إنهم لا يقدرون على أن يجحدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر الخامس من التوراة: "لاهيم وهي نابي أقيم مقارب أحيحيم كاموخا إيلاو شيماعون". تفسيره: نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك، به فليؤمنوا١.
_________________
(١) ١ جاء في سفر التثنية ١٨/ ١٥: يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون. وفي طبعة ١٩٨٣م: يقيم لك الرب إلهك نبيا من بينكم من إخوتك ١٨/ ١٧ - ١٨: قال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا. أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به. وفي بعض الترجمات: سوف أقيم وفي طبعة ١٩٨٣م: نبيا من بين إخوتهم ١٨/ ١٩: ويكون الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه. وفي طبعة ١٩٨٣م: فإني أحاسبه عليه. وفي بعض الترجمات: ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم فيه باسمي، فأنا أكون المتنقم منه. =
[ ٧٥ ]
وإنما أشار بهذا أنهم يؤمنون بمحمد ﷺ.
فإن قالوا: إنه قال: من وسط إخوتهم. وليس في عادة كتابنا أنه يعني بقوله: "إخوتهم" إلا بني إسرائيل. قلنا: بلى. قد جاء في التوراة
_________________
(١) = ١٨/ ٢٠: وأما النبي الذي يطغى، فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي. وفي طبعة ١٩٨٣م: فليقتل ذلك النبي. ١٨/ ٢١ - ٢٢: وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟ فما تكلم به النبي باسم الرب، ولم يحدث ولم يصر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب. بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه. هذا ما في التوراة العبرانية، أما في السامرية، فقد ذكر النص مرتين: مرة في سفر الخروج، ومرة في سفر التثنية. وهأنا أنقله من المكانين جامعا بينهما مبينا ما انفرد به كل سفر: تثنية ١٨/ ١٥: نبيا من جملة إخوتك مثلي، يقيم لك الله إلهك. ومنه تسمعون. وجاء في سفر الخروج ٢٠/ ٢١، وهو بقية نص سفر التثنية في السامرية ما يلي: ١٨/ ١٨ - ١٩: نبيا أقمت لهم من جملة إخوتهم مثلك. وجعلت خطابي بفيه، فيخاطبهم بكل ما أوصيه به. ويكون الرجل الذي لا يسمع من خطابه الذي يخاطب باسمي أنا أطالبه. ١٨/ ٢٠: والمتنبئ الذي يتقح على الخطاب باسمي ما لم أوصه من الخطاب، ومن يخاطب باسم آلهة أخرى، فليقتل ذلك المتنبئ. ١٨/ ٢١ - ٢٢: وإذ تقول في سرك: كيف يتبين الأمر الذي لم يخاطبه الله؟ ما يقوله المتنبئ: باسم الله، ولا يكون ذلك الأمر ولا يأتي، هو الأمر الذي لم يقله الله. باتقاح قاله المتنبئ. لا تخف منه.
[ ٧٦ ]
"إخوتهم" لبني العيص. وذلك في الجزء الأول من السفر الخامس، وهو قوله: "ايم عوبريم بقبول احيحيم بني عيسى وهيوشيم بسيعير".
تفسيره: أنتم عابرون في تخم إخوتكم بني العيص المقيمين في سيعير. إياكم أن تطمعوا في شيء من أرضهم١.
فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل؛ لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق. فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم.
وإن قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموائيل النبي -﵇- لأنه قال: "من وسط إخوتهم مثلك". وشموائيل كان مثل موسى؛ لأنه من أولاد لاوى. يعنون من السبط الذي كان منه موسى ﵇.
قلنا لهم: فإن كنتم صادقين، فأي حاجة بكم إلى أن يوصيكم بشموائيل، وأنتم تقولون: إن شموائيل لم يأتِ بزيادة ولا نسخ؟! أأشفق من ألا تقبلوه لأنه إنما أرسل ليقوي أيديكم على أهل فلسطين، وليردكم إلى شرع التوراة؟ وبين صفته، فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان به؟ لأنه إنما يخاف تكذيبكم لمن ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ديانتكم، فالوصية بالإيمان به مما لا يستغني مثلكم عنه. ولذلك لم يكن بموسى
_________________
(١) ١ جاء في سفر التثنية ٢/ ٤: وأوصى الشعب قائلا: أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير، فيخافون منكم. فاحترزوا جدا. ٢/ ٨: فعبرنا عن إخوتنا بني عيسو الساكنين في سعير وجاء أيضا في سفر العدد ٢٠/ ١٤: وأرسل موسى رسلا من قادش إلى ملك أدوم، هكذا يقول أخوك إسرائيل: قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا.
[ ٧٧ ]
-﵇- حاجة إلى أن يوصيكم بالإيمان بنبوة إرمياء وإشعياء وغيرهما من الأنبياء.
وهذا دليل على أن التوراة أمرتهم في هذا الفصل بالإيمان بالمصطفى واتباعه صلى الله عليه وسلم١.
_________________
(١) ١ تنازع في هذا النص اليهود والنصارى: أ- قال بعض اليهود: إن المبشر هو يوشع بن نون. وقال بعض آخر: بل المراد به شموائيل كما ذكر المؤلف ﵀. وانظر: هداية الحيارى ص٥٢٦، وإظهار الحق ٢/ ٢٢٤٠ طبعة المغرب. وذهب جمهور اليهود إلى أنه نبي يبعث في آخر الزمان، يقيم ملك اليهود، ويضرب سائر الأمم والملل، فيعلو به شأنهم. وهم لا يزالون إلى اليوم ينتظرونه. ويعبرون عنه بالمسيح المنتظر. هداية الحيارى ص٥٢٦. وهم يزعمون أنه سيكون من بني إسرائيل؛ لأن لفظة "إخوتكم" أكثر ما وردت في مخاطبة بني إسرائيل، أريد بها من هو منهم، إلا في النادر؛ لأنهم إخوة، وبعضهم من بعض تنقيح الأبحاث ص٩٦. قالوا: ويعضد ذلك أنه جاء في الفقرة ١٨/ ١٥: "من وسطك من إخوتك". وفي بعض الترجمات، ومنها طبعة ١٩٨٣م: "من بينكم من إخوتك" فإنه يدل دلالة ظاهرة على أن المبشر به يكون من بني إسرائيل لا من غيرهم. ب- وحملته النصارى على البشارة بالمسيح ابن مريم -﵇- واستدلوا بما يلي:
(٢) جاء في حاشية الكتاب المقدس المطبوع عام ١٩٨٣م ما يلي: في هذه الآية نبوة مختصة بالمسيح وحده؛ لأن الروح القدس عينه فسرها في هذا المعنى، ووجهها إلى مخلص العالم جليا في كتاب =
[ ٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أعمال الرسل ٣/ ٢٢ و٧/ ٣٧، وقد اتفق الآباء القديسون كلهم على هذا التفسير.
(٢) جاء في إنجيل يوحنا ٥/ ٤٥ - ٤٧: لا تظنوا أني أشكوكم إلى الآب. يوجد الذي يشكوكم، وهو موسى الذي عليه رجاؤكم؛ لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني؛ لأنه هو كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك، فيكف تصدقون كلامي؟ فالمسيح نسب هذه البشارة إلى نفسه. وليس بعد كلامه كلم.
(٣) أن الضمير في "لهم" عائد إلى بني إسرائيل. وفي "مثلك" عائد إلى موسى. وهذا إشارة إلى المسيح. قالوا: وبذلك فسره شمعون الصفا قال: "إن النبي الذي وُصِّي بنو إسرائيل بقبول أمره والإيمان به هو المسيح" قالوا: وتفسير شمعون عندنا حجة قاطعة. ونحن عولنا عليها لا على مفهوم اللفظ. هداية الحيارى ص٥٢٧، إظهار الحق ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٨، تنقيح الأبحاث ص٦٣ - ٦٤. تحليل وترجيح: بشرت التورة بنبي يأتي في المستقبل، ووصفته بصفتين: الأول: كونه من إخوة بني إسرائيل، لا منهم حقيقة. الثانية: كونه نبيا يشابه موسى في أوصافه، ويماثله في نبوته. وهاتان الصفتان لا تتحققان في يوشع بن نون ولا في شموائيل ولا في عيسى ابن مريم ولا في سائر أنبياء بني إسرائيل. أ- أما الصفة الأولى: فلأنهم كلهم من بني إسرائيل، وليسوا من إخوتهم أي أبناء عمومتهم؛ لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ يقتضي ألا يكون المبشر به له علاقة الصلبية أو البطنية بالمخاطبين وهم بنو إسرائيل. بل من فرع آخر غير فرعهم. ومن تبع هذه اللفظة في التوراة وجد أن المراد بها في أكثر ما وردت أبناء عم المخاطبين. كما ذكر في =
[ ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحاشية السابقة. وكما جاء في سفر الأحبار -اللاويين- ١٠/ ٦: "وقال موسى لهارون وألعازار وإيثامار ابنيه: لا تكشفوا رءوسكم، ولا تشقوا ثيابكم لئلا تموتوا، ويسخط على كل الجماعة. وأما أخوتكم كل بيت إسرائيل، فيبكون على الحريق الذي أحرقه الرب". فالمخاطبون هنا هارون وولداه، وهما من سبط لاوى؛ ولذلك قال لهم عن سائر الأسباط: "وأما إخوتكم". وما ورد في بعض المواضع من استعمال لفظ "إخوة بني إسرائيل" في بعضهم مثل ما جاء في سفر التثنية ١٧/ ١٥ فهو استعمال مجازي اقتضته الحال؛ إذ لا يعقل أن يقال في لغة من اللغات: بنو إسرائيل هم إخوة بني إسرائيل؛ لأن إخوة القوم ليسوا أنفسهم، بل بنو أبيهم. ولا تترك الحقيقة ما لم يمنع منها مانع قوي. ويدعم ذلك ما يلي:
(٢) لا شك أن الأسباط الاثني عشر كانوا حاضرين في ذلك الوقت مع موسى -﵇- والخطاب موجه إليهم جميعا. فلو كان النبي المبشر به منهم لقال: أقيم لهم نبيا منهم أو من أنفسهم. ولم يقل: من إخوتك أو من إخوتهم. أما ما تمسكوا به من قوله: "من وسطك من إخواتك" أو "من بينكم" فيظهر -والله أعلم- أن هذه العبارة ملحقة أضيفت إلى النص بقصد التحريف والتعمية. يدل على ذلك أربعة أمور: الأول: أن الخطاب موجه هنا لجميع بني إسرائيل، وليس إلى بعضهم كما سلف. فإذا كانت هذه العبارة أصلية كان قوله: "من إخوتك" لغوا محضا لا معنى له. الثاني: أن لفظ "من إخوتك" تكرر في الفقرة الأخرى ١٨/ ١٨ دون لفظ "من وسطك" أو "من بينك" فيكون المكرر هو الصحيح الأصلي دون غيره. =
[ ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الثالث: أن موسى -﵇- لما نقل كلام الله في الفقرة الأخرى لإثبات قوله الذي ذكره أولا، لم يذكر فيه هذا اللفظ. ولا يمكن أن يكون ما قاله موسى مخالفا لقول الله زيادة أو نقصانا. الرابع: أن التوراة السامرية خلت من هذا اللفظ، وإنما جاء فيها "نبيا من جملة إخوتك مثلي". وكذلك فإن من نقل هذه الفقرة من تلاميذ المسيح -﵇- لم يذكر هذه العبارة. جاء في سفر الأعمال ٣/ ٢٢ - ٢٣ في خطبة بطرس في الهيكل: "فإن موسى قال للآباء: إن نبيا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به. ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب". فسقوط هذه العبارة من هذه الأماكن دليل على عدم ثبوتها، وعلى فرض ثبوتها يكون المراد بها أن هذا النبي الآتي لن يكون بعيدا عن بني إسرائيل لا في النسب ولا في المكان.
(٢) جاء في سفر التكوين ١٦/ ١٢ في بشارة هاجر بإسماعيل: "وأمام جميع إخوته يسكن". وفي ٢٥/ ١٨: "أمام جميع إخوته نزل" أي: في وسطهم. وإخوة إسماعيل هم أولاد إبراهيم -﵇- وإخوة بني إسرائيل هم بنو إسماعيل -أي العرب- وبنو العيس -أي الروم- فأما بنو العيس فلم يقم فيهم نبي سوى أيوب -﵇- وكانت بعثته قبل أن يخلق موسى. فلا يجوز أن يكون هو الذي بشرت به التوراة. فلم يبقَ إلا العرب بنو إسماعيل. فتعين أن يكون المبشر به منهم. ولم يخرج من ولد إسماعيل نبي سوى محمد -ﷺ- فيكون هو المبشر به وهو المنتظر. ويدعم ذلك وعد الله لهاجر وإبراهيم في حق إسماعيل كما في سفر التكوين ١٦/ ٦ - ١٦ والبركة الممنوحة له إجابة لدعاء إبراهيم كما في ١٧/ ١٨ - ٢٠ من السفر نفسه. وأما قول النصارى: إن المسيح -﵇- نسب هذه البشارة =
[ ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = إلى نفسه، واستشهادهم بإنجيل يوحنا وغيره، فجوابه ما جاء في المثل: "ثبت العرش ثم انقش". وعلى فرض ثبوت هذا النص عن المسيح -﵇- ونقله عنه بالسند الصحيح المتصل، فليس فيه تصريح بأن موسى كتب في حقه في موضع كذا أو في مكان كذا. وإنما فيه أن موسى كتب في حقه. وهذا يصدق على أي موضع في التوراة ذكر فيه إشارة إليه. ونحن نسلم بهذا. وقولهم: إن الضمير في "لهم" عائد إلى بني إسرائيل، وفي "مثلك" عائد إلى موسى -﵇- صحيح لا نزاع فيه، لكن ليس فيه إشارة إلى المسيح -﵇- بل إنما فيه تصريح بمن يشابه موسى -﵇- وكل ما في الأمر يدل على أن هذا النبي سيرسل إلى بني إسرائيل. وكذلك قوله: "أقيم لهم" فإنه يدل على عموم رسالته. وخاطبهم بذلك لئلا يظنوا إذا جاء أن مرسل إلى العرب خاصة. إظهار الحق ٢/ ٢٤٨. وأما احتجاجهم بقول شمعون الصفا فقد أجاب عنه ابن كمونة اليهودي في تنقيح الأبحاث ص٦٤ فقال: وقول شمعون غير مسلم به. بل هو إشارة إلى كل نبي يأتي على دين موسى. وسياقة الكلام المنزل في هذا المعنى لا تقتضي التخصيص بنبي دون غيره. وبتقدير أن تقتضي ذلك، فنمنع أن يكون المقصود بالتخصيص هو المسيح. اهـ. ب- وأما الصفة الثانية فإنها تدل على أن هذا النبي المبشر به يشابه موسى -﵇- في أوصافه وأعماله، ويماثله في كونه صاحب شريعة عامة شاملة لكل نواحي الحياة. ولا توجد مماثلة أو مشابهة من هذه النواحي بين موسى ويوشع أو شموائيل؛ لأن موسى صاحب كتاب وشريعة عامة شاملة. ويوشع وشموائيل لم يكونا كذلك. وإنما كانا تابعين لشريعة موسى من بعده. =
[ ٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وكذلك لا توجد مماثلة بين موسى والمسيح -﵉- من النواحي التالية:
(٢) أن موسى -﵇- عبدٌ لله أرسله إلى بني إسرائيل. وغايته أن يكون نبيا يوحى إليه بشرع. والمسيح في زعم النصارى ليس بنبي ولا عبد، لكن إله تام من إله تام يرسل الرسل. والبشارة إنما جاءت بنبي مرسل يشابه موسى. ثم إن البشارة بواحد من إخوة بني إسرائيل. وبنو إسرائيل وإخوتهم عبيد لله، ليس فيهم إله.
(٣) أن المهمة التي جاء من أجلها المسيح في عقيدة النصارى لا تشابه المهمة التي بعث موسى من أجلها؛ فالمسيح في زعمهم أقنوم من الأقانيم الثلاثة الأزلية تجسد لكي يفدي الإنسان الذي شوهته الخطيئة البشرية، ويموت على خشبة الصليب كإنسان كامل بدون خطيئة -أقنوم الحق الفريد لرأفت عماري ص١٥ و١٦ - والمسيح في زعمهم دخل الجحيم بعد صلبه قبل قيامه ومكث هناك ثلاثة أيام، وأخرج الأنبياء والصالحين؛ لأن صلبه كان كفارة للخطيئة البشرية. أما موسى -﵇- فقد كانت مهمته تنحصر في أنه بشر رسول يبلغ عن الله الواحد، ولم يصلب فداء عن أحد، بل مات موتا عاديا، ولم يدخل الجحيم ليخلص أحدا. فبين المهمتين بون شاسع.
(٤) أن موسى -﵇- كان صاحب شريعة كاملة شاملة مستقلة، والمسيح -كما تذكر الأناجيل الأربعة- لم يكن كذلك. جاء في إنجيل متى ٥/ ١٧ - ١٨: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء". والنصارى يأخذون معظم تشريعهم من العهد القديم، وقد تضمنت الأناجيل بعض عبارات للمسيح تتصل بالتشريع مع إقراره بالتشريع اليهودي. وبعد رفع المسيح أقام القُسُس على أساس تلك العبارات مع العهد القديم نظاما قانونيا للكنيسة. =
[ ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٤ - أن موسى -﵇- كان رئيسا مطاعا في قومه أمرهم بالجهاد، وجاهد هو معهم. وكان متزوجا وله أولاد. والمسيح -﵇- لم يكن كذلك البتة.
(٢) لو حملت هذه البشارة على أحد أنبياء بني إسرائيل للزم منه تكذيب نصوص التوراة التي بين أيديهم. فقد جاء في سفر التثنية ٣٤/ ١٠ - ١٢: "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرف الرب وجها لوجه" أي: خاطبه شفاها من غير وساطة. وهذا النص يحتمل أن يكون معناه أن هذا النبي المنتظر لم يكن أتى حتى زمان كتابة هذا السفر إبان السبي في بابل أو بعده. لكن التوراة السامرة منعت أن يكون هذا النبي من بني إسرائيل البتة. فقد جاء فيها ٣٤/ ١٠ "ولا يقوم أيضا نبي في بني إسرائيل كموسى الذي ناجاه الله شفاها". وبما أنه لا مثيل لموسى في بني إسرائيل، فلا بد أن يكون من ولد إسماعيل للبركة الممنوحة له وللوعد بتكثير نسله. ولم يأت أحد لا من بني إسرائيل ولا من غيرهم برسالة عامة شاملة غيره. وهو يشابه موسى -﵇- في أمور كثيرة؛ أهمها ما يلي: - كلاهما عبد ورسول لله، فهما من أب وأم، وقد تزوجا، ولهما أولاد، وماتا على الفراش، ودفنا في القبر. - كلاهما كلمة بدون وساطة، وكلاهما صاحب شريعة كاملة تشتمل على نظام ديني ودنيوي للحياة البشرية. - كلاهما رئيس مطاع في قومه، قادر على تطبيق الأحكام الشرعية فيهم. وقد أمرا بالجهاد، فجاهدا مع أتباعهما، وكانت العاقبة لهما. وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥]. =
[ ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقوله في الفقرة ١٨: "وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به" يشير إلى أن هذا النبي سيوحى إليه بكتاب يظهر للناس عن طريق فمه. وكذلك كان. كما يدل على أنه لا ينطق من تلقاء نفسه، بل إنما بوحي من الله. وقوله في الفقرة ١٩: "ويكون الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه". وفي بعض الترجمات: "فأنا أكون المنقم منه" يدل على أن من يكفر بهذا النبي ويعاديه فإن الله سيكون هو المنتقم منه بطريقة من الطرق في الدنيا والآخرة. وقوله في الفقرة ٢٠: "وأما النبي الذي يطغى فيموت ذلك النبي". وفي السامرية: "فليقتل ذلك النبي" يدل على أن المتنبئ الكاذب ستكون نهايته القتل. والمسيح في زعم أهل الكتاب قتل وصلب، فلو كانت هذه البشارة في حقه كما يزعم النصارى للزم أن يكون متنبئا كاذبا. إظهار الحق ٢/ ٢٤٥. أما محمد -ﷺ- فلم يستطع أحد قتله رغم كثرة المحاولات من قريش ثم من يهود والمنافقين وسائر المشركين في السفر والحضر. بل عصمه الله من الناس. وقد ادعى النبوة في زمنه وبعده ناس كثيرون، وكانت نهايتهم القتل؛ مثل: مسيلمة الحنفي والأسود العنسي وسجاح وطليحة وغيرهم. جاء في الفقرة ٢٢: "فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب. بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه". وهذه علامة تميز النبي الصادق من المتنبئ الكاذب، فالنبي المبشر به سيتحدث عن الغيب الماضي والحاضر والمستقبل، فإذا وقع الأمر كما أخبر فهو الصادق، وإلا فهو الكاذب فعاده ولا تخف منه؛ لأنه سيخفق وتكون نهايته القتل. ومحمد -ﷺ- تحدث عن الغيب الماضي والحاضر في زمنه مما غاب عنه، وعن المستقبل، فكانت أخباره كلها صادقة، ولا سيما أخباره عن المستقبل، فمنها ما وقع ورآه الصحابة أو التابعون أو من تبعهم بإحسان بعد موته، ومنها ما لا يزال المسلمون إلى اليوم ينتظرون وقوعه مثل فتح روما وانتصار المسلمين على اليهود ومطاردتهم وتتبعهم.
[ ٨٥ ]