قال الله تعالى في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة مخاطبا إبراهيم الخليل ﵇: "وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك. قد باركت فيه، وأثمره وأكثره جدا جدا"١. ذلك قوله: "وليشماعيل
_________________
(١) ١ جاء في سفر التكوين ١٧/ ١٥: وقال الله لإبراهيم: ساراي امرأتك لا تدع اسمها ساراي. بل اسمها سارة. ١٧/ ١٦: وأباركها، وأعطيك أيضا منها ابنا، أباركها فتكون أمما، وملوك شعوب منها يكونون. ١٧/ ١٧: فسقط إبراهيم على وجه وضحك ١٧/ ١٨: وقال إبراهيم: ليت إسماعيل يعيش أمامك. وفي السامرية: يحيى في طاعتك. ١٧/ ٢٠: وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. هأنا أباركه وأثمره وأكثره جدا جدا. اثني عشر رئيسا يلد، وأجعله أمة كبيرة. وفي السامرية: وفي إسماعيل استجبت منك، هو ذا باركته، وأثمره وأكثره جدا جدا. اثني عشر رئيسا يلد، وسأجعله شعبا عظيما. وجاء في ١٦/ ٩ - ١٠ من السفر نفسه في قصة هروب هاجر من اضطهاد سارة: وقال لها -أي لهاجر- ملاك الرب: ارجعي إلى مولاتك، واخضعي تحت يدها. تكثيرا أكثر نسلك، فلا يعد من الكثرة. ١٦/ ١١: وقال لها ملاك الرب: هأنت حبلى، فتلدين ابنا =
[ ٨٦ ]
شمعتيخا هني بيراختي أوثو وهفريتي أوثو وهربيتي بمادماد"١.
فهذه الكلمة "بمادماد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل وجدناه اثنين وتسعين. وذلك عدد حاسب حروف محمد -ﷺ- فإنه أيضا اثنان وتسعون. وإنما جعل ذلك في هذا الموضع ملغزا؛ لأنه لو صرح به لبدلته اليهود أو أسقطته كما علموا في غير ذلك٢.
_________________
(١) = وتدعين اسمه إسماعيل؛ لأن الرب قد سمع لمذلتك. ١٦/ ١٢: وإنه يكون إنسانا وحشيا. يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه. وأمام جميع إخوته يسكن. وفي بعض الترجمات: هو يكون عين الناس، وتكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع. وفي السامرية: هو يكون وحشيا من الناس. يده بالكل، ويد الكل به. وجاء في ٢١/ ١٢ - ١٣: لأنه بإسحاق يدعى لك نسل. وابن الجارية أيضا سأجعله أمة عظيمة. وفي السامرية: ابن الأمة هذه لشعب كبير أجعله. ٢١/ ١٧ - ١٨: ونادى ملاك الله هاجر من السماء، وقال لها: ما لك يا هاجر قومي احملي الغلام، وشدي يدك به؛ لأني سأجعله أمة عظيمة. ٢١/ ٢٠ - ٢١: وكان الله مع الغلام، فكبر وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر. ١ مع إشمام ألف "بمادماد" الضمة وإمالتها نحو الواو. ٢ إن من عادة بني إسرائيل الاعتماد في الوقائع والأسماء على قيمة حروف الكلمة من جهة الحساب. وحساب الجمل هو حساب الأعداد للحروف =
[ ٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الهجائية في اللغة العبرية على ما يستعمله اليهود فيما بينهم في هذه الكلمات "أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت" فالألف بواحد والباء باثنين والجيم بثلاثة والدال بأربعة والهاء بخمسة والواو بستة والزاي بسبعة والحاء بثمانية والطاء بتسعة والياء بعشرة، والكاف بعشرين واللام بثلاثين والميم بأربعين، والنون بخمسين والسين يستين والعين بسبعين والفاء بثمانين والصاد بتسعين والقاف بمائة، والراء بمائتين والشين بثلاثمائة والتاء بأربعمائة. وتوضيح ذلك أن "جدا جدا" في اللغة العبرية "بمادماد" و"شعبا عظيما" "لجوى جدول" -بالجيم المصرية- وقد قال كثير من علماء اليهود العبرانيين والسامريين: إن كانت التوراة وضع "بمادماد" و"لجوى جدول" في سياق بركة إسماعيل لتدل كل كملة منهما على اسم النبي الآتي بحساب الجمل. فإذا أتى من أولاد إسماعيل من يدعي النبوة، قارنوا اسمه بتلك الكلمات، فإذا وجدوا اسمه مساويا لحساب تلك الكلمات عرفوا أنه النبي المنتظر من نسل إسماعيل. وكلمة محمد بحساب الجمل عددها اثنان وتسعون؛ لأن الميم الأولى بأربعين والحاء بثمانية والميم الثانية بأربعين والدال بأربعة. وكذلك "بمادماد" عددها اثنان وتسعون؛ لأن الباء باثنين والميم الأولى بأربعين والألف بواحد والدال بأربعة والميم الثانية بأربعين والألف بواحد والدال بأربعة. وكذلك كلمة "لجوى جدول" عددها اثنان وتسعون؛ فاللام بثلاثين والجيم بثلاثة والواو بستة والياء بعشرة والجيم بثلاثة والدال بأربعة والواو بستة واللام بثلاثة. انظر: هداية الحيارى ص٥٣٦ - ٥٣٧ وص٥٥٥، إظهار الحق ٢/ ٢٥١ طبعة المغرب، التوراة السامرية تقديم وتعليق أحمد حجازي ص٤٠٦ - ٤٠٧. جاء في إظهار الحق ٢/ ٢٥١ - ٢٥٢: وقد صنف أحد أحبار اليهود بعد أن أسلم وتسمى بعبد السلام رسالة صغيرة سماها "الرسالة =
[ ٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الهادية" قال فيها: إن أكثر أدلة اليهود بحرف الجمل الكبير، وهو حرف أبجد. فإن أحبار اليهود حين بنى سليمان بيت المقدس اجتمعوا وقالوا: يبقى هذا البناء عشر سنوات وأربعمائة، ثم يعرض له الخراب. وذلك لأنهم حسبوا لفظ "بزات". ثم قال عبد السلام: واعترضوا على هذا الدليل بأن الباء في "بماد" ليست من نفس الكلمة، بل هي حرف جيء به للصلة. فلو أخرج منه اسم محمد -ﷺ- لاحتاج إلى باء ثانية، فيقال "بمادماد". قلنا: المشهور عندهم إذا اجتمعت الباءان إحداهما أداة، والأخرى من نفس الكلمة تحذف الأداء، وتبقى التي هي من نفس الكلمة. وهذا شائع عندهم في مواضع غير معدودة. اهـ. وذكر الأستاذ أحمد زكي باشا في جريدة البلاغ القاهرية الصادرة في آب أغسطس عام ١٩٣٣م أنه حصل عام ١٩١٣م على نسخة من التوراة التي كانت لدى شلبي سامري من طائفة اليهود السامريين، وهي منقولة من أقدم نسخة من التوراة تحتفظ بها تلك الطائفة. وقال أيضا: إن التوراة التي اشتراها مترجمة إلى العربية، وقد تخللها كتابات باللغة السامرية تؤدي إلى أسرار السامريين. ومن هذ العبارات جملة في آخر الباب السابع عشر ص٣٩ من الكتاب. وقد كتب الكاهن الأعظم بخط يده على هامشها عبارات رتبها كما يلي: "٩٢ بمادماد "محمد"، لجوى جدول أي شعبا عظيما أي محمد ٩٢". ثم وضع في ذيلها الجملة التالية: "انظر كيف أن لله في كل كلمة من كلامه تعالى أسرارا مدموجة وآيات عظيمة" حرره العبد الفقير إسحاق الكاهن السامري، عن مجلة الوعي الإسلامي الكويتية العدد ٢٥٦ عام ١٤٠٦هـ. وقال ابن القيم في هداية الحيارى ص٥٣٦: واختلف علماء أهل الكتاب؛ فطائفة تقول: معناها: جدا جدا أي كثيرا كثيرا. فإن كان هذا =
[ ٨٩ ]
فإن قالوا: إنه يوجد في التوراة عدة كلمات مما يكون حساب حروفه مساويا لعدد حساب حروف اسم زيد وعمرو وخالد. فلا يلزم من ذلك أن يكون زيد وعمرو وخالد أنبياء.
فالجواب: إن الأمر كما يقولون لو كان لهذه الآية أسوة بغيرها من كلمات التوراة. لكنا نقيم البراهين والأدلة على أنه لا أسوة لهذه الكلمة بغيرها في سائر التوراة. وذلك أنه ليس في التوراة من الآيات ما حاز به إسماعيل الشرف كهذه الآية؛ لأنها وعد من الله تعالى لإبراهيم بما يكون من شرف إسماعيل. وليس في التوراة آية أخرى مشتملة على شرف لقبيلة زيد وعمرو وخالد وبكر، كما أنه ليس في الآية كلمة تساوي "بمادماد" التي معناها "جدا جدا". وذلك أنها كلمة المبالغة من الله ﷾. فلا أسوة لها من كلمات الآية المذكورة. وإذا كانت هذه الآية أعظم الآيات مبالغة في حق إسماعيل وأولاده. وكانت تلك الكلمة أعظم مبالغة من باقي كلمات تلك الآية، فلا عجب أن تتضمن الإشارة إلى أجل أولاد إسماعيل شرفا، وأعظمهم قدرا محمد ﷺ.
وإذ قد بينا أنه ليس لهذه الكلمة أسوة بغيرها من كلمات هذه
_________________
(١) = معناها، فهي بشارة بمن عظم من بنيه كثيرا كثيرا. ومعلوم أنه لم يعظم من بنيه أكثر مما عظم محمد -ﷺ- وطائفة أخرى تقول: بل هو صريح اسم محمد -ﷺ- ويدل عليه أن الألفاظ العبرانية قريبة من الألفاظ العربية. فإذا أخذت لفظة "مؤذ مؤذ" وجدتها أقرب شيء للفظة محمد -ﷺ- ويدل على ذلك الباء؛ إذ لا يقال: أعظمه جدا جدا، بخلاف أعظمه بمحمد. وكذلك كان، فإن إسماعيل -﵇- قد عظم بمحمد -ﷺ- وازداد شرفا وتعظيما. ثم نقل عن ابن قتيبة قوله: وقد قال لي ولغيري بعض من أسلم من علمائهم: إن "مئذ مئذ" هو محمد -ﷺ- وهو بكسر الميم والهمزة، بعضهم يفتح الميم ويدنيها من الضمة. اهـ.
[ ٩٠ ]
الآية، ولا لهذه الآية أسوة بغيرها من آيات التوراة فقد بطل اعتراضهم١.
_________________
(١) ١ تضمن البابان السابع عشر والحادي والعشرون من سفر التكوين وعدا من الله سبحانه لإبراهيم -﵇- في حق ولديه إسماعيل وإسحاق -﵉- بأن يباركهما. وتضمن البابان السادس عشر والحادي والعشرون من السفر نفسه وعدا لهاجر ببركة إسماعيل إيضا. وقد فسرت التوراة البركة بأنها تعني أمما وملوكا على الشعوب من نسل إسماعيل وإسحاق. وقد تحقق الوعد لإسحاق فكثر نسله، واصطفى الله من ذريته موسى -﵇- برسالاته وكلامه. وقام من بعده من بني إسرائيل بالدعوة أنبياء وعلماء وملوك. هذه بركة إسحاق. فما بركة إسماعيل؟ إن علماء المسلمين يقولون: إنها كبركة إسحاق، تعني أمما وملوكا ونبوة وتشريعا. وعلماء أهل الكتاب يقولون: إنه كبركة إسحاق غير أنها لا تعني سوى الأمم والملوك من ذريته. أما النبوة والتشريع فلا. وهذا تعسف واضح؛ إذ كيف يكون هذا، ومفهوم البركة لهما واحد لم يرد عليه استثناء لأحدهما؟ إن الله لا يصطفي أمما وملوكا، ويتركهم بدون هدى منه. بل كيف يصطفي أمة من ذرية مبارك، ولا ينزل عليها كتابا ينظم حياتها وعبادتها؟! وكيف يستخلص ملوكا، ولا يعطيهم شريعة يسوسون بها شعوبهم؟! وإذا ماشينا أهل الكتاب، فمتى تحققت هذه البشارات، وكانت الملوك والأمم في ذرية إسماعيل؟ إنه من المقطوع به أنه لم يأت من صلب إسماعيل من بورك وعظم وكان لشعب كبير غير محمد -ﷺ- وأن أولاده من بعده لم يكونوا متصرفين في معظم الأمم، ولم يظهر فيهم الملك إلا بعد بعثة محمد -ﷺ- حيث ظهرت أمته على سائر الأمم =
[ ٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكانت الخلافة من بعده في قريش. فإذا لم يكن محمد -ﷺ- نبيا فهو ملك. وقد علم الخاص والعام أنه أخبر عن نفسه أنه رسول الله إلى الناس كافة وخاتم النبيين. فإن كان صادقا عدلا، فقد وجب الإيمان به. وإلا فكيف تكون البشرى لهاجر وإجابة دعاء إبراهيم بملك ظالم جبار متسلط؟ لا سيما إذا ادعى النبوة، فإنه يكون شرا من ملك ظالم لم يدع النبوة، ولم يفتر على الله الكذب. أية بشارة تكون لهاجر وإبراهيم بولد طاغية؟ وأين البركة الممنوحة لإسماعيل؟ ومتى تحققت؟ وصفوة القول: إن البركة التي تعني أمما وملوكا ونبوة وتشريعا، والتي وعد الله بها إبراهيم وهاجر في ابنهما إسماعيل لم تتحقق إلا بنوة محمد -ﷺ- فدل على أنه هو المبشر به وأن رسالته عالمية. انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/ ٣١٢ - ٣١٣، الجواب الصحيح ٣/ ٣١١ - ٣١٤ و١/ ١٨٠، هداية الحيارى ص٥٤٢ و٥٤٤ - ٥٤٥ و٦٣٤، الأجوبة الفاخرة ص١٦٣ و١٦٥، تحفة الأريب ص١٣٤، إظهار الحق ٢/ ٢٥١، قصص الأنبياء ص٢٩٣، محمد رسول الله لبشرى ص٧٤، هذا ومن أطرف التعنت ما جاء في حاشية الكتاب المقدس المطبوع بيروت عام ١٩٨٣م على الفقرة ٢١/ ١٤: بين بولس المعنى السري فيما فعل إبراهيم مع سارة وهاجر؛ إذ قال عن سارة: إنها رمز الكنيسة، وعن هاجر: إنها رمز مجمع اليهود. فلذلك يدل إسماعيل على اليهود الذين كفروا بالمسيح، وإسحاق على المؤمنين بمخلص العالم. اهـ. ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
[ ٩٢ ]