تشديدهم الإصر على أنفسهم له سببان:
أحدهما: من جانب فقهائهم، وهم الذين يُدعون "الحاخاميم" وتفسيره: الحكماء.
وكانت اليهود في قديم الزمان تسمي الفقهاء بالحكماء. وكان لهم في الشأم والمدائن مدارس. وكان لهم ألوف من الفقهاء. وذلك في زمن دولة النبط البابليين والفرس ودولة الروم. حتى اجتمع لهم الكتابان اللذان اجتمعت فقهاؤهم على تأليفهما. وهما "المشنا والتلمود".
فأما المشنا: فهو الكتاب الأصغر. ومبلغ حجمه ثمانمائة ورقة.
وأما التلمود: فهو الكتاب الأكبر. ومبلغه نحو نصف حمل بغل لكثرته. ولم يكن الفقهاء الذين ألفوه في عصر واحد، وإنما ألفوه في جيل بعد جيل١.
_________________
(١) ١ تفرع عن دراسة التوراة لدى أحبار اليهود نوعان من الأسفار؛ هما: التلمود -أي التعاليم- والمدراش. وأسفار التلمود في الأصل روايات شفوية تناقلها الحاخامات من جيل إلى جيل. وهي قسمان: المشناة، وهو الأصل -أي المتن- والجمارا، وهو الشرح. فالمشناة معناه المثنى أو المكرر؛ لأن ما فيها تكرار للشريعة =
[ ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإيضاح لها وتكميل. وهي أول لائحة قانونية وضعها اليهود لأنفسهم بعد التوراة. وقد تكونت من بحوث أحبار اليهود وربانييهم وفقهائهم في شئون العقيدة والشريعة والتاريخ المقدس وغير ذلك خلال القرنين الأول والثاني بعد الميلاد. وعددها ثلاثة وستون سفرا. واختلفوا فيمن جمعها ودونها. فالمشهور أنه يهوذا هاناسي، وأنه قام بجمعها بين عامي ١٩٠ - ٢٠٠م. وقيل: يوضاس. وأما الجمارا فهي شروح وتعليقات على المشناة، ألفت في فترة طويلة تمتد من القرن الثاني الميلادي إلى أواخر القرن السادس. وهي نوعان: جمارا أورشليم: وهو سجل للمناقشات التي أجراها حاخامات فلسطين، أو بالأحرى علماء مدارس طبرية لشرح أصول المشناة. ويرجع ابتداء جمعه إلى عام ٤٠٠م. جمارا بابل: وهو أيضا سجل مماثل للمناقشات حول تعاليم المشناة، دونها علماء اليهود، وانتهوا من جمعها عام ٥٠٠م. والمشناة مع شرحه جمارا أورشليم يسمى"تلمود أورشليم"، ومع شرحه جمارا بابل يسمى "تلمود بابل". وكل منهما يطبع على حدة. وأكثرهما تداولا بين اليهود تلمود بابل. وهو المراد عن إطلاق اللفظ. فالتلمود -بمتنه المشناة وشرحه الجمارا- توضيح وتفصيل وتكميل لما ورد في التوراة. وقد أنزله معظم اليهود منزلة لا تقل عن التوراة؛ فهو يليها في قدسيته، ويتقدمها في أهميته، ويمتاز بسريته. بل إن بعضهم ليضعه في مكان أسمى من التوراة نفسها. انظر: التلمود تاريخه وتعاليمه لظفر الإسلام خان ص٤٠ - ٤٩، الأسفار المقدسة لعلي عبد الواحد ص١٠ وص٢١ - ٢٢، اليهودية لأحمد شلبي ص٢٧٣ - ٢٧٤ وص٢٢٦ - ٢٢٧. =
[ ١٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد ألفت المشناة باللغة العبرية الربانية أو التلمودية، وهي تختلف عن عبرية العهد القديم اختلافا بينا. أما شروحها الجمارا فقد ألفت باللغة الآرامية، فكان يدون المتن "المشناة" بالعبرية والشرح "الجمارا" بالآرامية. وعن هاتين اللغتين ترجم التلمود إلى كثير من لغات العالم قديمها وحديثها. الأسفار المقدسة لعلي عبد الواحد ص١٠ - ١١ وص٢٢ - ٢٣. وآخر هذه التراجم هي التي وضعها الدكتور "إيزودور إيشتاين" بين عامي ١٩٣٥ - ١٩٥٢م باللغة الإنكليزية. وقد اشتملت على خمسة وثلاثين مجلدا. وقد جرى حديثا في فلسطين المحتلة إعادة طبع النسخة العبرية الأصل من تلمود بابل. وذلك بعد مائة سنة من آخر طبعة منها. وقام على طبعها الحاخام "آدين شتاينز". وقد أعلن وقتئذ أنه سيطبع ستة آلاف نسخة فقط، بينما تطبع الملايين من نسخ الكتاب المقدس. مما يدل على حرص اليهود على سرية التلمود. ومن الجدير بالذكر أن التراجم العديدة للتلمود يحذف منها كلها الحواشي والفصول التي لا يجوز لغير الحاخامات المتقدمين في العلم الاطلاع عليها. وحدث أن طبع التلمود بشكله الأصلي في بعض البلدان التي توصل بها اليهود إلى شيء من السيطرة سابقا، فأدى ذلك إلى كثير من المتاعب والاضطهادات والحرق العلني لنسخ التلمود؛ بسبب ما حواه من أشياء مستنكرة. ومنذ ذلك الحين أصبح التلمود قطعا نادرا، حتى قيل: إن نصه الأصلي الكامل المطبوع في البندقية عام ١٩٢٠ - ١٩٢٣م لا يوجد منه سوى ثلاث نسخ فقط. التلمود لظفر الإسلام ص٤٠ - ٤٩، التوراة تاريخها وغاياتها تعريب سهيل ديب ص٨٢. والتملود بشكل عام يتكون من ستة مباحث يسمونها "سيداريم" أي =
[ ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأحكام. وهي:
(٢) زيرائيم -أي البذور- ويتضمن اللوائح الزراعية.
(٣) موئيد -أي الأيام المقررة- ويحتوي على لوائح الأعياد والصيام.
(٤) نشيم -أي المرأة- ويتضمن قوانين الزواج والطلاق والنذور.
(٥) نزيكين -أي الأضرار- ويشمل القوانين المدنية والجنائية.
(٦) كواشيم -أي الأشياء المقدسة- ويبحث في الصلاة.
(٧) توهاروث -أي الطهارة- ويبحث في قواعد الطهارة والنجاسة. انظر التلمود لظفر الإسلام خان ص٤٠ - ٤٩. وفي التلمود من عجائب الخيالات: فقد ورد في بعض أسفاره أن الله يقضي الساعات الثلاث الأولى من النهار في مذاكرة الشريعة، والثلاث الثانية في شئون الحكم بين الناس، والثلاث الثالثة في تدبير العيش لخلقه، والثلاث الأخيرة في اللعب مع الحوت ملك الأسماك. وأما ساعات الليل، فيقضيها في مذاكرة التلمود مع الملائكة ومع ملك الشياطين الذي يصعد كل ليلة إلى السماء ثم يهبط منها إلى الأرض بعد انتهاء الندوة العلمية. غير أن هذا النظام تغير بعد هدم الهيكل وتشريد بني إسرائيل. فإن الله -كما يقول التلمود- قد اعترف بخطئه، وندم على ما فعل. فخصص ثلاثة أرباع الليل للبكاء، وكان إذا بكى سقطت من عينيه دمعتان في البحر، فيسمع دويهما في الآفاق، وتضطرب المياه، وترجف الأرض، وتحدث الزلازل. ويزعم التلمود أن الله يردد في أثناء بكائه ونحيبه عبارات الندم، فيقول: تبا لي أمرت بخراب بيتي وإحراق الهيكل وتشريد أولادي. وتذكر بعض أسفار التلمود أن رجلا اسمه إسماعيل، سمع الله إثر =
[ ١٨٦ ]
فلما نظر المتأخرون منهم إلى هذا التأليف، وأنه كلما مر جيل عليه زادوا فيه، وأن هذه الزيادات المتأخرة تناقض أوائل هذا التأليف؛ علموا أنهم إن لم يقطعوا ذلك، ويمنعوا من الزيادة فيه، أدى إلى الخلل الظاهر والتناقض الفاحش. فوقفوا الزيادة فيه، ومنعوا من ذلك، وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه. وحرموا من يضيف إليه شيئا آخر. فوقف على ذلك المقدار.
وكانت أئمتهم قد حرموا عليهم في هذين الكتابين مؤاكلة الأجانب
_________________
(١) = خراب بيت المقدس يئن كما تئن الحمامة ويبكي وهو يقول: الويل لمن خرب بيته، وضعضع ركنه، وهدم قصره وموضع سكينته، وَيْلي على ما فرقت من بنيَّ وبناتي، قامتي منكسة حتى ابني بيتي، وأرد إليه بني وبناتي. فلما شعر بوجود إسماعيل بجواره أخذ بثيابه وقال له: أسمعتني يابني إسماعيل؟ فقال: لا يا رب. فقال له الرب: يابني إسماعيل بارك علي. فبارك عليه ومضى. ويقرر التلمود كذلك أن الله سبحانه قد تستولي عليه نزوة الغضب، فيقسم ليأتين أفعالا شريرة، ثم يثوب إلى رشده، فيتحلل من يمينه. ويستدل أيضا من أسفار التلمود على أنهم كانوا يخصصون عشرة أيام من أول شهر تشرين الثاني كل عام لعبادة الرب الصغير الملك "صندلفون" خادم التاج الذي في رأس معبودهم. فإن فيه ألف قنطار ذهب. وأسفار التلمود تحث أيضا على ذبح الآدميين من غير بني جنسهم، وتقديمهم قربانا لإلههم، ومزج دمائهم بعجين الفطائر المقدسة التي يتناولونها في أعيادهم. الأسفار المقدسة لعلي ص٢٧ - ٣٠، الفصل لابن حزم ١/ ١٦٣ - ١٦٥، اليهودية لأحمد شلبي ص٢٧٥، التلمود شريعة إسرائيل ص١٧ - ١٨.
[ ١٨٧ ]
-أعني من كان من غير ملتهم- وحظروا عليهم أكل اللحمان من ذبيحة من لم يكن على دينهم؛ لأنهم -أعني علماءهم وأئمتهم- علموا أن دينهم لا يبقى عليهم في هذه الحالة، مع كونهم تحت الذل والعبودية، إلا بأن يصدوهم عن مخالطة من كان على غير ملتهم، وحرموا عليهم مناكحتهم والأكل من ذبائحهم، ولم يمكنهم المبالغة في ذلك إلا بحجة يبتدعونها من أنفسهم، ويكذبون بها على الله؛ لأن التوراة إنما حرمت عليهم مناكحة غيرهم من الأمم؛ لئلا يوافقوا أزواجهم في عبادة الأصنام والكفر بالله تعالى. وحُرم عليهم في التوراة أكل ذبائح الأمم التي يذبحونها قربانا للأصنام؛ لأنه قد سمي عليها غير اسم الله. فأما الذبائح التي لا تذبح قربانا، فلم تنطق التوراة بتحريمها. وإنما نطقت التوراة بإباحة تناول المأكل من يدي غيرهم من الأمم في قول الله تعالى لموسى حين اجتازوا على أرض بني العيص: "لو تشكار وأيام كي لواتين لخاميا رصام عاذ مذراخ كف داغل". تفسيره: فإني لا أعطيك من أرضهم ولا مسلك قدم. "أواخر تشير وميالمام بكيف واخليتم وغم مايم تخرد وميانام بكيسف وشيشم". تفسيره: مأكولا تمتاروا منهم بفضة، وتأكلونه. وأيضا ماء تشترون منهم بفضة وتشربونه١.
فقد تبين من نص التوراة أن المأكول مباح لليهود تناوله من غيرهم من الأمم وأكله. وهم يعلمون أن بني العيص عابدو أصنام
_________________
(١) ١ جاء في سفر التثينة ٢/ ٤: وأوصى الشعب قائلا: أنتم مارون بتخم إخواتكم بني عيسو الساكنين في سعير، فيخافون منكم، فاحترزوا جدا. ٢/ ٥: لا تهجموا عليهم؛ لأني لا أعطيكم من أرضهم ولا وطأة قد؛ لأني لعيسو قد أعطيت جبل سعير ميراثا. ٢/ ٦: طعاما تشترون منهم بالفضة لتأكلوا، وماء أيضا تبتاعون منهم بالفضة لتشربوا.
[ ١٨٨ ]
وأصحاب كفر. فلا يكون المسلمون على كل حال دون هذه المنزلة -أعني أن يساوى بينهم وبين بني العيص- فينبغي أن يأكلوا من مأكولات المسلمين، وأن يجعلوا للمسلمين تفضيلا بتوحيدهم وإيمانهم وكونهم لا يعبدون الأصنام.
فموسى -﵇- إنما نهاهم عن مناكحة عباد الأصنام وأكل ما يذبحونه بأسمائهم. ولسنا نعرف أحدا من المسلمين يذبح ذبيحته باسم صنم ولا وثن. فما بال هؤلاء لا يأكون من ذبائح المسلمين؟! بل من سكن في الشام وبلاد العجم لا يأكلون من أيدي المسلمين اللبن والجبن والحلوى والخبز وغير ذلك من المأكولات.
فإن قالوا: لأن التوراة حرمت علينا أكل "الطريفا". قلنا: إن الطريفا هي الفريسة التي يفترسها الأسد أو الذئب أو غيره من السباع. ودليل ذلك قوله في التوراة: "وياسار ساذي طريفا لوثو خيلو الكيلب يسيليخوا واثوا". تفسيره: ولحما في الصحراء فريسة لا تأكلوا، للكلب ألقوه١.
فلما نظر أئمتهم أن التوراة غير ناطقة بتحريم مآكل الأمم عليهم إلا عباد الأصنام، وأن التوراة قد صرحت بأن تحريم مؤاكلتهم ومخالطتهم خيف منه استدراجهم بالمخالطة إلى مناكحتهم، إنما يكون لخوف اتباعهم والانتقال إلى أديانهم وعبادة أوثانهم. ووجدوا جميع هذا واضحا في التوراة، اختلقوا كتابا سموه "هلكت شحيطا" ومعناه: علم الذباحة. ووضعوا في هذا الكتاب من تشديد الإصر عليهم ما شغلوهم به عما هم فيه من الذل والمشقة. وذلك أنهم أمروهم بأن ينفخوا الرئة
_________________
(١) ١ جاء في سفر اللاويين ١٧/ ١٥ - ١٦: وكل إنسان يأكل ميتة أو فريسة، وطنيا كان أو غريبا، يغسل ثيابه ويستحم بماء، ويبقى نجسا إلى المساء، ثم يكون طاهرا. وإن لم يغسل ولم يرحض جسده يحمل ذنبه.
[ ١٨٩ ]
حتى تمتلئ هواء، ويأملوها هل يخرج الهواء من ثقب منها أولا؟ فإن خرج منها الهواء حرموه، وإن كان بعض أطرف الرئة لاصقا ببعض لم يأكلوه.
وأيضا فإنهم أمروا الذي قدَّ الذبيحة أن يدخل يده في بطن الذبيحة ويتأمل بأصابعه؛ فإن وجد القلب ملتصقا إلى الظهر أو إلى أحد الجانبين، ولو كان الالتصاق بعرق دقيق كالشعرة، حرموه ولم يأكلوه، وسموه "طريفا". يعنون بذلك أنه نجس، فحرام أكله. وهذه التسمية هي أول التعدي منهم؛ لأنه ليس موضوعها باللغة إلا المفترس الذي يفترسه بعض الوحوش. ودليل ذلك قول يعقوب لما جاءوا بقميص يوسف ملوثا بالدم: "ويكبراة ويومره كثرنث بني خيار أعا أخالا شهو طارف طوارف يوسف". وتفسيره: فتأملها وقال: دراعة ابني، وحش رديء أكله، افتراسا افترس يوسف١. فالطريفا هي الفريسة. ودليل آخر: وهو أنه قال: "ولحما في الصحراء فريسة لا تأكلوا" والفريسة أبدا إنما تكون في الصحراء.
وليس ينبغي أن يعجب من ذلك، فإن هذا النهي عن أكل الفريسة إنما نزل على قوم ذوي أخبية يسكنون البر. وذلك أنهم مكثوا يترددون في التيه والبراري تمام أربعين سنة. وكانوا أكثر هذه المدة لا يجدون
_________________
(١) ١ جاء في سفر التكوين ٣٧/ ٣١ - ٣٢: فأخذوا قميص يوسف، وذبحوا تيسا من المعزى، وغمسوا القميص في الدم، وأرسلوا القيص الملون، وأحضروه إلى أبيهم، وقالوا: وجدنا هذا، حقق أقميص ابنك هو أم لا؟ ٣٧/ ٣٣: فتحققه وقال: قميص ابني. وحش ردي أكله. افترس يوسف افتراسا.
[ ١٩٠ ]
طعاما إلا المن. فلما اشتد قرمهم إلى اللحم جاءهم موسى بالسلوى. وهو طائر يشبه السماني١. وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية، ويذهب بالخنزوانة٢ والقساوة. وذلك أن هذا الطائر يموت إذا سمع صوت الرعد، كما أن الخطاف يقتله البرد، فيلهمه الله ﷿ أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض. فجلب الله إليهم هذا الطائر لينتفعوا بما في أكل لحمه من الخاصية، وهي تليين القلوب القاسية. وكان قد اشتد قرمهم إلى اللحم، بحيث لم يمنعهم من أكل الفريسة والميتة إلا نزول تحريمها في التوراة٣.
_________________
(١) ١ السماني: طائر صغير لحمه طيب المذاق. ولا يقال سماني بتشديد الياء. الواحدة سُمَانات والجمع: سُمَانيات. ٢ الْخُنْزُوانة بوزن الأسطوانة: التكبر. يقال: هو ذو خنزوانات. ٣ القَرَم بفتحتين: شدة الشهوة إلى اللحم. وقد قرِم إلى اللحم من باب طرب. جاء في سفر العدد ١١/ ٤ - ٦: فعاد بنو إسرائيل أيضا وبكوا وقالوا: من يطعمنا لحما؟ قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصر مجانا والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم. والآن قد يبست أنفسنا. ليس شيء غير أن أعيننا إلى هذا المن. وفي ١١/ ١٨: أن الله قال لموسى: وللشعب تقول: تقدسوا للغد، فتأكلون لحما. لأنكم قد بكيتم في أذني الرب قائلين: من يطعمنا لحما؟ إنه كان خير في مصر. ١١/ ٣١: فخرجت ريح من قبل الرب، وساقت سلوى من البحر، وألقتها على المحلة نحو مسيرة يوم من هنا ومسيرة يوم من هناك حوالي المحلة، ونحو ذراعين فوق الأرض. =
[ ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١١/ ٣٢: فقام الشعب كل ذلك النهار وكل الليل وكل يوم الغد وجمعوا السلوى. أما التيه في الصحراء فقد ذكر مرات في التوراة، منها ما يلي: جاء في سفر العدد ١٤/ ٢٢ - ٢٣: إن جميع الرجال الذين رأوا مجدي وآياتي التي عملتها في مصر وفي البرية، وجربوني الآن عشر مرات، ولم يسمعوا لقولي، لن يروا الأرض التي حلفت لآبائهم. وجميع الذين أهانوني لا يرونها. ١٤/ ٢٩: في هذا القفر تسقط جثثكم، جميع المعدودين منكم حسب عددكم، من ابن عشرين فصاعدا، الذين تذمروا علي. ١٤/ ٣٠: لن تدخلوا الأرض التي رفعت يدي لأسكننكم فيها، ما عدا كالب بن يفنة، ويشوع بن نون. ١٤/ ٣١: وأما أطفالكم الذين قلتم: يكونون غنيمة، فإني سأدخلهم، فيعرفون الأرض التي احتقرتموها. ١٤/ ٣٢ - ٣٤: فجثثكم أنتم تسقط في هذا القفر، وبنوكم يكونون رعاة في القفر أربعين سنة، ويحملون فجوركم حتى تفنى جثثكم في القفر .. تحملون ذنوبكم أربعين سنة، فتعرفون ابتعادي. ١٤/ ٣٥: أنا الرب قد تكلمت: لأفعلن هذا بكل هذه الجماعة الشريرة المتفقة علي. في هذا القفر يفنون، وفيه يموتون. وجاء في ٣٢/ ١٠ - ١٢: فحمي غضب الرب في ذلك اليوم، وأقسم قائلا: لن يرى الناس الذين صعدوا من مصر، ابن عشرين سنة فصاعدًا، الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأنهم لم يتبعوني تماما، ما عدا كالب بن يفنة ويشوع بن نون؛ لأنهما اتبعا الرب تماما. ٣٢/ ١٣: فحمي غضب الرب على إسرائيل، وأتاهم في البرية =
[ ١٩٢ ]
فقد تبين التعدي من مشايخهم في تفسير الطريفا، وأنها الفريسة. وأما فقهاؤهم فإنهم اختلقوا من أنفسهم هذيانات وخرافات تتعلق بالرئة والقلب، وقالوا: ما كان من الذبائح سليما من هذه الشروط فهو "دخيا" وتفسير هذه الكلمة: طاهر، وما كان خارجا عن هذه الشروط فهو "طريفا". وتفسير هذه الكلمة: "حرام". وقالوا: معنى قول التوراة: "ولحما فريسة في الصحراء لا تأكلوه، للكلاب ألقوه" يعني إذا ذبحتم
_________________
(١) = أربعين سنة، حتى فني كل الجيل الذي فعل الشر في عيني الرب. وجاء في سفر التثنية ١/ ٣٤ - ٣٦: وسمع الرب صوت كلامكم فسخط، وأقسم قائلا: لن يرى إنسان من هؤلاء الناس من هذا الجيل الشرير الأرض الجيدة التي أقسمت أن أعطيها لآبائكم ما عدا ١/ ٣٧ - ٣٩: وعلي أيضا غضب الرب بسببكم قائلا: وأنت أيضا لا تدخل إلى هناك. يشوع بن نون الواقف أمامك هو يدخل وأما أطفالكم الذين قلتم: يكونون غنيمة وبنوكم الذين لم يعرفوا الخير والشر، فهم يدخلون إلى هناك، ولهم أعطيها، وهم يملكونها. ١/ ٤٠: وأما أنتم، فتحولوا وارتحلوا إلى البرية على طريق بحر سوف. وجاء أيضا في السفر نفسه ٨/ ٢ - ٣: وتذكر كل الطريق التي سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة في القفر لكي يذلك ويجربك .. فأذلك وأجاعك، وأطعمك من المن الذي لم تكن تعرفه. ٨/ ٤ - ٥: ثيابك لم تبل عليك، ورجلك لم تتورم هذه الأربعين سنة. فاعلم في قلبك: أنه كما يؤدب الإنسان ابنه، قد أدبك الرب إلهك. وفي ٢٩/ ٥: فقد سرت بكم أربعين سنة في البرية، لم تبل ثيابكم عليكم، ونعلك لم تبل على رجلك.
[ ١٩٣ ]
ذبيحة، ولم توجد فيها هذه الشروط. فلا تأكلوها بل بيعوها على من ليس من أهل ملتكم. وذلك أنهم فسروا قوله: "للكلب ألقوه" أي لمن ليس على ملتكم أطعموه وبيعوه. إلا أنهم على الحقيقة أشبه بالكلاب وأحق بهذا اللقب والتشبيه؛ لقبح عقولهم وسوء ظنونهم في سواهم من الأمم.
[ ١٩٤ ]