ثم إن اليهود فرقتان:
- إحداهما: عرفت أن أولئك السلف الذين ألفوا "المشنا والتلمود" هم فقهاء اليهود. وهم قوم كذابون على الله وعلى موسى النبي -﵇- أصحاب حماقات ورقاعات هائلة:
من ذلك أن أكثر مسائل فقههم ومذاهبهم مختلفون فيها، ويزعمون أن الفقهاء كانوا إذا اختلفوا في كل واحدة من هذه المسائل يوحي الله إليهم بصوت يسمعه جمهورهم يقول: الحق في هذه المسألة مع الفقيه فلان. وهم يسمون الصوت "بث قول".
فلما نظر اليهود القراءون -وهم أصحاب عانان وبنيامين- إلى هذه المحالات الشنيعة وهذا الافتراء الفاحش والكذب البارد، انفصلوا بأنفسهم عن الفقهاء وعن كل من يقول بمقالتهم. فكذبوهم في كل ما افتروا به على الله، وقالوا: بعد أن ثبت كذبهم على الله، وأنهم قد ادعوا النبوة، وزعموا أن الله كان يوحي إليهم جميعهم في كل يوم مرات، قد فسقوا، ولا يجوز قبول شيء منهم. فخالفوهم في سائر ما ألفوه من الأمور التي لم ينطق بها نص التوراة، وأكلوا اللحم باللبن، ولم يحرموا سوى لحم الجدي بلبن أمه فقط، مراعاة للنص، أعني قول
[ ١٩٥ ]
التوراة: "لا ينضج الجدي بلبن أمه"١.
وأما الترهات التي ألفها الحاخاميم -أعني الفقهاء- وسموها "هلكت شحيطا" -أعني علم الذباحة- وهي المسائل الفقهية التي رتبها الفقهاء، ونسبوها إلى الله عن موسى، فإن القرائين اطرحوها مع غيرها وألقوها. وصاروا لا يحرمون شيئا من الذبائح التي يتولون ذباحتها البتة. فهذا حال هذه الطائفة من اليهود، أعني القرائين.
ولهم أيضا فقهاء أصحاب تصانيف، إلا أنها لم يبالغوا في الكذب على الله إلى حد أن يدعوا النبوة، ولا نسبوا أشياء من تفاسيرهم إلى النبوة ولا إلى الله، بل إلى اجتهادهم٢.
- والفرقة الثانية يقال لهم: "الربانيون"، وهم أكثر عددا، وهم أكثر "الحاخاميم" الفقهاء المفترين على الله، الذي يزعمون أن الله كان
_________________
(١) ١ سبق تخريج هذا النص في بحث بطلان تأويلاتهم. ٢ القراءون أو العنانيون فرقة حديثة نشأها عنان بن داود أحد علماء اليهود في بغداد أواخر القرن الثامن الميلادي في عهد أبي جعفر المنصور. ويقوم مذهبها على التمسك بما جاء في كتاب الأسفار وحده، وعدم الاعتراف بأحكام التلمود وتعاليم الربانيين والحاخامات. لذا سموا بالقرائين. نسبة إلى كلمة "مقرا" بمعنى الكتاب أو المكتوب. وهي الكلمة التي كانت تطلق عند اليهود على أسفار العهد القديم. وهم يقولون بالاجتهاد وإمكان رد الخلف أحكام السلف في حال الخطأ. وقد ألغى عنان جميع التشريعات التي قررها الربانيون مستندين في تقريرها إلى أسفار التلمود، وأدخل على كثير من تشريعاتهم تعديلات استمدها من اجتهاده الخاص وفهمه لنصوص كتابهم. انظر: الأسفار المقدسة لعلي عبد الواحد ص٦١ وص٦٣، واليهودية لأحمد شلبي ص٢٣١.
[ ١٩٦ ]
يخاطبهم في كل مسألة بالصوت الذي سموه "بث قول"١.
وهذا الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم من الأمم من سائر اليهود.
_________________
(١) ١ الفَرّيسيّون أو الربانيون أهم فرق اليهود وأكبرها قديما وحديثا. ويطلقون على أنفسهم لقب: الإخوة أو الأحبار أو الرفاق. أما كلمة "الفريسيون" فتعني: المعتزلة. ويظهر أن خصومهم هم الذين أطلقوا عليهم هذا اللقب، وهم يكرهونه. وتعترف هذه الفرقة بجميع الأسفار والروايات الشفوية المنسوبة إلى موسى -﵇- وكذلك تعترف بأسفار التلمود؛ بل إن فقهاءهم الذين يطلق عليهم "الربانيون" هم الذين وضعوا أسفار التلمود كما ذكر المؤلف -﵀- وهذه الفرقة تؤمن بالبعث، وتعتقد أن الأموات الصالحين سينشرون في الأرض ليشتركوا في ملك المسيح المنتظر. وللحاخامات سلطة عليا عندهم، بل هم معصومون في نظرهم، وأقوالهم صادرة عن الله. انظر: الأسفار المقدسة لعلي ص٥٥ - ٥٦، واليهودية لأحمد شلبي ص٢٢٦ - ٢٢٧. أما الصدوقيون فلا يعترفون إلا بكتاب الأسفار، ويرفضون الأحاديث الشفوية لموسى، ومن باب أولى شروح الربانيين. بل إنهم لا يروين للتوراة قدسية مطلقة. وهم لا يؤمنون بالبعث يوم القيامة، ويعتقدون أن عقاب العصاة وإثابة المحسنين إنما يحصلان في الدنيا. الأسفار المقدسة ص٥٦ - ٥٧ وص١٤ وص٣٠، اليهودية لأحمد ص٢٢٩ - ٢٣١، الشرائع الدينية لأحمد يسري ص١٢٣. وهذه الفرق جميعها من العبرانيين، أما السامريون فلهم توراة خاصة بهم، ليس فيها سوى أسفار موسى الخمسة؛ لأنهم ينكرون ما عداها. بل يبطلون كل نبوة بعد موسى ويوشع. إلا أن بعضهم يضيف إلى التوراة سفري يوشع والقضاة. تعريف بالتوارة السامرية ص٤ - ٥ و١٤ و١٧ و٢٦، الأسفار المقدسة لعلي ص٥٨.
[ ١٩٧ ]
لأن أولئك الفقهاء المفترين على الله قد أوهموهم أن المأكولات والمشروبات إنما تحل للناس بأن يستعملوا فيها هذا العلم الذي نسبوه إلى الله وإلى موسى، وأن سائر الأمم لا يعرفون هذا، وأنهم إنما شرفهم الله بهذا وأمثاله من الترهات التي أفسدوا بها عقولهم. وصار أحدهم ينظر إلى من ليس على ملته كما ينظر إلى سائر الحيوانات التي لا عقل لها، وينظر إلى المآكل التي تأكلها الأمم كما ينظر الرجل إلى العذرة أو إلى صديد الموتى وغير ذلك من الأشياء القذرة التي لا يسوغ لأحد أكلها. فهذا هو الأصل في بقاء هذه الطائفة على أديانها لشدة مباينتها لغيرها من الأمم، ولأنهم ينظرون إلى الناس بعين النقص والازدراء إلى أبعد غاية.
وأما الطائفة الأولى -وهم القراءون- فأكثرهم خرج إلى دين الإسلام أولا فأولا إلى أن لم يبق منهم إلا نفر يسير؛ لأنهم أقرب إلى الاستعداد لقبول الإسلام؛ لسلامتهم من محاولات فقهاء الربانيين أصحاب الافتراء الزائد، الذين شددوا على جماعتهم الإصر.
فقد تبين مما ذكرنا أن الحاخاميم هم الذين شددوا على هذه الطائفة دينهم، وضيقوا عليهم المعيشة والإصر. قصدوا بذلك مبالغتهم في مضادة مذاهب الأمم حتى لا يختلطوا بهم، فيؤدي اختلاطهم بهم إلى خروجهم من دينهم.
والسبب الثاني في تضييق الإصر عليهم: أن اليهود مبددون في شرق البلاد وغربها، فما من جماعة منهم في بلدة إلا قدم عليهم رجل من أهل دينهم من بلاد بعيدة، يظهر لهم الخشونة في دينه والمبالغة في التورع والاحتياط، فإن كان من المتفقهين فهو يشرع في إنكار أشياء عليهم، ويوهمهم التنزه عما هم فيه، وينسبهم إلى قلة الدين، وينسب ما ينكره عليهم إلى مشايخهم وأهل بلدهم، ويكون في أكثر ذلك
[ ١٩٨ ]
الإسناد كاذبا. ويكون قصده بذلك إما الرياسة عليهم وإما تحصيل غرض منهم، ولا سيما إن أراد المقام بينهم أو التدبير عندهم. فتراه أول ما ينزل عندهم لا يأكل من أطعمتهم ولا من ذبائحهم، ويتأمل سكين ذابحهم، وينكر عليهم بعض أمره، ويقول: أنا لا آكل إلا من ذباحة يدي. فتراهم معه في عذاب، لا يزال ينكر عليهم الحلال والمباح، ويوهمهم تحريمه بإسنادات يخترعها حتى لا يشكوا في ذلك. فإن وصل بعد مدة طويلة من أهل بلده من يعرف أنه كاذب في تلك الإسنادات فلا يخلو من أن يوافقه أو يخالفه؛ فإن وافقه فإنما يوافقه ليشاركه في الرياسة الناموسية التي حصلت له، وخوفا من أن يكذب إن خالفه وينسب إلى قلة الدين. وأيضا فإن القادم الثاني في أكثر الأمر يستحسن ما اعتمده القادم الأول من تحريم المباحات وإنكار المحللات ويقول: لقد عظَّم الله ثواب فلان؛ إذ قوى ناموس الشرع في قلوب هذه الجماعة، وشيد سياجه. وإذا لقيه على الانفراد يشكره، ويجزيه خيرا ويقول له: لقد زين الله بك أهل بلدنا. وإن كان القادم الثاني ينكر ما أتى به القادم الأول من الإنكار عليهم والتضييق، لم يبق أحد من الجماعة يستنصحه، ولا يصدقه، بل جميعهم ينسبون إلى قلة الدين؛ لأن هؤلاء القوم يعتقدون أن تضييق المعيشة وتحريم المحللات هو المبالغة في الدين والزهد، وهم أبدا يعتقدون الدين والحق مع من يضيق عليهم، ولا ينظرون هل يأتي بدليل أم لا، ولا يبحثون عن كونه محقا أو مبطلا. هذا حال القادم إلى بلد من متفقهة اليهود.
فأما إن كان القادم أحد أحبار اليهود وعلمائهم، فهناك ترى العجب من الناموس الذي يعتمده، والسنن التي يحدثها ويلحقها بالفرائض. ولا يقدر أحدهم على الاعتراض عليه. فتراهم مستسلمين إليه، وهو يجتلب درهم، ويجلب بحيلة درهمهم. حتى لو بلغه أن بعض
[ ١٩٩ ]
أحداث اليهود قد جلس على قارعة الطريق في يوم السبت، أو اشترى لبنا من بعض المسلمين أو خمرا، لببه١ وسبه في مجمع من يهود المدينة وأباحهم عرضه، ونسبه إلى قلة الدين.
فهذا السبب الذي ذكرناه والسبب الذي قبله هما العلة في تشديد الإصر الذي جعلته اليهود على أنفسها، وتضييق المعيشة عليها، وتجنبهم مآكل غيرهم، ومخالطة من كان على غير ملتهم. وقد أوضحناها للمتأمل.
_________________
(١) ١ لببه: أخذ بتلابيبه.
[ ٢٠٠ ]