ثم أكثر العجب منهم أنهم جعلوا داود النبي -﵇- "ممزير" من وجهين، وجعلوا منتظرهم "ممزير" من وجهين: وذلك أنهم لا يشكون في أن داود بن بشاي بن عابد. وأبو عابد يقال له "بوعز" من سبط يهوذا. وأمه يقال لها "روث" المؤابية من بني مؤاب١. وهذا مؤاب منسوب عندهم في نص التوراة في هذه القصة.
وهي أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها، ونجا بابنتيه فقط، خالتا أن الأرض قد خلت ممن تستبقيان منه نسلا. فقالت الكبرى للصغرى: إن أبانا لشيخ، وإنسان لم يبق في الأرض، فهلمي بنا نسقي أبانا خمرا ونضاجعه، لنبتغي من أبينا نسلا، ففعلتا ذلك بزعمهم.
وجعلوا ذلك النبي قد شرب الخمر حتى سكر، ولم يعرف ابنتيه، ووطئهما فأحبلهما، وهو لا يعرفهما. فولدت إحداهما ولدا سمته
_________________
(١) ١ جاء في سفر أخبار الأيام الأول ٢/ ١ - ١٥: أن يهوذا بن يعقوب ولد فارص، وأن فارص ولد حصرون، وأن حصرون ولد رام، وأن رام ولد عميناداب، وأن عميناداب ولد نحشون، وأن نحشون ولد سلمو، وأن سلمو ولد بوعز، وأن بوعز ولد عوبيد، وأن عوبيد ولد يسى، وأن يسى ولد داود.
[ ١٦٩ ]
"مؤاب" تعني أنه من الأب، والثانية سمت ولدها "بني عمون" تعني أنه من قبيلتها١.
_________________
(١) ١ إن أسفار العهد القديم التي ورثها النصارى عن اليهود، تنسب لكثير من الأنبياء من الفحش والأعمال القبيحة ما يتنافى مع وضعهم الديني والاجتماعي، ويمتنع أن يصدر عنهم عقلا وشرعا وعادة. بل إنه ليتعارض مع الخلق الكريم، ولا يمكن أن يتصور وقوعه إلا من سفلة الناس. مما يدل على أن هذه الأسفار قد لعبت بها الأيدي كثيرا. ومن ذلك ما يلي: جاء في سفر التكوين ١٩/ ٣٠ - ٣٨: وصعد لوط من صوغر، وسكن في الجبل وابنتاه معه؛ لأنه خاف أن يسكن صوغر، فسكن في المغارة هو وابنتاه. وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض، هلم نسقي أبانا خمرا ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلا. فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة. ودخلت البكر، واضطجعت مع أبيها. ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطجعت البارحة مع أبي. نسقيه خمرا الليلة أيضا، فادخلي اضطجعي معه، فنحيي من أبينا نسلا. فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا. وقامت الصغيرة واضطجعت معه. ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. فحبلت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ابنا، ودعت اسمه مؤاب. وهو أبو المؤابيين إلى اليوم. والصغيرة أيضا ولدت ابنا، ودعت اسمه بن عمي، وهو أبو بني عمون إلى اليوم. اهـ. وعوبيد جد داود، واسم أمه راعوث كما في إنجيل متى ١/ ٥ - ٦، وراعوث مؤابيه. فهي من جدات سليمان وعيسى -﵉- ورحبعام بن سليمان من أجداد عيسى -﵇- كما في إنجيل متى ١/ ٧ - ١٦، واسم أمه نعمة العمونية كما في سفر الملوك الأول ١٤/ ٢١. فراعوث المؤابية جدة داود وسليمان وعيسى -﵈- ونعمة العمونية جدة عيسى -﵇- على حد زعم أهل الكتاب.
[ ١٧٠ ]
وذلك الولدان عند اليهود من "الممزريم" ضرورة؛ لأنهما من الأب وابنتيه. فإن أنكروا ذلك لأن التوراة لم تكن نزلت لزمهم ذلك. لأن عندهم أن إبراهيم الخليل -﵇- لما خاف في ذلك العصر، من أن يقتله المصريون بسبب زوجته، أخفى نكاحها وقال: هي أختي. علما منه بأنه إذا قال ذلك لم يبقَ للظنون إليهما سبيل١.
_________________
(١) ١ جاء في سفر التكوين ١٢/ ١٠ - ٢٠: وحدث جوع في الأرض، فانحدر أبرام -إبراهيم- إلى مصر ليتغرب هناك؛ لأن الجوع في الأرض كان شديدا. وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته: إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر، فيكون إذا رآكم المصريون أنهم يقولون: هذه امرأته. فيقتلونني ويستبقونك. قولي: إنك أختي، ليكون لي خير بسببك، وتحيا نفسي من أجلك. فحدث لما دخل أبرام إلى مصر أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا، ورآها رؤساء فرعون، ومدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون فصنع إلى أبرام خيرا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال. فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام. فدعا فرعون أبرام وقال: ما هذا الذي صنعت بي؟ لماذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ لماذا قلت: هي أختي حتى أخذتها لي لتكون زوجتي؟ والآن هو ذا امرأتك، خذها واذهب. فأوصى عليه فرعون رجالا، فشيعوه وامرأته وكل ما كان له. اهـ. وفي السفر نفسه ٢٠/ ١ - ١٨: أن هذه الحادثة تكررت أيضا مع ملك جرار أبيمالك. وجاء في الفقرة "١٢": "وبالحقيقة أيضا هي أختي ابنة أبي. غير أنها ليس ابنة أمي، فصارت لي زوجة". وجاء في التعليق على هذه الفقرة في الكتاب المقدس المطبوع ببيروت عام ١٩٨٣م: ومع ذلك فاللفظة العبرانية المترجمة بلفظ "أخت" معناها: ذات القرابة أيضا.
[ ١٧١ ]
وهذا دليل على أن حظر نكاح الأخت كان في ذلك الزمان مشروعًا. فما ظنك بنكاح البنت الذي لا يجوز ولا في زمن آدم ﵇؟
وهذه الحكاية منسوبة إلى لوط النبي -﵇- في التوراة الموجودة في أيدي اليهود، فلن يقدروا على جحدها، فيلزمهم من ذلك أن الولدين المنسوبين إلى لوط "ممزيريم"؛ إذ توليدهما على خلاف المشروع. وإذا كانت "روث" وهي من ولد مؤاب، جدة داود -﵇- وجدة مسيحهم المنتظر، فقد جعلوهما جميعا من نسل الأصل الذي يطعنون فيه.
وأيضا فمن أفحش المحال أن يكون شيخ كبير قد قارب المائة سنة، قد سقي الخمر حتى سكر سكرا حال بينه وبين معرفة ابنتيه، فضاجعته إحداهما واستنزلت منيه وقامت عنه، وهو لا يشعر، كما نطق كتابهم في قولهم: "ولو باداع بشنخباه ويقوماه" تفسيره: ولم يشعر باضطجاعهما وبقيامهما. وهذا حديث من لا يعرف الحبل؛ لأنه من المحال أن تعلق المرأة من شيخ طاعن في السن قد غاب عنه حسه لفرط سكره. ومما يؤكد استحالة ذلك، أنهم زعموا أن ابنته الصغرى فعلت به كذلك في الليلة الثانية، فعلقت أيضا. وهذا ممتنع من المشايخ الكبار أن تعلق المرأة من أحدهم في ليلة، وتعلق منه أيضا الأخرى في الليلة الثانية.
إلا أن العداوة التي ما زالت بين بني عمون ومؤاب وبين بني
[ ١٧٢ ]
إسرائيل بعثت واضع هذا الفصل على تلفيق هذا المحال؛ ليكون أعظم الأخبار فحشا في حق بين عمون ومؤاب١.
وأيضا فإن عندهم أن موسى -﵇- جعل الإمامة في الهارونيين، فلما ولي طالوت، وثقلت وطأته على الهارونيين، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم انتقل الأمر إلى داود، بقي في نفوس الهارونيين التشوف إلى الأمر الذي زال عنهم.
وكان عزرا خادما لملك الفرس حظيا عنده، فتوصل إلى بناء بيت المقدس، وعمل لهم هذه التوراة التي بأيديهم. فلما كان هارونيا كره أن
_________________
(١) ١ جاء في الأبواب ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٣ من سفر العدد أن العمونيين والمؤابيين منعوا بني إسرائيل من المرور بأراضيهم عند خروجهم من مصر، ورفضوا تزويدهم بالماء والطعام، بل استعدوا عليهم بلعام بن بعور، وأغروه بالفضة إن حاربهم. لكنه لم يفعل. وجاء في سفر التثنية ٢٣/ ٢: لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحد في جماعة الرب. ٢٣/ ٣: لا يدخل عموني ولا مؤابي في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد. ٢٣/ ٤: من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء في الطريق عند خروجكم من مصر، ولأنهم استأجروا عليك بلعام بن بعور من فتور أرام النهرين لكي يلعنك. ٢٣/ ٦: لا تلتمس سلامهم ولا خيرهم كل أيامك إلى الأبد. اهـ. والعجب كله من أهل الكتاب، كيف دخل داود وسليمان وعيسى في جماعة الرب؟! بل كيف صار عيسى ابنا لله ونسب ناسوته هكذا؟! وهل التعويل في النسب عندهم على الآباء أو الأمهات؟ وإذا كان على الآباء فمن أبوه؟
[ ١٧٣ ]
يتولى عليهم في الدولة الثانية داودي، فأضاف إلى التوراة فصلين طاعنين في نسب داود؛ أحدهما قصة بنات لوط، والآخر قصة تامار. وسيأتي ذكرها.
ولقد بلغ -لعمري- غرضه. فإن الدولة الثانية التي كانت بنت لهم بيت المقدس لم يتملك عليهم فيها داوديون. بل كان ملوكهم هارونيين.
وهذا عزرا ليس هو العزيز كما يظن؛ لأن العزيز هو تعريب ألعازار. فأما عزرا فإنه إذا عرب لم يتغير عن حاله؛ لأنه اسم خفيف الحركات والحروف. ولأن عزرا عندهم ليس بنبي. وإنما يسمون عزرا "هوفير" وتفسير: الناسخ.
وأيضا فإن عندهم في التوراة قصة أعجب من هذه: وهي أن يهوذا بن يعقوب النبي -﵇- زوج ولده الأكبر من امرأة يقال لها: "تامار". وكان يأتيها مستدبرا، فغضب الله تعالى من فعله فأماته. فزوجها يهوذا من ولده الآخر. فكان إذا دخل بها أمنى على الأرض. علما منه بأنه إن أولدها كان أول الأولاد باسم أخيه، ومنسوبا إلى أخيه. فكره الله ذلك من فعله، فأماته أيضا. فأمرها يهوذا باللحاق بأهلها إلى أن يكبر "شيلا" ولده، ويتم عقله، حذرا أن يصيبه ما أصاب أخويه. فأقامت في بيت أبيها. فماتت بعدُ زوجةُ يهوذا. وأصعد إلى منزل يقال له "تمناث" ليجز غنمه. فلما أخبرت تامار بإصعاد حميها إلى تمناث، لبست زي الزاني، وجلست في مستشرف على طريقه لعلمها بشيمته. فلما مر بها خالها زانية فراودها، فطالبته بالأجرة، فوعدها بجدي، ورهن عندها عصاه وخاتمه، فدخل بها، فعلقت منه بفارص وزارح١.
_________________
(١) ١ جاء في سفر التكوين ٣٨/ ٦ - ٧: وأخذ يهوذا زوجة لعير بكره، اسمها =
[ ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثامار. وكان عير بكر يهوذا شريرا في عيني الرب، فأماته الرب. ٣٨/ ٨: فقال يهوذا لأونان: ادخل على امرأة أخيك، وتزوج بها، وأقم نسلا لأخيك. ٣٨/ ٩: فعلم أونان أن النسل لا يكون له. فكان إذا دخل على امرأة أخيه أنه أفسد على الأرض لكيلا يعطي نسلا لأخيه. ٣٨/ ١٠: فقبح في عيني الرب ما فعله، فأماته أيضا. ٣٨/ ١١: فقال يهوذا لثامار كنته: اقعدي أرملة في بيت أبيك حتى يكبر "شيلة" ابني. لأنه قال: لعله يموت هو أيضا كأخويه. فمضت ثامار، وقعدت في بيت أبيها. ٣٨/ ١٢: ولما طال الزمان ماتت ابنة شوع امرأة يهوذا. ثم تعزى يهوذا، فصعد إلى جزاز غنمه في تمنة، هو وحيرة صاحبه العدلامي. ٣٨/ ١٣: فأخبرت ثامار، وقيل لها: هو ذا حموك صاعد إلى تمنة ليجز غنمه. ٣٨/ ١٤: فخلت عنها ثياب ترملها، وتغطت ببرقع، وتلففت وجلست في مدخل عينايم؛ لأنها رأت أن شيلة قد كبر، ولم تعط له زوجة. ٣٨/ ١٥: فنظرها يهوذا، وحسبها زانية؛ لأنها كانت قد غطت وجهها. ٣٨/ ١٦: فمال إليها على الطريق، وقال: هاتي أدخل عليك؛ لأنه لم يعلم أنها كنته. فقالت: ماذا تعطيني لكي تدخل علي؟ ٣٨/ ١٧: فقال: إني أرسل جدي معزى من الغنم. فقالت: هل تعطيني رهنا حتى ترسله؟ ٣٨/ ١٨: فقال: ما الرهن الذي أعطيك؟ فقالت: خاتمك وعصابتك وعصاك التي في يدك. فأعطاها ودخل عليها، فحبلت منه. =
[ ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٣٨/ ١٩: ثم قامت ومضت وخلعت عنها برقعها، ولبست ثياب ترملها. ٣٨/ ٢٠: فأرسل يهوذا جدي المعزى بيد صاحبه العدلامي ليأخذ الرهن من يد المرأة، فلم يجدها. ٣٨/ ٢٤: ولما كان نحو ثلاثة أشهر، أخبر يهوذا، وقيل له: قد زنت ثامار كنتك، وها هي حبلى أيضا من الزنى. فقال يهوذا: أخرجوها فتحرق. ٣٨/ ٢٥: أما هي، فلما أخرجت أرسلت إلى حميها قائلة: من الرجل الذي هذه له أنا حبلى ٣٨/ ٢٦: فتحققها يهوذا وقال: هي أبر مني؛ لأني لم أعطها لشيلة ابني. فلم يعد يعرفها أيضا. ٣٨/ ٢٧: وفي وقت ولادتها، إذا في بطنها توءمان. ٣٨/ ٢٨ - ٣٠: وكان في ولادتها أن أحدهما أخرج يدا، فأخذت القابلة، وربطت على يده قرمزا قائلة: هذا خرج أولا. ولكن حين رد يده، إذا أخوه قد خرج، فقالت: لماذا اقتحمت؟ عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص. وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يده القرمز، فدعي اسمه زارح. اهـ. وفارص هذا جد كل من داود وسليمان والمسيح -﵈- كما في سفر أخبار الأيام الأول ٢/ ١٢ - ١٥ وفي الباب الأول من إنجيل متى. وهكذا يكون أهل الكتاب قد طعنوا في نسب هؤلاء الأنبياء من ناحيتين: من ناحية راعوث المؤابية، ومن ناحية جدهم فارص المولود بالزنى مع المحارم. وطعنوا في نسب المسيح من ناحية ثالثة ألا وهي نعمة العمونية أم رحبعام بن سليمان -﵇- وهو من أجداد المسيح -﵇- كما سلف.
[ ١٧٦ ]
ومن نسل فارص هذا كان "بوعز" المتزوج بـ"روث" التي هي من نسل مؤاب. ومن ولدهما كان داود النبي ﵇.
وأيضا ففي هذه الحكاية دقيقة ملزمة بالنسخ: وهي أن يهوذا لما أخبر بأن كنته قد علقت من الزنى، أفتى بإحراقها، فبعثت إليه بخاتمه وعصاه، وقالت له: من رب هذين أنا حامل. فقال: صدقت، مني ذلك. واعتذر بأنه لم يعرفها. ولم يعاودها.
وهذا يدل على أن شريعة ذلك الزمان كانت مقتضية إحراق الزواني، وأن التوراة أتت بنسخ ذلك، وأوجبت الرجم عليهن.
وفيه أيضا من نسبتهم الزنى والكفر إلى أهل بيت النبوة ما يقارب ما نسبوه إلى لوط النبي -﵇- وهذا كله عندهم في نص كتابهم.
وهم يجعلون هذا نسبا لداود وسليمان ولمسيحهم المنتظر، ثم يرون أن المسلمين أحق بهذا اللقب من منتظرهم. وكذبهم في هذا القول من أظهر الأمور وأبينها.
[ ١٧٧ ]