نقول لهم: أليس في التوراة التي في أيديكم: "لو ياسور وشبيط منجهوزا ومحوقق مين دوغلاو"؟
تفسيره: لا يزول الملك من آل يهوذا والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح١ فلا يقدرون على جحده ..
_________________
(١) ١ جاء في سفر التكوين ٤٩/ ١: ودعا يعقوب بنيه وقال: اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام. ٤٩/ ٨: يهوذا إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو أبيك. ٤٩/ ٩: يهوذا جرو -شبل- أسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كأسد وكَلَبْوة. من يُنهضه؟ ٤٩/ ١٠: لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون، وله يكون خضوع شعوب. هكذا النص في الكتاب المقدس الصادر عن جمعيات الكتاب المقدس عام ١٩٦٦م، والكتاب المقدس الصادر عن دار الكتب المقدس في الشرق الأوسط عام ١٩٨٤م، وكلاهما للبروتستانت. وذكر الشيخ ﵀ الهندي في إظهار الحق ٢/ ٢٥٢ طبعة المغرب أن النص في الترجمات المطبوعة عام ١٧٢٢م وعام ١٨٣١م وعام ١٨٤٤م هكذا: "فلا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه حتى يجيء الذي له الكل، وإياه تنتظر الأمم". وفي ترجمة عام ١٨١١م هكذا: فلا يزول القضيب من يهوذا والرسم من تحت أمره إلى أن يجيء الذي هو له، وإليه تجتمع الشعوب. اهـ. وذكره ابن كمونة اليهودي في تنقيح الأبحاث ص٦٣ هكذا: لا يزول القضيب من يهوذا أو الراسم من بين أقدامه إلى أن يجئ الذي له الأمر، وله تجتمع الشعوب. وفي الكتاب المقدس الصادر عن دار المشرق ببيروت عام ١٩٨٦م هكذا: لا يزول صولجان من يهوذا ومشترع من صلبه حتى يأتي شيلو، وتطيعه الشعوب. وكذلك في ترجمة اليسوعيين. وفي التوراة السامرية: لا يزول القضيب من يهوذة والمرسم من بين بنوده حتى يأتي سليمان، وإليه تنقاد الشعوب. وذكر القرافي في الأجوبة الفاخرة ص٧١ النص بالعبري هكذا "لوياسور وشبيط ميهوذا ومحوقيق مبين رغلا". ثم قال: وتفسيره: لا يزال الملك من آل يهوذا والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح. لكنه ذكره ص١٦٤ هكذا: لا يعدم سبط يهوذا ملك مسلط، وأفخاذه بنو إسرائيل حتى يأتي الذي له الكل. وأصل وصية يعقوب لبنيه مذكور في القرآن. قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
[ ٦١ ]
فنقول لهم: أما علمتم أنكم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح، ثم انقضى ملككم؟ فإن لم يكن لكم ملك، فقد لزمكم من التوراة أن المسيح قد أرسل.
وأيضا فإنا نقول لهم: أليس منذ بعث المسيح عيسى -﵇- استولت ملوك الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولتهم، وتفرق شملهم؟ فلا يقدرون على جحد ذلك إلا بالبهتان. ويلزمهم على أصلهم الذي في التوراة أن عيسى ابن مريم -﵇- هو المسيح الذي ينتظرونه١.
_________________
(١) ١ اختلف الناس في فهم هذا النص وتعيين المبشر به: أ- ذهب النصارى إلى أن المراد بالقضيب أو الصولجان: الملك والسلطة الدنيوة، وبالراسم: النبي، كما في تنقيح الأبحاث لابن كمونة ص٦٣، وإظهار الحق ٢/ ٢٥٣ طبعة المغرب. أما قوله: "حتى يأتي شيلو، أو شيلون في العبرية، وسليمان في السامرية" فيقول مفسرو التوراة في المجلة الأولى ص٤٦٠ من تفسير الكتاب المقدس لجماعة من اللاهوتيين: "هذه عبارة غير واضحة، ويبدو أن أفضل تفسير لها هو الذي يعد نوعا من الحديث عن المسيا إذا تحرك الحرف الساكن -وهو أمر مسموح به في اللغة العبرية- فإن الكلمة يمكن أن تترجم: الذي له" انظر: تعليق أحمد حجازي على التوراة السامرية =
[ ٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ص٤١٠، وجاء في الكتاب المقدس المطبوع في بيروت عام ١٩٧٦م تعليق على "شيلون" يقول: أي أمان. وعند البعض معناها: الذي له، المرجع السابق ص٣٦١ - ٣٦٢. قال النصارى: والمراد بشيلون هو المسيح -﵇- فهو المبشر به. ومعنى النص: سييقى الملك مع اليهود إلى أن يأتي المسيح. قالوا: وكذلك كان. فإنه ما زالت لليهود ملوك ودول إلى زمن المسيح -﵇- فلما ظهر بطلت النبوة فيهم، وانقطع الملك عنهم، وصاروا محتقرين مذمومين. انظر: تنقيح الأبحاث ص٦٣، والأجوبة الفاخرة للقرافي ص٧١، وعلى هذا التفسير جرى مؤلف كتابنا هذا -﵀- فقال: نقول لهم: أما علمتم أنكم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح؟ ثم انقضى ملككم؟ فإن لم يكن ملك فقد لزم من التوراة أن المسيح قد أرسل. ب- وذهب اليهود إلى أن المراد بشيلون المسيح المنتظر الذي يأتي في آخر الزمان، وينصر دين موسى -﵇- ويظهر الحق على يديه. وهم لا يزالون إلى اليوم ينتظرونه ليقيم دولتهم. انظر: الأجوبة الفاخرة ص٧٢. ورد ابن كمونة اليهودي في تنقيح الأبحاث ص٦٤ على ادعاء النصارى فقال: إن الملك زال من آل يهوذا قبل إيشوع المسيح بأكثر من أربعمائة عام. والملوك في البيت الثاني كانوا من بني "حمشوناي" وهم هارونيون من سبط لاوى. وكان الملك من بعدهم في هيرودس، وبعده في أولاده. ولم يكن أيضا من سبط يهوذا. قال: وليس لهم أن يقولوا: إن يعقوب كني بيهوذا عن اليهود بأسرهم، تسمية لكل الشيء بأشرف ما فيه؛ لأنه يقال: إن هذا غير محتمل. فإن يعقوب خص كل واحد من أولاده بما يكون منه. وخص =
[ ٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يهوذا بهذا القول. فلا يكون اسمه عبارة عن الجملة. ثم قولهم: "إن القضيب هو قضيب الملك، والرسم هو النبي" غير متيقن. فالنبوة انقطعت قبل ظهور المسيح بما يزيد عن ثلاثمائة عام. واللفظة المستعملة في اللغة العبرانية بمعنى القضيب تستعمل بمعنى السبط أيضا. فقد يمنع المانع أنها استعملت للقضيب، أو أن المراد بالقضيب إن استعملت له قضيب الملك. ثم قال: "والأظهر أن المراد: البشارة بداود -﵇- والمعنى: لا يزول السبط من يهوذا، ولا الرئاسة من بين ظهرانيهم إلى أن تبلغ رياستهم في الزيادة إلى أن يملك داود، ويتفق على تمليكه جميع شعوب إسرائيل". اهـ. موازنة وترجيح: وقد رد الشيخ ﵀ الهندي في إظهار الحق -٢/ ٥ طبعة المغرب- على ادعاء اليهود النصارى فقال: "ويفهم من رسائل القسيسين من فرق البروتستانت أن المراد من القضيب: السلطة الدنيوية. ومن المدبر: الحاكم الدنيوي. وعليه فلا يصح أن يراد بشيلون مسيح اليهود كما يزعمون؛ لأن السلطة الدنيوية والحاكم الدنيوي زالا من آل يهوذا من مدة هي أزيد من ألفي عام، من عهد بختنصر، ولم يسمع إلى الآن حسيس مسيح اليهود. ولا عيسى كما يزعم النصارى. لأنهما -أي السلطة والحكم الدنيوين- زالا من آل يهوذا قبل ظهور عيسى بمقدار ستمائة سنة. وهو إجلاء بني يهوذا إلى بابل. فكيف يصدق عليه؟! ". اهـ. ومن ناحية أخرى فقد ورد في إنجيل متى ٢/ ٥ - ٦ ما يدل على أن المدبر أو الراسم هو المسيح -﵇- حيث جاء: "لأنه هكذا مكتوب بالنبي: وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء =
[ ٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يهوذا. لأن منك يخرج مدبر يرعى شعب إسرائيل" فكيف يكون هو المدبر؟ وكيف يكون هو شيلون؟! ثم إن المسيح -﵇- لم يخضع له أي شعب، حتى إن خراف إسرائيل الضالة التي أرسل إليها لم تجتمع كلها تحت رعايته. هذا، والترجمات التي بين أيدينا مضطربة، ولا يمكن أن نصل إلى حقيقة النص وصيغته الأصلية لانعدام السند عند أهل الكتاب. ومع ذلك لو حللنا النص الذي بين أيدينا لظهر لنا ما يلي:
(٢) أنه من الظاهر أن المراد بالقضيب أو الصولجان: الملك والسلطة والحكم. وليس السبط كما زعم ابن كمونة. وإلا فما معنى: لا يزول السبط من يهوذا؟ وهل يقصد أن نسله لن ينقرض؟ والنصوص التي بين أيدينا لا تساعدنا على معرفة المراد بهذا الملك على وجه الحقيقة. أهو عدم نسخ شريعة موسى بشريعة أخرى إلى ذلك الوقت، أم غير ذلك؟
(٣) أن المراد بقوله: "والمرسم من بين بنوده" كما تقول السامرية أو "الرسم من تحت أمره" كما في ترجمة عام ١٨١١م: شريعة التوراة التي تظل مع علماء اليهود. وتكون هذه الشريعة من علامات ملك اليهود. فإن الرسم والتدبير إنما هو التشريع. وسباق النص وسياقه يدلان على ذلك. ولا سيما ترجمة اليسوعيين وترجمة عام ١٩٨٤م التي آخذ منها. أما إن كان النص: "والراسم من بين أقدامه" كما نقله ابن كمونة، أو "المدبر من فخذه" كما في ترجمة سنة ١٧٢٢م وسنة ١٨٣١ وسنة ١٨٤٤م، فالمراد به عيسى -﵇- لأنه ما جاء بعد موسى -﵇- من عَدَّل في شريعته زيادة أو نسخا سواه.
(٤) أن المراد بقوله: "حتى يأتي شيلون" نبي السلام والأمان كما ذكرت حاشية الكتاب المقدس المطبوع في بيروت عام ١٩٧٦م. =
[ ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وبعض الترجمات لم يذكر فيها لفظ "شيلون" بل ذكر فيها "الذي له الكل" أو "الذي هو له" أو "الذي له الأمر" أي: صاحب الأمر والذي ينتهي إليه. وهذا يدل على أن شريعة المبشر به تكون عامة شاملة ناسخة لما قبلها، وأن الكتاب الذي ينزل عليه يكون مهيمنا على ما سبقه من الكتب.
(٢) أن قول: "وإياه تنتظر الأمم" أو "تنقاد -أو تجتمع أو تخضع- له الشعوب" كما في بعض الترجمات يدل على أن رسالته عالمية، وقد سبقت البشارة به. وهذه كلها علامات صريحة ودلالات واضحة على المبشر به إنما هو محمد بن عبد الله الذي ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم -عليهم الصلاة والسلام- لأن الشعوب ما اجتمعت قط لأحد قبله، ولم يأت نبي برسالة عامة سواه. قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وعن جابر ب عبد الله -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" الشيخان والنسائي. وعليه يكون معنى البشارة: سيبقى الملك وحكم الشريعة التي سينزلها الله على موسى -﵇- مع العلماء من نسلكم حتى تنتهي مدة البركة الممنوحة لبني إسحاق، وتبدأ مدة البركة الممنوحة لبني إسماعيل بظهور النبي الذي له الكل، وتخضع لشريعته الشعوب. هذا هو ما يفهم من نصوص التوراة عامة؛ إذ النصوص يفسر بعضها بعضا. انظر: الأجوبة الفاخرة ص١٦٤، وتعليق أحمد حجازي على التوراة السامرية ص٣٩٨ - ٤٠٠. =
[ ٦٦ ]