إبطال ما يدعون من محبة الله تعالى إياهم:
هم يزعمون أن الله ﷾ يحبهم دون جميع الناس، ويحب طائفتهم وسلالتهم، وأن الأنبياء والصالحين لا يختارهم الله تعالى إلا منهم١.
_________________
(١) ١ وقد حكى الله ﷾ في القرآن الكريم ادعاءهم هذا ورد عليهم؛ فقال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ١٨]. وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣ - ٢٥]. وقال تعالى مخاطبا مشركي العرب وأهل الكتاب: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣، ١٢٤]. =
[ ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال ﷻ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٢، ١١٣]. ولنر الآن تبيان قوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: جاء في سفر الخروج ١٩/ ٥ - ٦: فالآن إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون له خاصة من بين جميع الشعوب، فإن لي كل الأرض. وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة. وجاء في سفر الأحبار -اللاويين- ١٩/ ١ - ٢: وكلم الرب موسى قائلا: كلم كل جماعة بني إسرائيل، وقل لهم: تكونون قديسين؛ لأني قدوس الرب إلهكم. ٢٠/ ٢٤: وقلت لكم: ترثون أنتم أرضهم .. أنا الرب إلهكم الذي ميزكم من الشعوب. ٢٠/ ٢٦: وتكونون لي قديسين، لأني قدوس أنا الرب، وقد ميزتكم من الشعوب لتكونوا لي. وجاء في سفر التثنية ٧/ ٦: لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك، إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبا أخص من جميع الشعوب الذين هم على وجه الرض. ٧/ ٧ - ٨: ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب التصق الرب بكم واختاركم لأنكم أقل من سائر الشعوب. بل من محبة الرب إياكم وحفظه القسم الذي أقسم لآبائكم، أخرجكم الرب بيد شديدة ٧/ ١٢ - ١٣: ومن أجل أنكم تسمعون هذه الأحكام وتحفظون وتعملونها، يحفظ لك إلهك العهد .. ويحبك ويباركك ويكثرك. ٧/ ١٤: مباركا تكون فوق جميع الشعوب. =
[ ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وجاء في ٩/ ٢٩: وهم شعبك وميراثك الذي أخرجته بقوتك العظيمة وبذراعك الرفيعة. وجاء في ١٠/ ١٥: ولكن الرب إنما التصق بآبائك ليحبهم، فاختار من بعدهم نسلهم الذي هو أنتم فوق جميع الشعوب كما في هذا اليوم. وجاء في ١٤/ ١ - ٢: أنتم أولاد للرب إلهكم، لا تخمشوا أجسامكم ولا تجعلوا قَرَعة بين أعينكم لأجل ميت؛ لأنك شعب مقدس للرب إلهك، وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبا خاصا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض. ١٤/ ٢١: لا تأكلوا جثة ما. تعطيها للغريب الذي في أبوابك فيأكلها أو يبيعها لأجنبي. لأنك شعب مقدس للرب إلهك. وجاء في ٢٦/ ١٧ - ١٨: قد واعدت الرب أن يكون لك إلها، وأن تسلك في طرقه، وتحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه وتسمع لصوته. وواعدك الرب اليوم أن تكون له شعبا خاصا كما قال لك، وتحفظ وصاياه. ٢٦/ ١٩: وأن يجعلك مستعليا على جميع القبائل التي عملها في الثناء والاسم والبهاء، وأن يكون شعبا مقدسا للرب إلهك. كما قال. وجاء في ٢٨/ ١ - ٤: وإن سمعت سمعا لصوت الرب إلهك يجعلك الرب إلهك مستعليا على جميع قبائل الأرض. وتأتي عليك جميع هذه البركات وتدركك إذا سمعت لصوت الرب إلهك. مباركا تكون في المدينة ومباركا تكون في الحقل، ومباركة تكون ثمرة بطنك ٢٨/ ٩ - ١١: يقيمك الرب لنفسه شعبا مقدسا كما حلف لك إذا حفظت وصايا الرب إلهك، وسلكت في طرقه. فيرى جميع شعوب الأرض أن =
[ ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اسم الرب قد سمي عليك ويخافون منك. ويزيدك الرب خيرا في ثمرة بطنك وثمرة بهائمك. ولا ريب في أن الله سبحانه فضلهم على عالمي زمانهم كما جاء في القرآن، وكان هذا التفضيل مشروطا بطيبهم وستقامتهم كما دلت بعض النصوص عليه، فإذا غيروا غير الله حالهم. بيد أنهم لفرط جهلهم ولقساوة قلوبهم فرحوا بالوعد، ونسوا الشرط، فظنوا أنهم شعب الله المختار. بل أبناء الله وأحباؤه. وافتروا على الله الكذب، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون. ويدل على ذلك ما يلي: جاء في سفر التثنية ٨/ ١٩ - ٢٠: وإن نسبت الرب إلهك، وذهبت وراء آلهة أخرى وعبدتها وسجدت لها، أُشهد عليكم اليوم أنكم تبيدون لا محالة. كالشعوب الذين يبيدهم الرب من أمامكم، كذلك يبيدون؛ لأجل أنكم لم تسمعوا لقول الرب إلهكم. وجاء في ١١/ ٢٦ - ٢٨ من السفر نفسه: انظر أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة: البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم، واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم، وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم لتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها. وجاء في ٢٨/ ١٥: ولكن إذا لم تسمع لصوت الرب إلهك تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتدركك. ٢٨/ ٣٢: يُسلم بنوك وبناتك لشعب آخر، وعيناك تنظران إليهم ٢٨/ ٤٣ - ٤٤: الغريب الذي في وسطك يستعلي عليك متصاعدا، وأنت تنحط نازلا. هو يكون رأسا وأنت تكون ذنبا. اهـ. وهذا ما حصل، فغضب الله عليهم ولعنهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة. وما من أمة إلا وقصدهم أشد القصد. ولم يروا العدل إلا في بلاد المسلمين؛ ولذلك يكافئونهم اليوم على حسب جبلتهم.
[ ٩٦ ]
ونحن نناظرهم على ذلك، فنقول لهم: ما قولكم في أيوب النبي ﵇؟ أتقرون بنبوته؟ فيقولون: نعم١.
فنقول لهم: ما تقولون في جمهور بني إسرائيل؟ أعني: التسعة أسباط والنصف الذين أغواهم برعام بن نباط الذي خرج على ولد سليمان بن داود، ووضع لهم الكبشين من الذهب، وعكف على عبادتهما جماعة من بني إسرائيل وأهل جميع ولاية دار ملكهم الملقبة يومئذ شومرون، إلى أن جرت الحرب بينهم وبين السبطين والنصف الذين كانوا مؤمنين مع ولد سليمان ببيت المقدس، وقتل منهم في معركة واحدة خمسمائة ألف إنسان. فما تقولون في أولئك القتلى بأسرهم؟ وفي التسعة أسباط والنصف؟ هل كان الله يحبهم لأنهم إسرائيليون؟
فيقولون: لا؛ لأنهم كفار٢.
_________________
(١) ١ أيوب -﵇- نبي من ذرية العيس بن إسحاق بن إبراهيم -﵈- وبنو العيس هم الروم. وأهل الكتاب يقرون بنبوته مع أنه ليس من بني إسرائيل، بل من إخوتهم. وهم ينسبون له سفرا في العهد القديم يسمونه باسمه. ويتكون من ثلاثة وأربعين بابا. مطلعه ١/ ١: كان رجل في أرض عَوْض اسمه أيوب، وكان هذا الرجل كاملا ومستقيما، يتقي الله ويحيد عن الشر. وغاية المؤلف -﵀- من ذكره أن يقيم الحجة على اليهود بأن الخير والفضل لا يختصان بهم. ٢ بعد وفاة سليمان -﵇- أعلن ابنه رَحُبعام نفسه ملكا على اليهود، وبايعه سبطا يهوذا ونيامين في أورشليم. لكن تم تدبير المؤامرة في شكيم -نابلس- فإنه لما اتجه إليها لأخذ البيعة من سائر الأسباط =
[ ٩٧ ]
فنقول لهم: أليس عندكم في التوراة أنه لا فرق بين الدخيل في دينكم وبين الصريح النسب منكم؟
_________________
(١) = اجتمعوا عليه وطلبوا منه تخفيف الوطأة التي سار عليها أبوه، فرفض بشدة؛ لأنه كان يريد أن يقيم كلام الله. فأبوا مبايعته، وبايعوا يربعام بن نباط الذي أراد سليمان قتله فهرب إلى مصر. وكانوا قد استدعوه. ولما رجع رحبعام إلى أورشليم جهز جيشا من السبطين لقتالهم؛ لكن شمعيا الذي كانوا يرونه نبيا نهاهم عن قتال بعضهم فأطاعوه، وهكذا انقسمت المملكة إلى مملكتين: جنوبية اسمها يهوذا، وعاصمتها أورشليم، وشمالية اسمها إسرائيل، وعاصمتها شكيم في جبل أفرائيم، وكانت أوسع رقعة من تلك. وخاف يربعام أن يعود الناس إلى رحبعام إذا ذهبوا ليقربوا الذبائح في أورشليم، فصنع عجلين من ذهب، ونادى فيهم: هو ذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر. ثم وضع أحدهما في بيت إيل والآخر في دان. وأقام لهما كهنة من غير سبط لاوى، ثم حدد لهم عيدا، وأمرهم بتقديم الذبائح للعجلين. وكانت تنشب حروب بسيطة بين الدولتين. ثم مات رحبعام وخلفه ابنه أبيا. انظر: الباب "٢" من سفر الملوك الأول والبابين "١٠" و١١ و١٢/ ١٥ - ١٦ من سفر أخبار الأيام الثاني. ثم نشبت حرب بين أبيا وبين يربعام. قد حشد أبيا جيشا من جبابرة القتال عدده أربعمائة ألف مختار، فحشد يربعام بدوره ثمانمائة ألف مختار -أخبار الأيام الثاني ١٣/ ١ - ٣ - لكن يربعام جعل الكمين يدور ليأتي من خلفهم. وفوجئ رجال يهوذا، فاستغاثوا بالرب، فضرب الله يربعام وكل إسرائيل، ودفعهم الله ليد أبيا وقومه فسقط منهم قتلى خمسمائة ألف مختار -منه ١٣/ ١٣ - ١٨.
[ ٩٨ ]
فيقولون: بلى؛ لأن التوراة ناطقة بهذا: "ككيركا از كاخيم بيهي لقي أدوناي". تفسيره: إن الأجنبي والصريح النسب سواء بينكم عند الله.
"توراحات ومتنفاط إيحاد يهي لاخيم ولكيرهكار بنو ححيم". تفسيره: شريعة واحدة وحكم واحد يكون لكم وللغريب الساكن فيما بينكم١.
_________________
(١) ١ جاء في سفر الأحبار -اللاويين- ١٩/ ٣٣ - ٣٤: وإذا نزل عندك غريب في أرضكم فلا تظلموه. كالوطني منكم يكون لكم الغريب النازل عندكم، وتحبه كنفسك وجاء في ٢٤/ ١٦ من السفر نفسه: ومن جدَّف على اسم الرب فإنه يقتل. يرجمه كل الجماعة رجما. الغريب كالوطني عندما يجدف على الاسم يقتل. وجاء في سفر العدد ٩/ ١٤: وإذا نزل عندكم غريب فليعمل فصحا للرب. حسب فريضة الفصح وحكمه كذلك يعمل. فريضة واحدة تكون لكم: للغريب ولوطني الأرض. وجاء في ١٥/ ١٣: كل وطني يعمل هذه هكذا لتقريب وقود رائحة سرور للرب. ١٥/ ١٤: وإذا نزل عندكم غريب أو كان أحد في وسطكم في أجيالكم وعمل وقود رائحة سرور للرب، فكما تفعلون كذلك يفعل. ١٥/ ١٥: أيتها الجماعة لكم وللغريب النازل عندكم فريضة واحدة دهرية في أجيالكم. مثلكم يكون مثل الغريب أمام الرب. ١٥/ ١٦: شريعة واحدة وحكم واحد يكون لكم وللغريب النازل عندكم. ١٥/ ٢٩: للوطني في بني إسرائيل وللغريب النازل بينهم تكون =
[ ٩٩ ]
فإذا اضطررناهم إلى الإقرار بأن الله لا يحب الضالين منهم، ويحب المؤمنين من غير طائفتهم، ويتخذ أولياء وأنبياء من غير سلالتهم. فقد نفوا ما ادعوه من اختصاص محبة الله ﷾ لطائفتهم من بين المخلوقين.
_________________
(١) = شريعة واحدة للعامل بسهو. وجاء في سفر التثنية ١٦/ ١٤: وتفرح في عيدك أنت وابنك وعبدك وأمتك واللاوي والغريب واليتيم والأرملة الذين في أبوابك. ٢٦/ ١١: وتفرح بجميع الخير الذي أعطاه الرب ألهك لك ولبنيك، وأنت واللاوي والغريب الذي في وسطك. هذه هي أبرز النصوص التي تسوي بين بني إسرائيل وبين غيرهم في الحكم أمام الله سبحانه. وقد كان فيهم الملوك العصاة والمرتدون وقاتِلو الأنبياء كما نطقت بذلك التوراة. فهل هؤلاء أفضل ممن آمن بالله وعمل صالحا من غير بني إسرائيل مثل أيوب ومن تبعه؟! يكفي في الرد عليهم ما جاء في التوراة من وصفهم بالإفلاس من الفطنة والرأي، وأنهم شرذمة شريرة وشعب صلب الرقبة. انظر الحاشية الأخيرة في البحث المتقدم "الموضع الذي أشير فيه إلى نبوة الكليم والمسيح والمصطفى ﵈" ص٧٣.
[ ١٠٠ ]