي بعض الفنون
[ ٥٥ ]
الحكمية التي استخرجها حكاء اليونان، والعلوم التي استنبطها النبط. وأما تصانيف المسلمين، فيستحيل لكثرتها أن يقف أحد من الناس على جميع ما صنفوه في أحد الفنون العلمية لسعته وكثرته.
وإن كان هذا موقعهم من الأمم فقد بطل قولهم: إن آباءهم أعقل الناس وأفضلهم وأحكمهم. ولهم أسوة بسائر آباء الناس المماثلين لهم من ولد سام بن نوح -﵉- فإذا أقروا بتأسي آبائهم بآباء غيرهم، وقد علموا أن آباء غيرهم قد لقنوهم الكفر. لزمهم أن شهادة الآباء لا يجوز أن تكون حجة في صحة الدين. فلا يبقى لهم حجة في نبوة موسى إلا شهادة التواتر. وهذا التواتر موجود لعيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- كوجوده لموسى -﵇.
وإذا كانوا قد آمنوا بموسى -﵇- لشهادة التوتر بنبوته، فقد لزمهم التصديق بنبوة المسيح والمصطفى -﵉.
[ ٥٦ ]