نقول لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فيقولون: ولد يوسف النجار سفاحا. كان قد عرف اسم الله الأعظم، يسخر به كثيرا من الأشياء.
فنقول لهم: أليس عندكم في أصح نقلكم: أن موسى -﵇- قد أطلعه الله تعالى على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفا، وبه شق البحر وعمل المعجزات؟ ١ فلا يقدرون على إنكار ذلك.
فنقول لهم: فإذا كان موسى -﵇- قد عمل المعجزات
_________________
(١) ١ جاء في سفر الخروج ٣/ ١٣ - ١٤: فقال موسى: هأنا آتي إلى بني إسرائيل، وأقول لهم: إله آبائكم أرسلني إليكم. فإذا قالوا لي: ما اسمه؟ فماذا أقول لهم؟ فقال الله لموسى: أهْيَهْ الذي أهيه. وقال: هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم. ٣/ ١٥: وقال الله أيضا لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم .. أرسلني إليكم. هذا اسمي إلى الأبد. وهذا ذكري إلى دور فدور. =
[ ٥٧ ]
بأسماء الله تعالى، فلم صدقتم نبوته، وكذبتم نبوة عيسى ﵇؟
فيقولون: لأن الله تعالى علم موسى الأسماء، وعيسى لم يتعلمها من الوحي، ولكنه تعلمها من حيطان بيت المقدس١.
فنقول لهم: فإذا كان الأمر الذي يتوصل به إلى عمل المعجزات قد يصل إلى من لا يختصه الله به، ولا يريد تعليمه إياه، فبأي شيء جاز تصديق موسى ﵇؟ فيقولون: لأنه أخذها عن ربه.
_________________
(١) = ٦/ ٣: وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء. وأما باسمي يهوه فلم أعرف عندهم. اهـ. ذاك هو نص الكتاب المقدس الصادر عن دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط عام ١٩٨٤ وهو من ترجمة البروتستانت. أما من الكتاب المقدس الصادر عن دار المشرق في بيروت عام ١٩٨٣م فالنص فيه هكذا: ٣/ ١٤: فقال الله لموسى: أنا هو الكائن. وقال: كذا قل لبني إسرائيل: الكائن أرسلني إليكم. ٣/ ١٥: وقال الله لموسى ثانية: كذا قل لبني إسرائيل: الرب إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب بعثني إليكم. هذا اسمي إلى الدهر، وهذا ذكري إلى جيل فجيل. ٦/ ٣: أنا الذي تجليت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب إلها قادرا على كل شيء. وأما اسمي يهوه فلم أعلنه لهم. ١ وكيف تعلمها من حيطان بيت المقدس، وهو ابن السفاح كما يقولون؟ ولِمَ لم يتعلمها أحد من كبار الكهنة فيضاهيه بمعجزاته، ويدفع الضر الذي نزل ببني إسرائيل؟!
[ ٥٨ ]
فنقول: وبأي شيء عرفتم أنه أخذها عن ربه؟ فيقولون: بما تواتر من أخبار أسلافنا.
وأيضا فإنا نلجئهم إلى نقل أسلافهم ونقول لهم: بماذا عرفتم نبوة موسى؟
فإن قالوا: بما عمله من المعجزات. قلنا لهم: وهل فيكم من رأى هذه المعجزات؟ ليس هذا لعمري طريقا إلى تصديق النبوة؛ لأن هذا كان يلزمكم منه أن تكون معجزات الأنبياء -﵈- باقية من بعدهم ليراها كل جيل بعد جيل، فيؤمنوا به، وليس ذلك بواجب. لأنه إذا اشتهر النبي في عصر، وصحت نبوته في ذلك العصر بالمعجزات التي ظهرت منه لأهل عصره، ووصل خبره لأهل عصر آخر، وجب عليهم تصديق نبوته واتباعه؛ لأن المتواترات والمشهورات مما يجب قبولها في العقل١. وموسى وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- في هذا الأمر متساوون.
ونقول: تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادات بنبوة عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- لأن شهادة المسلمين والنصارى بنبوة موسى ليست إلا بسبب أن كتابيهما يشهدان له بذلك. فتصديقهم بنبوة موسى -﵈- فرع عن تصديقهم بكتابيهما.
وأما معجزات القرآن فإنها باقية، وإذا كانت باقية، فتلك فضيلة زائدة لا تحتاج إلى كونها سبب الإيمان. فأما من أعطي ذوق الفصاحة،
_________________
(١) ١ هذا إذا صحت النبوة وقامت دلائلها وأقر بها أهل الحجى الذين يميزون بين المعجزة وبين السحر ونحوه، والذين يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب. ثم نقلت بالتواتر. أما مجرد الإشاعة التي لا يُدرى أولها من آخرها، فليس لها أثر، وإن نقلت جيلا فجيل.
[ ٥٩ ]
فإن إيمانه بإعجاز القرآن إيمان من شاهد المعجزات، لا من اعتمد على الخبرة، إلا أنه هذه درجة لم يرسخ بها كل أحد.
فإن قالوا: إن نبينا يشهد له جميع الأمم، فإن التواتر به أقوى، فكيف تقولون: إنه أضعف؟ قلنا: أكان إجماع شهادات الأمم صحيحا لديكم؟
فإن قالوا: نعم. قلنا: فإن الإمم الذين قبلتم شهاداتهم مجتمعون على تكفيركم وتضليلكم. فليزمكم ذلك. لأن شهادتهم عندكم مقبولة.
فإن قالوا: لا نقبل شهادة أحد. لم يبق لهم تواتر إلا من طائفتهم. وهي أقل الطوائف عددا. فيصير تواترهم وشرعهم لذلك أضعف الشرائع.
ويلزمهم مما تقدم أن كل من أظهر معجزات شهد بها التواتر مصدق في مقالته. ويلزمهم من ذلك التصديق بنبوة المسيح والمصطفى عليهما الصلاة والسلام.
[ ٦٠ ]