علماؤهم وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم، لا يعتقد أحد منهم أنها المنزلة على موسى البتة؛ لأن موسى -﵇- صان التوراة عن بني إسرائيل، ولم يبثها فيهم؛ وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد لاوى. ودليل ذلك قول التوراة: "ويختوب موسى اث هتود هزوث وتيناه الهكوهيم بني ليوي". تفسيره: "وكتب موسى هذه التوراة، ودفعها إلى الأئمة بني لاوى". وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم؛ لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقوفة عليهم.
ولم يبذل موسى من التوراة لبني إسرائيل إلا نصف سورة يقال لها: "هاأزينوا" فإن هذه السورة من التوراة هي التي علمها موسى لبني إسرائيل. وذلك قوله: "ويختوب موسى اث هثيرا هزرث ويلمذاه لبني يسرائيل". تفسيره: "وكتب موسى هذه السورة، وعلمها بني إسرائيل".
وأيضا فإن الله قال لموسى عن هذه السورة: "وها يثالي هيشرا هزوث لعيد بني يسرائيل". تفسيره: "وتكون لي هذه السورة شاهدا على بني إسرائيل".
وأيضا فإن الله قال لموسى عن هذه السورة: "كي لونشا خاخ مفي زرعوا". تفسيره: "لأن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم"١.
_________________
(١) ١ جاء في سفر الخروج ٢٤/ ١٢: وقال الرب لموسى: اصعد إلَيَّ إلى =
[ ١٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الجبل، وكن هناك، فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة الوصية التي كتبتها لتعليمهم. ٢٤/ ١٥: فصعد موسى إلى الجبل، فغطى السحاب الجبل. وجاء في ٢٥/ ١٠ - ٢٢ من السفر نفسه: أنه أمره أن يأمر بني إسرائيل، فيصنعوا تابوتا من خشب السنط، بين لهم أوصافه، ليضع فيه موسى -﵇- الشهادة التي سيعطيه الله إياها. كما أمره في ٢٨/ ١ - ٤٣: أن يقرب أخاه هارون -﵇- وبنيه من بين بني إسرائيل ليكونوا كهنة لله. وأمره أن يصنع لهم ثيابا مقدسة خاصة بهم، بين وصفها. وجاء في ٣٤/ ٢٧: وقال الرب لموسى: اكتب لنفسك هذه الكلمات؛ لأنني بحسب هذه الكلمات قطعت عهدا معك ومع إسرائيل. ٣٤/ ٢٩: نزل موسى من جبل سيناء، ولوحا الشهادة في يده. ٤٠/ ١ - ٣: وكلم الرب موسى قائلا: في الشهر الأول في اليوم من الشهر، تقيم مسكن خيمة الاجتماع. وتضع فيه تابوت الشهادة، وتستر التابوت بالحجاب. ٤٠/ ١٦: ففعل موسى بحسب كل ما أمره الرب. ٤٠/ ٢٠ - ٢١: وأخذ الشهادة وجعلها في التابوت، وأدخل التابوت إلى المسكن. وجاء في سفر التثنية ٣١/ ٩ - ١١: وكتب موسى هذه التوراة، وسلمها للكهنة بني لاوى حاملي تابوت عهد الرب. ولجميع شيوخ إسرائيل. وأمرهم موسى قائلا: في نهاية السبع سنين في ميعاد سنة الإبراء في عيد المظال، حينما يجيء جميع إسرائيل لكي يظهروا أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره، تقرأ هذه السورة أمام كل إسرائيل =
[ ١٢٦ ]
يعني: أن هذه السورة مشتملة على ذم طباعهم، وأنهم يخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك، ويخرب ديارهم، ويشتتون في البلاد.
قال: فهذه السورة تكون متداولة في أفواههم كالشاهد عليهم، والموافق لهم على صحة ما قيل لهم.
فهذه السورة لما قال الله عنها: إنها لا تنسى من أفواه أولادهم، دل ذلك على أن غيرها من السور تنسى.
وأيضا، فإن هذا دليل على أن
_________________
(١) = في مسامعهم. ٣١/ ١٢: اجمع الشعب الرجال والنساء والأطفال والغريب الذي في أبوابك لكي يسمعوا ويتعلموا أن يتقوا الرب إلهكم، ويحرصوا أن يعملوا بجميع كلمات هذه التوراة. ٣١/ ١٩: فالآن اكتبوا لأنفسكم هذا النشيد، وعلم بني إسرائيل إياه، ضعه في أفواههم لكي يكون لي هذا النشيد شاهدا على بني إسرائيل. وفي التوراة السامرية: والآن اكتبوا لكم الشيرة هذه، وعلمها لبني إسرائيل. اجعلها بأفواههم حتى تكون لي الشيرة هذه شاهدة في بني إسرائيل. ٣١/ ٢٢ و٣٠: فكتب موسى هذا النشيد في ذلك اليوم، وعلم بني إسرائيل إياه. فنطق موسى في مسامع كل جماعة إسرائيل بكلمات هذا النشيد إلى تمامه -والنشيد في الباب الثاني والثلاثين. ٣١/ ٢٤ - ٢٦: فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلا: خذوا كتاب التوراة هذا، وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم؛ ليكون هناك شاهدا عليكم.
[ ١٢٧ ]
موسى -﵇- لم يعط بني إسرائيل من التوراة إلا هذه السورة. فأما بقية التوراة، فدفعها إلى أولاد هارون، وجعلها فيهم، وصانها عن سواهم١.
وهؤلاء الأئمة الهارنيون الذين كانوا يعرفون التوراة، ويحفظون أكثرها قتلهم بختنصر على دم واحد يوم فتح بيت المقدس. ولم يكن
_________________
(١) ١ وهكذا صان موسى -﵇- التوراة عن سائر بني إسرائيل، ولم يبثها فيهم خوفا من اختلافهم بعده في تأويلها أو نحو ذلك مما يؤدي إلى انقسامهم. والهارونيون وحدهم هم الذين كانوا يعرفون التوراة. وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]. قال الزمخشري في الكشاف ١/ ٦١٥ في قوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ بما سألتهم أنبياؤهم حفظه من التوراة؛ أي: بسبب سؤال أنبيائهم إياه أن يحفظون من التغيير والتبديل. ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ أي: رقباء لئلا يبدل. اهـ. وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/ ١٦٨ - ١٦٩. فالكتب السماوية السابقة أوكل حفظها إلى العلماء؛ ولذلك ضاعت بعد جيل أو جيلين -كما سنرى في الحاشية التالية- أما القرآن الكريم فلكونه آخر الكتب، وقد نزل على خاتم الأنبياء تكفل الله بحفظه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقد عُني المسلمون الأولون والآخرون رجالا ونساء كبارا وصغارا بحفظه وتلاوته وسلامته عناية فائقة ملكت عليهم كل مشاعرهم وأحاسيسهم. فكانت هذه العناية مصداق الآية الكريمة.
[ ١٢٨ ]
حفظ التوراة فرضا ولا سُنة، بل كان كل واحد من الهارونيين يحفظ فصلا من التوراة١.
_________________
(١) ١ لمحة تاريخية عن التوراة والأدوار التي مرت بها: بعد وفاة موسى -﵇- خلفه يشوع -يوشع- بن نون في قيادة بني إسرائيل. فعبر بهم نهر الأردن واستولى على فلسطين -كما في سفر يوشع- ثم قسم الأرض بين الأسباط ما عدا سبط لاوى الذي اختص بالخدمة الدينية، واختص منه أبناء هارون بالكهنوت، فلم يفرز له نصيبا مستقلا من الأرض. لكنه خصص لهم بعض المدن من نصيب كل سبط ليسكنوا فيها ويقوموا بالخدمة الدينية لدى الأسباط جميعا -كما في البابين الثالث عشر والرابع عشر من سفر يشوع. التوراة إبان حكم القضاة: بعد موت يشوع ظل الشعب بأسباطه مقيما في تلك الجهات بين الشعوب المحيطة بهم. وكان ذلك الجيل على شاكلة آبائه، يعبد الرب وحده؛ وذلك لما رأوا من الآيات العظام. سفر القضاة الأول ٢/ ٧. ثم قام من بعدهم جيل آخر لم يعرف الرب. بل عمل الشر، وعبد آلهة الشعوب الذين حوله. فسلط الله عليهم أعداءهم فنهبوهم ونالوا منهم، ولم يقدروا على الوقوف أمامهم. القضاة الأول ٢/ ١٠ - ١٥. ولما ضاق بهم الأمر أقام لهم الرب قضاة ليخلصوهم من ناهبيهم. وكان الرب مع القاضي، فخلصهم من أعدائهم كل أيامه. ولكنهم كانوا يرتدون بعد موت كل قاضي، ويفسدون أكثر مما أفسد آباؤهم. فتخلى الله عنهم، ولم يدفع عنهم أعداءهم. القضاة ٢/ ١٦ - ٢٠. وفي إحدى المعارك مع الفلسطينيين انكسر الإسرائيليون وقتل منهم نحو أربعة آلاف رجل. فاستنصروا بتابوت عهد الرب وأخذوه معهم وهم يهتفون هتافا عظيما. فانكسروا ثانية وهربوا. وكانت الضربة عظيمة جدا؛ سقط منهم ثلاثون ألف رجل وأخذ منهم التابوت. صموئيل الأول ٤/ ١ - ١١. =
[ ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أما عودة التابوت فعجيبة جدا كما يقصها سفر صموئيل الأول ٥ و٦/ ١ - ٤: فقد أدخل الفلسطينيون التابوت إلى بيت إلههم "داجون" وأقاموه بقربه. وفي الصباح وجدوا داجون ساقطا على وجهه أمام التابوت، فأقاموه مكانه. وفي صباح اليوم التالي وجدوه كذلك، وقد قطعت رأسه ويداه. ثم أصيب أهل تلك القرية بالبواسير. وتدافعت مدن الفلسطينيين حفظ التابوت إلى أن قرروا إعادته مع كمية من الذهب بعد سبعة أشهر. لكن ماذا حل بالتوراة التي بداخله مع الألواح؟ لم يتعرض السفر لها بذكر. فهل ذلك ناتج عن أنه من البديهي أن تكون التوراة عادت مع التابوت سالمة غانمة، أو أنه من من البديهي أن تكون قد أخرجت من التابوت ومزقت؟ التوراة إبان حكم الملوك: أمام خطر الفلسطينيين اجتمع شيوخ بني إسرائيل، وطلبوا من القاضي صموئيل أن يجعل لهم ملكا ليحاربوا أعداءهم. وتحت إلحاحهم اختار لهم شاؤل بن قيس من سبط بنيامين -وهو الذي يسميه القرآن الكريم طالوت- فمسحه بالدهن المقدس ملكا عليهم. وقادهم بشجاعة في الحروب -كما في سفر صموئيل الأول الأبواب ٨ و٩ و١٠ - وبعد موت شاؤل استقر الأمر لداود -﵇- فحارب الفلسطينيين وفتح القدس. فنقل التابوت من قرية يعاريم إليها في احتفال بهيج، حيث أقام له خيمة هناك وعين اللاويين لخدمته. صموئيل الأول ٧/ ١ وصموئيل الثاني ٦. وورث سليمان داود، فبنى الهيكل، وبنى بداخله المحراب -قدس الأقداس- وهيأ مكانا في وسط البيت ليضع فيه التابوت، كما في =
[ ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = سفر صموئيل الثاني ٢٩/ ٢٣ - ٢٥، وسفر الملوك الأول ٢/ ١٢ و٦/ ١٤ - ٣٥، والباب السابع منه. وجمع سليمان شيوخ إسرائيل في العيد لوضع التابوت في المحراب. وفتح التابوت بعد وضعه في مكانه، وكانت المفاجأة: ليس في التابوت إلا لوحا الحجر. الملوك الأول ٨/ ١ - ١١. وبعد موت سليمان انقسمت المملكة إلى مملكتين: جنوبية اسمها يهوذا، وبقي الملك فيها في بيت داود إلى نهايتها. وشمالية اسمها إسرائيل، وتنقل الملك فيها بين أسر مختلفة. الملوك الأول ١٢/ ٢١. وعكف معظم بني إسرائيل مع ملوكهم على عبادة الأصنام مددا طويلة. وكانت الأنبياء تترى إليهم. لكنك هيهات، كفر مستمر وقتل للأنبياء. سقوط إسرائيل: كان الكفر والارتداد في مملكة إسرائيل أشد منه في الأخرى؛ ولذلك هاجر الكهنة اللاويون ومن بقي معهم إلى مملكة يهوذا. وسلط الله أعداءهم عليهم. ففي عام ٧٢١ ق. م أغار ملك آشور "سلمناصر" على عاصمة إسرائيل وحاصرها، ثم دكها دكا. ثم جاء خليفته "سرجون" فأسر الشعب وأجلاهم عن بلادهم، وفرقهم في ممكلته، وأسكن بدلا منهم وثنيين من بابل وغيرها. ولم يبق من اليهود إلا شرذمة قليلة اختلطت بالوثنيين، فتزاوجوا وتوالدوا. فمنذ قيام إسرائيل إلى أن محتها يد الأسر الآشوري، وأزالت شعبها لم يكن للأسباط الذين فيها غرض بالتوراة؛ لأن من بقي منهم على التوراة هاجر إلى مملكة يهوذا. العثور على التوراة قبيل سقوط مملكة يهوذا: جلس على حكم يهوذا بعد موت سليمان أكثر من عشرين ملكا من =
[ ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أحفاده. كان عدد المرتدين منهم أكثر من الذين يعترفون بالدين، حتى غدا أكثر أهل المملكة وثنيين، فوضعت الأصنام حتى في البيت المقدس، وبنيت لها المذابح، كما في سفر الملوك الثاني الباب ٢١ وسفر أخبار الأيام الثاني الباب ٣٣. وهذا ضاعت التوراة وأصبحت نسيا منسيا. ثم آل الأمر إلى يوشيا بن آمون، وكان فتى طيبا. فتاب إلى الله، واتجه إلى نشر الدين والعمل بالشريعة، فرمم الهيكل، وأزال منه رسوم الكفر، وبحث عن التوراة وجد في البحث لكن دون جدوى. ومضى من حكمه سبعة عشر عاما دون أن يعثر أحد على نسخة من التوراة، أو يسمع عنها شيئا. وفي السنة الثامنة عشرة من حكمه ادعى رئيس الكهنة "حلقيا" أنه وجد سفر شريعة الرب بيد موسى -أي التوراة- في بيت الرب بين الفضة التي جمعت من الشعب لترميم البيت. وسلمه للكاتب شوفان ليقرأه على الملك. فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه، كما في سفر الملوك الثاني ٢٢/ ١ - ١١، وسفر أخبار الأيام الثاني ٣٤/ ١ - ٢٠. ثم إن الملك جمع شعب يهوذا عند الهيكل، وقرأ عليهم السفر، فتعجب الناس والملك من فرط ما ارتكبه اليهود من مخالفات. ثم أخبر الملك الناس عن عزمه على العمل به. سفر الملوك الثاني ٢٣/ ١ - ٢٣، وأخبار الأيام الثاني ٣٤/ ٢٩ - ٣٣ و٣٥/ ١. هذا، ولا يقبل الباحثون ادعاء حلقيا؛ لأن البيت نهب مرتين قبل عهد الملك آخذ، ثم جعل بيتا للأصنام. وكان سدنة الأصنام يدخلون البيت كل يوم. أما ي عهد يوشيا فقد كان الكهنة يدخلون إلى البيت يوميا مدة سبعة عشر عاما في أثناء الترميم وبعده. فلا يعقل أن تكون نسخة التوراة في البيت، ولا يراها أحد خلال تلك المدة الطويلة رغم البحث والتفتيش. ويرى الباحثون أن حلقيا ومن معه من الكهنة لما رأوا =
[ ١٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ميل الملك يوشيا إلى الدين والعمل بالتوراة، انتهزوا هذه الفرصة للوقوف في وجه ارتداد اليهود والعودة بهم إلى الدين، فجمعوا هذه النسخة من الروايات اللسانية التي وصلت إليهم دون تحر أو تمحيص، خلال السبعة عشر عاما التي مضت من حكمه، وأضافوا إليها ما يوافق رغبات اليهود من تاريخ وعقيدة وغير ذلك. ثم لما انتهوا من الجمع والتلفيق والكتابة. ادعى حلقيا أنه عثر على هذه النسخة وسلمها للكاتب شوفان ليسلمها للملك. انظر: إظهار الحق ١/ ٣٢٥ - ٣٢٦، اليهودية لأحمد شلبي ص٢٥٩. وعلى كل حال لم يعمل بتلك التوراة سوى ثلاثة عشر عاما، وهي المدة المتبقية من حكم يوشيا. فما إن مات وخلفه في الحكم ابنه "يهوآحاز" حتى ارتد وأشاع الكفر. واستمر الكفر والارتداد وقتل الأنبياء ومطاردة المصلحين في عهد إخوته وأولادهم. الملوك الثاني ٢٣/ ٣١ - ٣٧، وأخبار الأيام الثاني ٣٦/ ١ - ١٧. وتوالت النكبات على اليهود من قبل الشعوب المحيطة بهم، حتى إن "نبوخذ ناصر" -بختنصر- ملك بابل اجتاح مملكة يهوذا عدة مرات، بسب ما يلقاه من غدر ونقض للعهود، إلى أن هاجمها أخيرا -عام ٥٨٨ ق. م. تقريبا- فدك أسوار القدس وأحرق المدينة والهيكل بعد أن أخذ منه التابوت، وتتبع الهارونيين وسائر الكهنة فقتلهم على دم واحد. ثم سبى اليهود جميعا إلى بابل مقيدين بالسلاسل ولم يترك فيها إلا شرذمة قليلة من أفقر الفقراء. انظر: الملوك الثاني البابين ٢٤ و٢٥، وأخبار الأيام الثاني الباب ٣٦، وسفر إرميا الأبواب ٣٩ - ٤٠ و٥٢. وفي هذه الحادثة انعدمت التوراة وسائر أسفار العهد القديم التي كانت مصنفة. وأهل الكتاب من يهود ونصارى يقرون بذلك كما ذكر المؤلف ﵀. وانظر الحاشية التالية لإكمال البحث.
[ ١٣٣ ]
فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم، وزالت دولتهم، وتفرق جمعهم، ورفع كتابهم، جمع من محفوظاته ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما لفق منه هذه التوراة التي في أيديهم؛ ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة، وزعموا أن النور إلى الآن يظهر على قبره الذي عند البطائح بالعراق؛ لأنه عمل لهم كتابا يحفظ لهم دينهم. فهذه التوراة التي في أيديهم على الحقيقة كتاب عزرا، ولست كتاب الله١. وهذا يدل على أنه -أعني الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم- رجل فارغ جاهل بالصفات الإلهية؛ فلذلك نسب إلى الله تعالى صفات التجسيم والندم على ما مضى من أفعاله والإقلاع عن مثلها وغير ذلك مما تقدم ذكره.
_________________
(١) ١ التوراة إبان السبي: سقطت مملكتا اليهود، فدالت دولتهم واندثرت أمتهم، كان أكثرهم مشتتا بين نهري دجلة والفرات وما حولهما، فذابوا بين تلك الشعوب وعبدوا آلهتهم. وكانت قلة منهم مشردة في مصر. واستمر هذا النفي إلى عام ٥٣٨ ق. م. تقريبا حيث قام الملك الفارسي كورش -كيروس الثاني- بالهجوم على الميديين فأخضعهم، واستولى على آشور وبابل. ومن ثم أصبح له السلطان على فلسطين واليهود. وتودد اليهود للحكم الجديد واستعطفوه -وما أبرعهم في ذلك وأبرع بهم- ثم التمسوا منه أن يسمح لهم بالعودة إلى بلادهم وبناء هيكلهم واستئناف الحرية في ظله فوافق. وعاد كثير منهم إلى فلسطين فأعادوا بناء المدينة والهيكل بعد إعاقات كثيرة بسبب خلافاتهم. أخبار الأيام الثاني ٣٦/ ٣٠ - ٣٣، وسفر عزرا من ١ حتى ٦، وسفر نحميا الأبواب ١ - ٧. =
[ ١٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وفي عهد الملك الفارسي "أرتحشستا" كان في بابل كاهن يهودي اسمه عزرا بن سرايا من سبط هارون، استطاع التقرب إلى الملك. وكان كاتبا ماهرا في شريعة موسى. وفي السنة السابعة من حكم الملك طلب منه أن يسمح بعودة فوج آخر من اليهود إلى القدس فوافق. وعاد عزرا إلى القدس عام ٤٥٨ ق. م. تقريبا، ومعه عامة الشعب وجماعة من الكتبة اللاويين وغيرهم، ومعه أيضا أموال كثيرة وكتاب توصية وتأييد -سفر عزرا الباب السابع- ودأب عزرا ومن معه من الكهنة على تبصير اليهود بالشريعة؛ ولذلك لقبوه بالكاهن والكاتب والوراق أي العالم والفقيه. سفر عزرا الباب العاشر. والاعتقاد السائد لدى اليهود أن عزرا هو الذي جمع أسفار التوراة ورتبها كما ذكر المؤلف ﵀. لكن الدلائل تشير إلى أنها كتبت في مراحل متباعدة، ثم قام عزرا بجمعها وكتابة بعضها، وأعانه على ذلك قوم آخرون؛ فهناك في المنفى بينما كان زعماؤهم يتحرقون دون أن يستطيعوا المقاومة، تفتقت عبقريته عن فكرتي "الشريعة والوعد". وغايتهم المحافظة على أنفسهم عرقا متمردا منظما تنظيما شبه عسكري منطويا على نفسه غير قابل للاندماج مع غيره. وقد اتخذوا إجراءات صارمة ليحولوا دون انصهار اليهود مع الشعوب الآخرى. التوراة تاريخها وغاياتها تعريب سهيل ديب ص١٦ - ١٧ وص٢٠. وهناك في المنفى قام أنبياؤهم وعلماؤهم -وأولهم حزقيال- بإعادة كتابة الشريعة من جديد، وألفوا الأسفار المعروفة بأسمائهم في العهد القديم. ومع مرور الزمن أدخلوا عليها التعديلات والأساطير المختلفة، وخلطوا بين أحداث وأخرى عن عمد وبغير عمد، إلى أن كان يوم الخلاص كما سبق، فعادوا إلى فلسطين، وأعادوا النظر في دينهم وشرعهم، فكانت اليهود المنظمة. فقد وضع عزرا بتأييد من الفرس =
[ ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = نظاما للجماعة اليهودية برئاسة الكاهن الأكبر ومجلس الكهنة من غير أن يكون لهم أي كيان سياسي. وعلماء الكتاب المقدس مجمعون على أن العهد القديم جرى وضعه إبان النفي وبعده. الأجوبة الفاخرة ص٧٩، التوراة بين الوثنية والتوحيد لسهيل ديب ص٨٠ - ٨١ وص٨٧، التوراة تاريخها وغاياتها تعريبه ص٢٠ و٢٥ و٣٩، الشرائع الدينية ص٦٥. قال العالم ول ديورانت في قصة الحضارة ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨: إن العلماء مجمعون على أن أقدم ما كتب في أسفار التوراة هو سفر التكوين. وقد كتب بعضه في يهوذا وبعضه في إسرائيل، ثم تم التوافق بين ما كتب هنا وهناك بعد سقوط دولتي اليهود. والرأي الغالب أن سفر التثنية من كتابة عزرا. ويبدو أن أسفار التوراة الخمسة اتخذت صورتها الحاضرة حوالي عام ٣٠٠ ق. م. وقرر أيضا أن أسفار العهد القديم جمعت لأول مرة في بابل، ثم ظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد. اهـ. وقد أعلن بحاثة يهودي -هو أستاذ علم الاجتماع في الجامعة العبرية في القدس- أن الأسس التاريخية لهذه العقيدة اليهودية قد أعطيت لليهود في تشريعات عزرا ونحميا حوالي سنة ٤٠٠ ق. م، ثم عدلت ونقحت في القرون التالية في الشريعة غير المكتوبة؛ أي: الشفوية وتلمود بابل. ويجمع الباحثون وعلى رأسهم علماء اليهود على أن كتاب حزقيال وضع أولا، ثم ركبت من حوله الكتب الأخرى، وذكر بعضهم أن نبوءة حزقيال الموضوعة بين عامي ٥٩٢ - ٥٧٠ ق. م كانت بداءة سيطرة المبدأ الفريسي على اليهودية. التوراة تاريخها وغاياتها ص٢٥ وص٣٩. =
[ ١٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ظهور نسختين مختلفتين للتوراة: رفض السامريون -وهم من بقايا مملكة إسرائيل- أن يعترفوا بسيادة مجمع كهنة القدس وبالنظام الذي وضعه عزرا وغيره. ومن ثم رفض طلبهم بالاشتراك في بناء الهيكل بحجة أنهم كانوا أقرب إلى الوثنية. وتفاقم الخلاف بين الجهتين، فسكن كل منهم في مدن خاصة به. مما أدى بالسامريين إلى مراجعة أمورهم وانفصالهم بتوراة خاصة لا تضم إلا الأسفار الخمسة. ويقول العبرانيون: إننا على حق، ويقول السامريون: بل نحن وحدنا على الحق، وأنتم الذين حرفتم وغيرتم وزدتم وأنقصتم من كتاب الله. كما يدعي السامريون أن التوراة العبرانية كتبها عزرا، وساعده زر بابل بن شألتئيل. هداية الحيارى ص٥٨١، الشرائع الدينية ص٦٥، اليهود لزكي شنودة ص١٤٥ - ١٤٦، تقديم التوراة السامرية لأحمد حجازي ص٦ وص٢١. ولو كانت إحدى التوراتين منقولة بالتواتر، أو على الأقل بسند صحيح متصل لما ضرها وجود غيرها. لكن كلتاهما ليس لها شبه سند. ويظهر أن التوراتين كانتا في الأصل توراة واحدة كتبت في أثناء السبي، ثم نقحت وزيد فيها بعده؛ إذ يكاد العلماء يجمعون -لا سيما اليهود- على أن التوراة جرى تأليفها في القرن السادس قبل الميلاد في أثناء السبي. لكن العداء الشديد هو الذي أدى إلى وجود نسختين. التوراة إبان حكم اليونان: ظل اليهود تحت سيطرة الفرس زهاء قرنيين من الزمن، إلى أن هزم الإسكندر الأكبر الدولة الفارسية واستولى على بلاد الشام عام ٣٣٢ ق. م. تقريبا، فدان له اليهود جميعا من عبرانيين وسامريين. وبعد =
[ ١٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = موت الإسكندر عام ٣٢٣ ق. م تقاسم قواده الإمبراطورية بينهم، كما في سفر المكابيين الأول ١/ ١٠. وفي عهد أنطيوكس الرابع طفق كثير من اليهود يتشبهون باليونان، ويتعودون بعاداتهم، ويعتنقون ديانتهم. وكان منهم من يتزلف إلى الملك طمعا في المناصب والمكاسب، منه ١/ ١١ - ١٦. ولما هاجم بطليموس السادس سورية دحره أنطيوكس الرابع، ثم تبعه إلى مصر فقتله. لكن أشيع العكس في القدس. فقام رئيس الكهنة السابق "ياسون" وانقض على المدينة بمن معه، فقتل الحراس، وطفق يذبح معارضيه. وعاد أنطيوكس من مصر بجيش كثيف، فدخل القدس، وأمر جنوده بقتل كل من يرونه من اليهود ثم اقتحم الهيكل فاستولى على ما فيه من نفائس، ثم أحرقه بما فيه، ثم هدم بيوت المدينة وهدم بعض أسوارها. سفر المكابيين الأول ١/ ١٧ - ٤٢. ولم يلبث أن قرر توحيد الديانة في جميع البلاد الخاضعة لحكمه، وإلزام شعوبها بعبادة آلهة اليونان. فأصدر أوامره إلى اليهود بالامتناع عن ممارسة عباداتهم وعاداتهم، وأمر ببناء مذبح للأصنام في الهيكل وفي كل مدينة من مدن اليهود، فانضم إليه كثير منهم. وأمر جنوده أن يمزقوا كل ما يجدونه من أسفار الشريعة، وأن يتتبعوا كل من يخفي نسخة أو سفرا من العهد القديم أو يؤدي رسما من رسوم الشريعة فيقتلوه. وكان ينفذ ذلك علنا كل شهر. فلم يعد أحد يعترف بأنه يهودي أصلا. سفر المكابيين الأول ١/ ٤٣ - ٦٧. ولا شك أن التوراة التي كتبها عزرا وغيره كانت في الهيكل عند كهنة اليهود، ولم تكن عند عامتهم. وعلى أحسن تقدير فإن كل كاهن كان يحفظ قسما منها. وإذا كان الملك قد قتل معظم الكهنة، وأمر بقتل =
[ ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من عنده سفر من التوراة، أو يؤدي مراسيم الشريعة، وكان التفتيش مستمرا، والقتل يجري كل شهر علنا، واستمر الأمر على هذه الشاكلة ثلاث سنوات ونصف كما هو مفصل في تاريخهم ولا سيما تاريخ يوسيفوس اليهودي، فكيف تبقى التوراة وسائر الأسفار سليمة بعد هذا كله؟! وإذا كان ثمة نسخة استطاع شخص ما إخفاءها في بلاد اليهود أو خارجها، فإن بقاءها أمر احتمالي. وهبها بقيت، فإنها مظنة التحريف والتبديل بسبب انعدام السند في النقل عندهم. إظهار الحق ١/ ٣٢٧ طبعة المغرب. التوراة إبان حكم المكابيين: في تلك الأيام خرج كاهن يهودي اسمه متاتيا من القدس وسكن في مدين مع بنيه الخمسة متألمين مما حل بقومهم. وذات مرة رأى يهوديا يقدم ذبيحة لآلهة اليونان فوثب عليه وقتله مع مندوب الملك، ثم هرب مع بنيه إلى الجبال، ثم تبعهم عدد من اليهود، وأصبحوا مصدر إزعاج للحكام. سفر المكابيين الأول ٢/ ١ - ٤٨. وبعد موت متاتيا خلفه ابنه يهوذا الملقب بالمكابي فالتف حوله إخوته وأنصار أبيه. وقام بعدة عمليات في مدن اليهود، فازداد أنصاره وقويت مكانته، فأوقع باليونانيين هزائم متلاحقة -كما في الباب الثالث والرابع من السفر نفسه- إلى أن تمكن بعد ذلك من الاستيلاء على القدس والوصول إلى جبل صهيون، فأزالوا معالم الوثنية وأعادوا الهيكل من جديد. منه ٤/ ٣٦ - ٦١. وما زال يهوذا في صراع مع اليونان ثم مع الرومان، وكذلك خلفاؤه من بعده إلى أن اقتحم الرومان عام ٦٣ ق. م القدس، ودخلوا الهيكل حتى وطئوا قدس الأقداس، وأخذوا الملك وأولاده أسرى معهم إلى روما عام ٦٣ ق. م تقريبا، وأقاموا له خليفة. =
[ ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = التوراة إبان حكم الرومان: في عام ٣٧ ق. م اقتحم الرومان القدس ثانية بعد تمرد يهودي، فقتلوا آخر ملوك المكابيين، وأشاعوا في المدينة القتل والدمار. وانتقلت السلطة بعد ذلك بأمر الرومان إلى يهودي من أصل أدومي، اسمه "هيرودس". فعمل لاسترضاء اليهود، وبنى لهم هيكلا على نسق هيكل سليمان. لكنهم ظلوا على كراهيتهم له؛ لأنه ليس من أصل يهودي صرف، فنكل بهم أشد تنكيل. وبعد موته وقع خلاف بين أولاده، وتظلم الشعب لدى الإمبراطور الروماني منهم، فما كان منه إلا أن عين واليا رومانيا على بلاد اليهود عام ٦م. وفي سة ٢٦م عين الإمبراطور الروماني طيباروس حاكما على بلاد اليهود اسمه "بيلاطس". وفي عهده طلب مجلس الكهنة إعدام المسيح -﵇- ولكن هموا بما لم ينالوا. اليهود لزكي شنودة ص١٥٦ - ١٥٩ وص١٦٢ - ١٦٥ و١٨٦ - ١٨٧ و١٩٠ - ١٩١ و٢٠٣ - ٢٠٤ و٢٠٦، الشرائع الدينية ص٦٥ - ٦٦، اليهود لأحمد شلبي ص٩٣ - ٩٤. ولا شك أن التوراة خلال ذلك كله إنما هي التوراة المظنونة أو النقول المتبقية بعد الاضطهادات في زمن اليونان. ولم يلبث الرومان أن ضاقوا ذرعا بتمرد اليهود وكيدهم ومكرهم ودسائسهم، فأرسلوا إليهم عام ٧٠م جيشا ضخما بقيادة "فسباسيان"، فحاصر القدس وضيق عليهم الخناق. وفي هذه الأثناء انتخبه الجيش امبراطورا، فعاد إلى بلاده، وخلفه في قيادة الجيش ابنه "تيطس". فواصل الحصار حتى اقتحم المدينة، وأشاع فيها القتل والدمار، وأضرم النار في الهيكل بعد أن سلب ما فيه. ثم طفق يتتبع اليهود مصمما على =
[ ١٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أن يفنيهم عن آخرهم. ولما اندلع التمرد الثاني لليهود عام ١٣٠ - ١٣٥م وقضى عليه الإمبراطور "أدريانوس"، أزال معالم المدينة والهيكل تماما، بل إنه حرث الأرض وزرعها، ولاحق اليهود بشدة للتخلص منهم نهائيا. ثم أقام مكان الهيكل هيكلا وثنيا باسم "جوبيتار" رب الآلهة عند الرومان. وبقي هذا الهيكل إلى أن دمره النصارى من أساسه في عهد الإمبراطور قسطنطين. وهكذا ألحق الرومان الخراب والدمار بمدن اليهود وقراهم، بعد أن أبادوا معظمهم، ولم يبق منهم إلا عدد قليل هاموا على وجوههم في أنحاء الأرض. وظلوا على مر العصور مشردين مكروهين ممن حولهم لدى كل جيل وفي كل أرض. ولما ظهر نور الإسلام كادوا له، وحاولوا قتل نبيه وطمسه، لكنهم أخفقوا ورد الله كيدهم في نحرهم. ومع ذلك نعم كثير منهم بالأمن بعد ذلك في بلاد المسلمين، غير أن معظمهم كان مشتتا ممقوتا. اليهود لزكي ص٢٠٩ - ٢١١، الشرائع الدينية ليسري ص٦٦، اليهودية لأحمد شلبي ص٩٤. وصفوة القول: إن اليهود قد نالهم الاضطاد بما كسبت أيديهم من قبل الكلدانيين والبابليين والفرس، فاليونان فالرومان فالنصارى. وما من أمة إلا وقصدهم أشد القصد. وأشد ذلك ما نالهم من ملوكهم العصاة والمرتدين. فأي توراة توراة تبقى مع هذا كله؟ وأي بديل لها مما كتبه عزرا وغيره يبقى صحيحا سالما؟ إنه مما لا ريب فيه أن التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب اليوم ليست هي التوراة التي أنزلها الله سبحانه على موسى -﵇- قطعا. وإنما هي من جمع وتلفيق عزرا وغيره إبان السبي وبعده على أحسن تقدير. ثم ألحق بها أسفار خلفها كتاب مجهولون، عالجوا النصوص على مزاجهم، وبحسب الظروف التي عاشوها، والضرورات =
[ ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = التي كان عليهم مواجهتها. ولم يقم دليل على عصمة عزرا ومن ساعده أو على تأييدهم بالوحي، ولا على أن تلك النصوص التي جمعت هي من عين التوراة التي أنزلها الله على موسى -﵇- كما أنه لم يقم دليل على أن التوراة التي أنزلها الله على موسى -﵇- كما أنه لم يقم دليل على أن التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب اليوم هي عين التوراة التي لفقها عزرا وغيره بدون زيادة ولا نقصان؛ لأنه ليس لها شبه سند، فضلا عن أن يكون لها سند صحيح متصل، أو تكون منقولة بالتواتر. لا سيما وأن أهل الكتاب لا يعتمدون على الأسانيد، ولا يعرفون علم الرواية ونقل الأخبار كما هو الحال لدى المسلمين في نقل كتاب ربهم وسنة نبيهم -ﷺ- وما ذكره الباحثون من واقع العهد القديم خير دليل على ذلك. قال العالم الكاثوليكي جان ميلز: اتفق أهل العلم على أن نسخة التوراة الأصلية وكذا نسخ كتب العهد القديم ضاعت في أيدي عسكر بختنصر. ولما ظهرت نقولها بوساطة عزرا ضاعت تلك النقول أيضا في حادثة أنتيوخوس. إظهار الحق ١/ ٢٢٩. وقد بحث المجمع المسكوني -أي العالمي- الثاني للفاتيكان بين عامي ١٩٦٢م-١٩٦٥م المشكلة التي تتعلق بوجود أخطاء في بعض نصوص العهد القديم. وقدمت للمجمع خمس صور مقترحة، وبعد ثلاث سنوات من الجدل والمناقشة تم قبول صيغة حظيت بأغلبية "٢٣٤٤" صوتا ضد "٦" أصوات. وأدرج في الوثيقة المسكونية الرابعة عن التنزيل فقرة تختص بالعهد القديم، جاء في الفصل الرابع منها، وفي الصفحة ذات الرقم "٥٣". وما يلي: "بالنظر إلى الوضع الإنساني السابق على الخلاص الذي وضعه المسيح، تسمح أسفار العهد القديم للكل بمعرفة من هو الله، ومن هو الإنسان، بما لا يقل عن معرفة الطريقة التي يتصرف بها الله في عدله ورحمته مع الإنسان. غير أن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان. ومن ذلك فيها شهادة عن تعليم إلهي. دراسة لموريس ص٢٦ وص٥٣ وص٥٩ - ٦٢.
[ ١٤٢ ]
وأيضا فمما يستدل به على بطلان تأويلاتهم وإفراطهم في التعصب وتشديد الإصر ما ذكره في هذه الآية: "ريشيب بكوري إذا ماثخا تابي بيث أدوناي الوهيني لوتبثيل كذي باحليب أمو". تفسيره: بكور ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك. لا ينضج الجدي بلبن أمه١.
والمراد من ذلك أنهم أمروا عقيب افتراض الحج عليهم أن يستصحبوا معهم إذا حجوا إلى القدس أبكار أغنامهم، وأبكار مستغلات أرضهم؛ لأنه قد فرض عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة البقر والغنم وراء أمهاتها سبعة أيام. ومن اليوم الثامن فصاعدا تصلح أن تكون قربانا لله. فأشار في هذه الآية في قوله: "لا ينضج الجدي بلبن أمه" إلى أنهم لا يبالغوا في إطالة مكث بكور أولاد البقر والغنم وراء أمهاتها؛ بل يستصحبون أبكارها اللاتي قد عبرت سبعة أيام من ميلادها معهم إذا حجوا إلى البيت المقدس؛ ليتخذوا منها القرابين، فتوهم المشايخ البله المترجمون لهذه الآية والمفسرون لمعانيها أن المشروع يريد بالإنضاج هاهنا إنضاج الطبيخ في القدر وهبهم صادقين في هذا التفسير فلا يلزم من تحريم الطبخ تحريم الأكل؛ إذ لو أراد المشرع تحريم الأكل لما منعه مانع من التصريح بذلك.
وما كفاهم هذا الغلط في تفسير هذه اللفظة حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن. وهذا مضاف إلى ما يستدل به على جهل المفسرين
_________________
(١) ١ جاء في سفر التثنية ١٤/ ٢١: لا تأكلوا جثة ما لا تطبخ جديا بلبن أمه. ٢٦/ ٢: فتأخذ من أول كل ثمر الأرض الذي تُحصِّل من أرضك التي يعطيك الرب إلهك، وتضعه في سلة وتذهب إلى المكان الذي يختاره الرب إلهك، ليحل اسمه فيه.
[ ١٤٣ ]
والنقلة، وكذبهم على الله تعالى، وتشديد الأكل على طائفتهم.
فأما الدليل على تفسيره "تبل" الإنضاج، الذي هو البلوغ فهو قول رئيس السقاة ليوسف الصديق وهو في السجن؛ إذ شرح له رؤياه، فقال في جملة كلامه: "وبكيفن شلوشا سارنيم وهي خفور أحب عالشانصاه هلبشيلوا أثيها غنايم". تفسيره: وفي الكرمة ثلاثة عناقد، وهي كأنها قد أثمرت وصعد نوارها، ونضجت عناقيدها عنبا١. فقد تبين أن الإنضاج الذي يعبر عنه "بالهيشيلو" إنما هو البلوغ.
ولا ينبغي للعاقل أن يستبعد اصطلاح كافة هذه الطائفة على المحال واتفاقهم على فنون من الكفر والضلال. فإن الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها وأخذ بلادها، انطمس حقائق سالف أخبارها، واندرس قديم آثارها، وتعذر الوقوف عليها؛ لأن الدولة إنما يكون زوالها عن أمة بتتابع الغارات والمضايقات وإخراب البلاد وإحراق بعضها. فلا تزال هذه الفنون متتابعة إلى أن تستحيل علومها جهلا وآثارها تلالا، كان حظها من اندراس الآثار أكثر. وهذه الطائفة بلا شك أعظم الطوائف حظا مما ذكرنا؛ لأنها من أقدم الأمم عهدا، ولكثرة الأمم التي استولت عليها مثل الكلدانيين والبابليين والفرس واليونان والنصارى والإسلام. وما من هذه الأمم إلا وقصدهم أشد القصد وطلب استئصالهم وبالغ في إحراق بلادهم وإخرابها وإحراق كتبهم إلا
_________________
(١) ١ جاء في سفر التكوين ٤٠/ ٩: فقص رئيس السقاة حلمه على يوسف: وقال له: كنت في حلمي وإذا كرمة أمامي. ٤٠/ ١٠: وفي الكرمة ثلاثة قضبان. وهي إذا أفرخت طلع زهرها وأنضجت عناقيدها عنبا.
[ ١٤٤ ]
المسلمين. فإن الإسلام صادف اليهود تحت ذمة الفرس. ولم يبقَ لهم مدينة ولا جيش إلا العرب المتهودة بخيبر.
وأشد على اليهود من جميع هذه الممالك ما نالهم من ملوكهم العصاة مثل أحاب وأحزيا وأمصيا وبهورام وبرعام بن نباط وغيرهم من الملوك الإسرائيليين الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في تطلبهم ليقتلوهم، وعبدوا الأصنام، وأحضروا من البلاد سدنة الأصنام لتعظيمها وتعليم رسوم عبادتها، وابتنوا لها البيع والهياكل، وعكف على عبادتها الملوك ومعظم بني إسرائيل، وتركوا أحكام التوراة والشرع مدة طويلة وأعصارا متصلة.
فإذا كان هذا تواتر الآفات عليهم من قبل ملوكهم ومنهم على أنفسهم، فما ظنك بالآفات المتفننة التي تواترت عليهم من استيلاء الأمم فيما بعد، وقتلهم أئمتهم وإحراقهم كتبهم، ومنعهم إياهم عن القيام بشرائعهم، فإن الفرس كثيرا ما منعوهم عن الختان وكثيرا ما منعوهم عن الصلاة؛ لمعرفتهم بأن معظم صلوات هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار وعلى العالم بالخراب سوى بلادهم التي هي أرض كنعان١.
_________________
(١) ١ جاء في سفر التثنية ٢٨/ ٥٨ - ٦٢: إن لم تحرص لتعمل بجميع كلمات هذا الناموس المكتوبة في هذا السفر يجعل الرب ضرباتك وضربات نسلك عجيبة فتبقون نفرا قليلا ٢٨/ ٦٣: وكما فرج الرب لكم ليحسن إليكم ويكثركم، كذلك يفرح الرب لكم ليفنيكم ويهلككم فتستأصلون من الأرض التي أنت داخل فيها لتمتلكها. ٢٨/ ٦٤: ويبددك الرب في جميع الشعوب من أقصاء الأرض إلى أقصائها ٢٨/ ٦٥: وفي تلك الأمم لا تطمئن، ولا يكون قرار لقدمك؛ بل يعطيك الرب هناك قلبا مرتجفا وكلال العينين وذبول النفس. ٢٨/ ٦٦: وتكون حياتك معلقة قدامك، وترتعب ليلا ونهارا، ولا تأمن على حياتك. ٢٨/ ٦٧: في الصباح تقول: يا ليته المساء، وفي المساء تقول: يا ليته الصباح من ارتعاب قلبك الذي ترتعب، ومن منظر عينيك الذي تنظر.
[ ١٤٥ ]
فلما رأت اليهود الجِد من الفرس في منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية زعموا أنها فصول من صلاتهم، وسموها الخزانة، وصاغوا لها ألحانا عديدة، وصاروا يجتمعون في أوقات صلواتهم على تلحينها وتلاوتها.
والفرق بين هذه الخزانة وبين الصلاة أن الصلاة بغير لحن، وأن المصلي يتلو الصلاة وحده، ولا يجهر معه غيره. وأما الخزانة، فيشاركه جماعة في الجهر بالخزانة، ويعاونونه في الألحان. وكانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم زعمت اليهود أنهم يغنون أحيانا، وينوحون أحيانا على أنفسهم، فتركوهم وذاك.
ومن العجب أن دولة الإسلام لما جاءت مقرة لأهل الذمة على ديانتها، وصارت الصلاة مباحة لهم، صارت الخزانة عند اليهود من السنن المستحبة في الأعياد والمواسم والأفراح، يجعلونها عوضا عن الصلاة، ويستغنون بها عنها من غير ضرورة تبعثهم على ذلك.
[ ١٤٦ ]