إن سبيل ذوي التحصيل أن يجتنبوا الرذائل، وينفروا مما قبح في العقول السليمة، ورجح زيفه عند الأفهام المستقيمة. ولهذه الطائفة من الفنون الضلالية ما تنبو عن مثله العقول، ويخالفه المشروع والمعقول.
فمن ذلك: أنهم مع ذهاب دولتهم وتفرق شملهم، وعلمهم بالغضب الممدود عليهم. يقولون كل يوم في صلواتهم: إنهم أبناء الله وأحباؤه. وذلك قولهم كل يوم في الصلاة: "اهباث عولام أهبثانو أدوناي الوهينو" تفسيره: الدهر أحببتنا يا إلهنا.
"هثبيو أبينو الترورأثخينا" تفسيره: ارددنا يا أبانا إلى شريعتك.
"أبينو ملكينو الوهينو" تفسيره: يا أبانا يا ملكنا يا إلهنا.
"أنا أدوناي أبينو اكوالينوا" تفسيره: أنت اللهم أبونا منقذنا.
"وايث كل رود في يانخا واويبي عدا شخاكوالام كساموا أيام إيحاد ميهم لونوا أثار" تفسيره: وجميع الذين اقتفوا أثر نيبك، وأعداء جماعتك كلهم غطاهم البحر، واحد منهم لم يبق ١.
ويمثلون أنفسهم بعناقيد العنب، وسائر الأمم بالشوك المحيط
_________________
(١) ١ هذه الصلاة يسمونها محبة الدهر كما ذكر ابن القيم في هداية الحيارى ص ٦١٣.
[ ١٠١ ]
بأعالي حيطان الكرم. وهذا من قلة عقولهم ونظرهم. فإن المعتني بمصالح الكرم، إنما يجعل على حيطانه الشوك حفظا وحياطة للكرم. ولسنا نرى لليهود من بقية الأمم إلا الضرر والذل والصغار. وذلك مبطل لقولهم١.
وينتظرون قائما يأتيهم من نسل داود، وإذا حرك شفتيه بالدعاء مات
_________________
(١) ١ سيذكر المؤلف -﵀- في آخر هذا الفصل أنه ما من أمة من الأمم إلا وقصدهم أشد القصد، وبالغ في طلب استئصالهم وخراب بلادهم إلا المسلمين. وأشد ذلك ما نالهم من ملوكهم المرتدين. وسبب هذه الغطرسة أن اليهود غرهم ما افتروا على الله في دينهم من أنهم أبناء الله وأحباؤه. وبالغوا مستندين إلى النصوص المذكورة في الحاشية الأولى من الفصل السابق "إبطال ما يدعون من محبة الله إياهم" بالغوا في بيان فضلهم واختيارهم، فذكروا أن الفرق بينهم وبين سائر الأمم كالفرق بين الإنسان والحيوان، وأن الناس مسخرون لهم كما أن الحيوان مسخر للإنسان. وقد قرروا أيضا أن لليهود وحدهم الحياة الأبدية، وأن أرواحهم من روح الله دون سائر الناس. ويزعمون أن هذا سيتحقق عند مجيء المسيح المنتظر كما سيأتي قريبا. وتتجلى هذه الأفكار ويظهر تطبيقها والعمل بمقتضاها في كتاب الخطر الصهيوني "بروتوكولات حكماء صهيون". ويؤيد ذلك ما ذكره المفكر الجزائري مالك بن نبي -﵀- من أنه كان في متجر في باريس يشتري بعض الحاجات، فدخلت امرأة جزائرية من قسنطينة، ومعها ولد لها يبكي فزجرته أمه بلهجة تلك البلدة التي تشبه لهجة يهود الجزائر. فما إن سمعتها امرأة أخرى كانت قابعة هناك حتى اقتربت منها وسلمت عليها بتلك اللهجة، وقالت لها مشيرة إلى الشعب الفرنسي: الحمد لله الذي سخر لنا هذه الأبقار. ظانة إياها أنها يهودية مثلها.
[ ١٠٢ ]
جميع الأمم، ولا يبقى إلا اليهود. وهذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به. وقد كانت الأنبياء -﵈- ضربوا لهم أمثالا أشاروا بها إلى جلالة دين المسيح -﵇- وخضوع الجبارين لأهل ملته، وإتيانه بالنسخ العظيم. فمن ذلك قول إشعياء في نبوته: "وغار زائب عم كبيش يحذا ويربضوا شنيهم وفارا واذوب ترعينا وارياء كبار قارا بوخل تبين" تفسيره: إن الذئب والكبش يرعيان جميعا، ويربضان معا، وإن البقرة والدب يرعيان جميعا، وإن الأسد يأكل التبن كالبقرة١.
_________________
(١) ١ جاء في سفر إشعياء ١١/ ١ - ٥: ويخرج قضيب من جذع يسَّى، وينبت غصن من أصوله. ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب. ولذته تكون في مخافة الرب، فلا يقضي بحسب نظر عينيه، ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. بل يقضي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متنيه، والأمانة منطقة حقويه. ١١/ ٦ - ١٠: فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معا، وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان، تربض أولادهما معا، والأسد كالبقر يأكل تبنا. ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسوؤن ولا يفسدون في كل جبل قدسي؛ لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تعطي المياه البحر. ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب، إياه تطلب الأمم، ويكون محله مجدا. ١١/ ١١: ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه التي بقيت =
[ ١٠٣ ]
فلم يفهموا من تلك الأمثال إلا صورها الحسية دون معانيها العقلية، فتولوا عن الإيمان بالمسيح عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون الأسد يأكل التبن، وتصح لهم حينئذ العلائم بمبعث المسيح.
ويعتقدون أيضا أن هذا المنتظر متى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى
_________________
(١) = ١١/ ١٢ - ١٦: ويرفع راية للأمم، ويجمع منفي إسرائيل، ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض. فيزول حسد أفرايم، وينقرض المضايقون من يهوذا. أفرايم لا يحسد يهوذا، ويهوذا لا يضايق أفرايم. وينقضان على أكتاف الفلسطينيين غربا، وينهبون بني المشرق معا ويبيد الرب لسان بحر مصر، ويهز يده على النهر بقوة ريحه ويضربه إلى سبع سواق، ويحيز فيها بالأحذية. وتكون سكة لبقية شعبه التي بقيت من أشور، كما كان لإسرئيل يوم صعوده من أرض مصر. وجاء في ٦١/ ١ - ٣: روح السيد الرب علي؛ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأعصب منكسري القلب، لأنادي للمسببين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق. لأنادي بسنة مقبولة للرب، وبيوم انتقام لإلهنا، لأعزي كل النائحين. لأجعل لنائحي صهيون، لأعطيهم جمالا عوضا عن الرماد، ودهن فرح عوضا عن النوح ورداء نسيج عوضا عن الروح اليائسة ٦١/ ٤ - ٦: ويبنون الخِرب القديمة ويقف الأجانب، ويرعون غنمكم، ويكون بنو الغريب حراثيكم وكرَّاميكم. أما أنتم فتدعون كهنة الرب، تسمون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتأمرون. وجاء في سفر صموئيل الثاني ٧/ ١١ - ١٣: والرب يخبرك أن الرب يصنع لك بيتا متى كلمت أيامك، واضطجعت مع آبائك. أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك، وأثبتت مملكته. هو يبني بيتا لاسمي، وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد.
[ ١٠٤ ]
القدس، وتصير لهم الدولة، ويخلو العالم من سواهم، فيحجم الموت عن جنابهم المدة الطويلة. وسبيلهم أن يعولوا على متابعة الأسود في غاباتها، وطرح التبن بين أيديها؛ ليعلموا وقت أكلها إياه١.
_________________
(١) ١ يرى بعض العلماء أنه نتيجة لما لاقاه اليهود من اضطهادات نشأت عندهم عقيدة المخلص الذي سيجيء ليعيد مجد إسرائيل، ويجمع أشتات اليهود بفلسطين. وقد أطلقوا عليه اسم النبي أو المسيح المنتظر. وكلمة مسيح معناها عندهم: الممسوح بزيت البركة المقدس؛ لأنهم كانوا يمسحون الملوك والأنبياء والكهنة عند تقليدهم المناصب، كما مسح صموئيل كلا من شاؤل وداود بالزيت ملكا بأمر الرب. ويظهر -والله أعلم- أنهم إنما أطلقوا عليه هذا اللقب ليظهروا للعالم أنه سيكون من بني إسرائيل. ويرى بعضهم أيضا أن هذه الفكرة إنما برزت لهم بعد سقوط دولتهم وخلال أسرهم في بابل، ثم تبلورت بعد خضوعهم للفرس. مما دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن هذه الفكرة مستعارة من الديانة الزرداشتية التي يدين بها الفرس. اليهودية لأحمد شلبي ص٢١٦ و٢١٨ - ٢١٩. ومن الطريف في ذلك ما كتبه العالم اليهودي الدكتور رافائيل باتاي في الصلاة المدراشية التالية: "وعندما لفَّت أعمدة الله الهيكل صعد ثلاثة كهنة شبان إلى السطح، وألقوا بمفاتيح بيت الله نحو السماء، فامتدت يد نزولا، والتقطت المفاتيح. قال الكهنة: إلى متى أدوناي إلى متى؟ فقال صوت سماوي: لا أكثر من يومين يا أولادي. فعرفوا عنذئذ أن سبي الشخينة وتشتيت إسرائيل سيدوم ألفين من السنين؛ إذ مكتوب -أي في المزمور ٩٠/ ٤ بروتستانت-: لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعدما عبر. فقالوا له: يا سيد الكون، كيف يستطيع بنو إسرائيل تحمل ألفي سنة من العذاب؟ فقال لهم: سأعطيهم شعاعا من =
[ ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النور يضيء ليل تشتيتهم، سأعطيهم من لن يشاهدوا أبدا، لكنهم سيشعرون بوجوده في كل الأوقات، من لن يأتي أبدا، لكنه سيكون على وشك القدوم دوما من سيفتشون عنه، لكنه يوجد في قلوبهم فقط سأعطيهم إياه، وهو لن يكون أبدا، ولكنه سيساعدهم على البقاء، سأعطيهم المسيح المنتظر. التوراة بين الوثنية والتوحيد لسهيل ديب ص١١٧ - ١١٨. وأنت ترى أن هذا النص يجمع بين الإيمان العميق والرفض المطلق. وهو يعبر عن الحيرة والقلب اللذين سيطرا على المفكرين من اليهود في عصرنا هذا. ويظهر -والله أعلم- أن فكرة النبي أو المسيح المنتظر ليست مستعارة لا من الزرداشتية ولا من غيرها؛ بل إنما هي فكرة أصيلة في عقيدة بني إسرائيل؛ فقد بشرت الأنبياء جميعا -ومنهم أنبياء بني إسرائيل- بنبي يأتي في آخر الزمان من ذرية إسماعيل بشريعة عامة شاملة عادلة فيجاهد الكفار ويؤيده الله بنصره فيمتد دينه، وتسود شريعته وهو خاتم الأنبياء، بيد أن دينه وأمته لا ينقرضان إلى قيام الساعة؛ لكن أحبار اليهود حرفوا النصوص ولعبوا فيها على مقتضى أهوائهم التي تحتقر غيرهم -ولا سيما ذرية إسماعيل- ومن هنا بدأ اللبس واختلط السم بالدسم. وكان الله سبحانه قد بشر بني إسرائيل أيضا بالمسيح ابن مريم -﵇- على ألسنة أنبيائه من لدن موسى إلى من بعد داود من الأنبياء -﵇- وأكثر الأنبياء به تبشيرا داود -﵇- فكانت اليهود تنتظره بشغف بالغ رجاء أن يحررهم من نير القهر والغلبة. ومما لا شك فيه أن الأنبياء ذكروا عودته الثانية إلى الأرض قبل قيام الساعة ومحاربته للمسيح الدجال وقتله إياه، وانتصاره على سائر الكفرة بجهاده =
[ ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ودعائه، وإقامته حكم الله في الأرض. لكن بسبب فقدان التوراة وسائر كتب الأنبياء الحقيقية، ووجود النصوص المضطربة والمحرفة، بالإضافة إلى من يريدون طمس الحقائق، حدث سوء الفهم الموجه لدى عامة بني إسرائيل، فالتبست مهمة المسيح ابن مريم قبل رفعه إلى السماء بمهمة غيره ممن أمر بالجهاد، وبمهمته أيضا بعد عودته. الأمر الذي جعل سواد اليهود ينتظرون مسيحا سياسيا وبطلا عسكريا، يعبئ طاقاتهم للبطش بأعدائهم. وتهيأ الرأي العام اليهودي لهذا المسيح، وطال الانتظار. فمنذ العودة من السبي كانوا ينتظرون عهد الله بإقامة الدولة اليهودية على يد المسيح المنتظر. وكانت عقيدتهم به تتجدد كلما ألمت بهم النوائب وحاقت بهم المحن. وجاء المسيح ابن مريم -﵇- يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وينادي بالخلاص الروحي وتطهير النفس ونحو ذلك. فكذبوه وطردوه ظانين أنه ليس الذي بُشروا به، بحجة أن المبشر به تؤمن به الأمم كلها. وهموا بقتله مرارا إلى أن أجمعوا على القبض عليه وقتله، فصانه الله وأنقذه من أيديهم. الجواب الصحيح ٣/ ٣٢٤ و٣٩٣، هداية الحيارى ص٦٤٢، اليهودية لأحمد شلبي ص٢٢٠ و٢٢٢، الشرائع الدينية ص١٢٤، مَن هو المسيح؟ ص٢٣ - ٢٤. والنصارى يحملون جميع بشارات العهد القديم على المسيح ابن مريم -﵇- ويتأولون ما لا ينطبق عليه ولا على زمانه بتأويلات سخيفة، ومن ذلك قولهم عما جاء في سفر إشعياء الباب الحادي عشر: "يتضمن هذا الفصل وصف أزمان المسيح وما يكون فيها من السعادة والدعة، وهو المراد بهذا الملك الذي سيخرج من أرومة داود، وينشر العدل والسلام، وترتد إليه الأمم الوثنية، ويجتمع تحت رايته المشتتون =
[ ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من بني إسرائيل من كل وجه الأرض. فيصيرون تحت سلطان مملكة -أي روحية- مقتدرة. انظر حاشية الكتاب المقدس المطبوع عام ١٩٨٣م ببيروت. قال ابن كمونة اليهودي في تنقيح الأبحاث ص٦١: وقد جاء في كتب الأنبياء من علامات المسيح وما يكون في زمانه ما لم يظهر في يشوع ولا في زمانه. مثل ما جاء في كلام بعضه أنه يضرب الأرض بسوط فيه، وبريح شفتيه يميت الخاطئ، وأنه يجلس على منبر داود، فيقضي بين الناس بعدل وحق. وأن الحروب ترتفع، ولا يرفع أحد على أحد سيفا، وأن الذئب والكبش يربضان معا، ويرعيان جميعا، وأن الأسد يأكل التبن مع البقر ثم قال: وهذا إن كان على ظاهره فلم يجر ولم يقع في أيام يشوع ولا بعده، وإن كان مثلا، فهو مثل لارتفاع الشرور من العالم وزوال العدوان من بين الخلق. ولم يجر في زمانه إلا خلاف ذلك من زيادة العداوة بين الناس بسبب ظهوره، وارتكابهم الذنوب العظيمة فيه وفي أصحابه. اهـ. ولا يزال اليهود حتى يومنا هذا ينتظرون مسيحهم الذي يجعل بالقوة من أورشليم محور العالم، ويقيم الموتى ويرعى الشعوب بقضيب موسى. وقد تعداهم السعد. فلهذا إذا خرج المسيح الدجال يضل الناس بما استدرجه الله من قدرات اتبعوه وكانوا جنده. قال ابن تيمية في الجواب الصحيح ١/ ١٧٧ و٣/ ٢٩٣ و٣٢٤ وابن القيم في هداية الحيارى ص٥٨٥: واليهود في الحقيقة إنما ينتظرون المسيح الدجال الذي حذرت منه الأنبياء. فإنه هو الذي ينتظرون حقا. وهم عسكره وأتبع الناس له. ويخرج معه سبعون ألف مطيلس من يهود أصبهان. ويكون لهم في زمانه شوكة ودولة إلى أن ينزل =
[ ١٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مسيح الهدى ابن مريم، فيقتل منتظرهم المسيح الدجال، ويضع هو وأصحابه السلام فيهم، كما ثبت عن النبي -ﷺ- في الأحاديث الصحيحة. اهـ. فظهر أن كلا من اليهود والنصارى والمسلمين ينتظر مسيحا في آخر الزمان: فمسيح اليهود هو الأعور الدجال كما سلف. ومسيح النصارى لا حقيقة له؛ لأنه عندهم إله تام من إله تام من جوهر أبيه. ينزل في آخر الزمان ليدين الناس يوم القيامة. وكانوا يظنون أن هذا سيكون قبل موت جميع الحواريين. بل إن بعضهم ليشهد ذلك. ولكن مات الحواريون ومضى على ميلاده قرابة ألفي عام، ولم يأت في ملكوته ليدين الناس. أما المسيح الذي يؤمن به المسلمون، فهو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه ليس غير. وقد صح في الأخبار عن سيد الأبرار -ﷺ- أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق على جناحي ملكين، فيقتل مسيح الضلالة على بضع عشرة خطوة من باب لد، ويظهر دين الله وتوحيده، ويقتل أعداءه الذين رموه وأمه بالعظائم، وأعداءه الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله. وتعود الملل في زمنه ملة واحدة، ألا وهي دين الإسلام ملة إبراهيم وسائر الأنبياء -﵈- وقد أخبر النبي -ﷺ- عن حاله وقت نزوله، وعن ملبسه الذي عليه، وأخبر بما يفعله بعد نزوله بالتفصيل. وأوصى من أدركه من أمته أن يقرأ ﵇ منه. ومما ورد في ذلك ما يلي: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ =
[ ١٠٩ ]
وأيضا، إنهم في العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة يقولون في صلاتهم: "ألوهيبود ألوهي ايوثينو ملوخ على كل يوشي تبيل ارصيحا ويوماركول اشبرنشا ماباقو أدوناي الوهي يسرائيل ملاخ وملخوثو ايلول ماشالا" تفسيره: يا آلهنا وإله آبائنا املك على جميع أهل الأرض ليقول كل ذي نسمة: الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطنة.
ويقولون في هذه الصلوات أيضا: "وسيكون لله الملك، وفي ذلك اليوم يكون الله واحد". ويعنون بذلكأنه لا يظهر أن الملك لله إلا إذا صارت الدولة إلى اليهود الذين هم أمته وصفوته. فأما ما دامت الدولة لغير اليهود، فإن الله خامل الذكر عند الأمم، وأنه مطعون في ملكه مشكوك في قدرته. فهذا معنى قولهم: "اللهم املك على جميع أهل
_________________
(١) = أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ الآية، أخرجه الشيخان والترمذي. وفي رواية لمسلم: "والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية ولتتركن القلاص -أي النوق- فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد". وفي رواية أبي داود: "ليس بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين -أي ثوبين فيهما صفرة خفيفة- كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل. فيقال: الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال. ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون".
[ ١١٠ ]
الأرض"، ومعنى قولهم: "وسيكون الملك لله"١.
ومما ينخرط في هذا السلك قولهم: "لا ما يومر وهو كوييم إلى أنا ألوهيم". تفسيره: لِمَ تقول الأمم: أين إلههم؟ وقولهم: "عور إلا ما يثشنان أدوناي هاقيصا مشاثيخا". تفسيره: انتبه لِمَ تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك٢.
_________________
(١) ١ والصلاة التي يرددونها كثيرا هي: "فليتمجد وليتقدس اسم الرب العظيم في كل العالم الذي خلقه حسب مشيئته، وليتحقق ملكه في أثناء حياتكم وخلال أيامكم، وفي أثناء حياة كل بني إسرائيل بسرعة وبالقريب العالج. آمين". انظر: التورة تاريخها وغاياتها تعريب سهيل ديب ص٤٣، وهو ينقل عن كتاب "الصلاة للسبت والأعياد". ٢ جاء في سفر الملوك الثاني ١٩/ ١٥ - ١٦: وصلى حزقيا أمام الرب وقال: أيها الرب إله إسرائيل أمل يا رب أذنك واسمع. افتح يا رب عينيك وانظر. واسمع كلام سنحاريب الذي أرسلته ليعير الله الحي. ومما جاء من وقاحتهم مع الله وخطابهم إياه على وجه يتنافى مع التنزيه ما يلي: جاء في سفر نحميا ١/ ٦: لتكن أذنك مصغية، وعيناك مفتوحتين لتسمع صلاة عبدك .. وجاء في المزمور ٨٩/ ٣٨ - ٣٩ في مخاطبتهم لله تعالى: لكنك رفضت ورذلت، غصبت على مسيحك. نقضت عهد عبدك، نجست تاجه في التراب. ٨٩/ ٤٦: حتى متى يا رب تختبئ كل الاختباء؟ وجاء في إشعياء ٦٣/ ١٧: لماذا أضللتنا يا رب عن طرقك؟ قسَّيت قلوبنا عن مخافتك؟ ارجع من أجل عبيدك. وجاء في دانيال ١٩/ ١٨: أمل أذنك يا إلهي واسمع، افتح عينيك وانظر خربنا والمدينة التي دُعي اسمك عليها. وجاء في إرمياء ٤/ ١٠: فقلت: آه يا سيد الرب، حقا إنك خداعا خادعت هذا الشعب وأورشليم قائلا: يكون لكم سلام. وقد بلغ السيف النفس.
[ ١١١ ]
وهؤلاء إنما نطقوا بهذه الهذيانات والكفريات من شدة الضجر من الذل والعبودية والصغار، وانتظار فرج لا يزداد منهم إلا بعدا. فأوقعهم ذلك في الطيش والضجر، وأخرجهم إلى نوع من الزندقة والهذيان الذي لا تستحسنه إلا عقولهم الركيكة. فتجرءوا على الله بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخون الله بذلك لينتخي لهم، ويحمى لنفسه. لأنهم إذا ناجوا ربهم بذلك، فكأنهم يخبرونه بأنه قد اختار الخمول لنفسه، وينخونه للنباهة واشتهار الصيت. فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك في أن كلماته تقع عند الله تعالى بموقع عظيم، وأنه يؤثر في ربه، ويحركه بذلك، ويهزه وينخيه. وهؤلاء على الحقيقة ينبغي أن يُرحم جهلهم وضعف عقولهم.
وأيضا، فإن عندهم في توراتهم: أن موسى صعد الجبل مع مشايخ أمته، فأبصروا الله جهرة، وتحت رجليه كرسي منظره كمنظر البلور. ذلك قوله: "وتراءى ألوهي يسرائيل رعلاي كراي كبناث هشيفير وخعيصم هشامايم لاطوهره"١.
_________________
(١) ١ جاء في سفر الخروج ٢٤/ ٩ - ١١: ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل. ورأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف، وكذات السماء في النقاوة. ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل. فرأوا الله، وأكلوا وشربوا. وفي التوراة السامرية. ونظروا ولي إسرائيل، وتحت رجليه كصنعة =
[ ١١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حجر المها، وكجرم السماء من النقاء. وإلى جانب بني إسرائيل لم يمد يده. فلما شاهدوا ملاك الله أكلوا وشربوا. وقد ورد في توراتهم نصوص كثيرة تذكر أن الله ظهر للإنسان فرآه وخاطبه: فزعموا في سفر التكوين ١٧/ ١ - ٢٢: أن إبراهيم -﵇- رآه. وزعموا في ١٨/ ١ - ٨: أنه رآه وجادله. بل زعموا في ٣٢/ ٢٤ - ٣٠: أنه ظهر ليعقوب ليلا فتصارعا حتى الصباح، وأبى يعقوب أن يطلقه حتى يباركه، فباركه وسماه إسرائيل. وادعوا في ٣٥/ ٩ - ١٣: أنه رآه مرة آخرى، ثم صعد الله عنه. وزعموا في سفر الخروج ٣/ ٥ - ٦: أنه ظهر لموسى بينما كان يرعى الغنم في أقصى البرية عند جبل الله، فستر موسى وجهه؛ لأنه خاف أن ينظر إلى وجه الله. بل ادعوا أنه رآه هو وسبعون من شيوخ إسرائيل كما ذكر المؤلف ﵀. وقد ذكرت القصة في القرآن الكريم في سورة طه "٩ - ٤٨"، وفي سورة الأعراف "١٤٣ و١٤٧ - ١٥٧" وهي خالية من وقوع الرؤية، بل نفتها سورة الأعراف، حتى إن القرآن نفى إمكانية الرؤية في الحياة الدنيا، قال تعالى في سورة الأنعام "١٠٣": ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وقد جاء في سفر الخروج ٣٣/ ١٨ - ٢٣ ما ينفي الرؤية أيضا: "فقال: أرني مجدك. فقال: أجيز كل جودتي قدامك .. وقال: لا تقدر أن تري وجهي؛ لأن الإنسان لا يراني ويعيش. وقال الرب: هو ذا عندي مكان، فتقف على الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة، وأسترك بيدي حتى أجتاز، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي. وأما وجهي فلا يُرى". ومن الجدير بالذكر أن التوراة السامرية في جميع تلك النصوص تذكر أن الرؤية إنما كانت لملائكة الله.
[ ١١٣ ]
ويزعمون أن اللوحين مكتوبان بإصبع الله، ذلك قولهم: "بأصباع ألوهيم"١.
ويطول الكتاب إن عددنا ما عندهم من كفريات التجسيم. على أن أحبارهم قد تهذبوا كثيرا عن معتقد آبائهم بما استفادوا من عندهم بما يدفع عنهم إنكار المسلمين عليهم ما تقتضيه الألفاظ التي فسروها ونقلوها. وصاروا متى سئلوا عنا عندهم من هذه الفضائح استتروا بالجحد والبهتان خوفا من فظيع ما يلزمهم من الشناعة.
ومن ذلك أنهم ينسبون إلى الله تعالى الندم على ما يفعل:
فمن ذلك قولهم في التوراة التي في أيديهم: "ويناجم أدوناي كي عاشا اث أذام أرض وبتعصيب ال لبو". تفسيره: وندم الله على خلق البشر في الأرض، وشق عليه٢.
_________________
(١) ١ جاء في سفر الخروج ٢٤/ ١٢: وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم، ٣١/ ١٨: ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله، ٣٢/ ١٥ - ١٦: فانصرف موسى ولوحا الشهادة في يده، لوحان مكتوبان على جانبهما. واللوحان هما صنعة الله، والكتابة كتابة الله منقوشة على اللوحين. وقد ورد نحو ذلك في ٣٤/ ١ من السفر نفسه وفي سفر التثنية ٥/ ٢٢ و٩/ ١٠/ ١ - ٢ و١٠/ ٤. ومن الطريف أن النصارى يزعمون أن الأصبع التي كتبت اللوحين هي التي دق فيها المسمار على الصليب. ٢ جاء في سفر التكوين ٦/ ٥ - ٧: ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شر كل يوم. فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. وتأسف في قلبه. فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء؛ لأني حزنت أني عملتهم. أي: أن الله سبحانه لم يكن يدرك -على حد قولهم- أن فساد البشر سيكثر بهذا الشكل. فندم على خلقهم بعد أن رأى كثرة شرهم.
[ ١١٤ ]
وقد أفرط المترجم في تعصبه وتحريفه للألفاظ عن موجب اللغة، وفسر "ويناجم أدوناي وناب أدوناي تمير به" يعني: عاد الله في رأيه.
وهذا التأويل أيضا، وإن كان غير موافق اللغة، فهو أيضا كفر مناقض لما يدفعونه من البداء والنسخ.
وأما الدليل على تفسيره: وبتعصيب ال لبو: وشق عليه، فهو ما جاء في مخاطبة حواء: "بتعصيب تيلدي بانيم" تفسيره: بمشقة تلدين الأولاد. فقد تبين أن "العصيب" عندهم في اللسان العبراني: هو المشقة.
وهذه الآية عندهم في قوم نوح ﵇: زعموا أن الله تعالى لما رأى فساد قوم نوح، وأن شرهم وكفرهم قد عظم، ندم على خلق البشر وشق عليه١.
ولا يعلم البله أن من يقول بهذه المقالة يلزمه أن الله تعالى
_________________
(١) ١ جاء في سفر التكوين ٦/ ١١ - ١٤: ورأى الله الأرض، فإذا هي قد فسدت؛ إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه على الأرض. فقال الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي؛ لأن الأرض امتلأت ظلما منهم، فهأنا مهلكهم مع الأرض. وأطرف شيء في هذا النص: وجود "إذا" الفجائية.
[ ١١٥ ]
قبل أن يخلق البشر، لم يكن عالما بما سيكون من قوم نوح وغير ذلك من النقص، تعالى الله عما يكفرون.
وفي موضع آخر من سفر شموائيل: "وأدوناي يخام كي همليح اث شاؤل على يسرائيل". تفسيره: والله ندم على تمليكه شاؤل على إسرائيل١.
وأيضا فإن عندهم في كتابهم أن نوحا النبي -﵇- لما خرج من السفينة بدأ ببناء مذبح لله تعالى، وقرب عليه قرابين. ويتلو ذلك: "ويارح أدوناي ايث ريخ هينحمورح ويومز أدوناي ال لبو أوسيف عود لقليل اث لهاذا ما يا عيور هااذام كي يبصر كيب ها إذام راغ منعورا وولو أوسيف عوز لهكوث اث كل حاي طا اشير عاسيثي". تفسيره: فاستنشق الله تعالى رائحة القتار. فقال الله تعالى في ذاته: لن أعاود لعنة الأرض بسبب الناس؛ لأن خاطر البشر مطبوع على الردة، ولن أعاود إهلاك جميع الحيوانات كما صنعت٢.
_________________
(١) ١ جاء في سفر صموئيل الأول ١٥/ ١٠ - ١١: وكان كلام الرب إلى صموئيل قائلا: ندمت على أني قد جعلت شاول ملكا؛ لأنه رجع من ورائي، ولم يقم كلامي. ١٥/ ٣٥: ولم يعد صموئيل لرؤية شاول إلى يوم موته؛ لأن صموئيل ناح على شاول، والرب ندم لأنه ملك شاول على إسرائيل. ٢ جاء في سفر التكوين ٨/ ٢٠ - ٢٢: وبني نوح مذبحا للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح. فتنسم الرب رائحة الرضا. وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض من أجل الإنسان؛ لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته. ولا أعود أيضا أميت كل حي كما فعلت. قال ابن القيم في هداية الحيارى ص٥٨٣ وص٥٩٠: ومن =
[ ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = العجب تواطؤهم على امتناع النسخ على الله فيما شرعه لعباده؛ لئلا يلزم منه البداء، ثم يقولون: إن الله ندم وبكى على الطوفان، وعض أنامله حتى رمدت عيناه، وعادته الملائكة. اهـ. والأدهى من ذلك والأمر زعمهم أن الله سبحانه خشي أن يأخذه الغضب ثانية فاتخذ ما يذكِّره: جاء في سفر التكوين ٩/ ٨ - ١١: وكلم الله نوحا وبنيه معه قائلا: وهأنا مقيم ميثاقي معكم ومع نسلكم من بعدكم، ومع كل ذوات الأنفس الحسية التي معكم الطيور والبهائم .. أقيم ميثاقي معكم، فلا ينقرض كل ذي جسد أيضا بمياه الطوفان، ولا يكون أيضا طوفان ليخرب الأرض. ٩/ ١٣ - ١٧: وقال الله: هذه علامة الميثاق إلى أجيال الدهر: وضعت قوسي في السحاب، فيكون متى أنشر سحابا على الأرض، وتظهر القوس في السحاب أني أذكر ميثاقي الذي بيني وبينكم وبين كل نفس حية. فلا تكون أيضا المياه طوفانا. فمتى كانت القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقا أبديا. وقد جاء في أسفار العهد القديم نصوص أخرى تنسب إلى الله الندم والبداء. منها ما يلي: جاء في سفر الخروج ٣٢/ ٩ - ١٤: وقال الرب لموسى: رأيت هذا الشعب، وإذا هو شعب صلب الرقبة. فالآن اتركني ليحمى غضبي عليهم وأفنيهم. فتضرع موسى أمام الرب إلهه وقال: لماذا يا رب يحمى غضبك على شعبك .. ارجع عن حمو غضبك واندم على الشر بشعبك .. فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه. والطريف في هذا النص أن موسى -﵇- وهو المعروف بحدة الطبع، جعلوه أحلم من ربه؛ ولذلك لم يتركه يفنيهم، بل هدأ من =
[ ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = غضبه، وطيَّب خاطره. وفي التوراة السامرية نجد العبارات ألطف نوعا ما. فقد جاء فيها: وعلى هارون تواجد الله جدا لاستئصاله -أي بسبب صنعه العجل وعبادته كما يزعمون- فشفع موسى بسبب هارون، وابتهل في حضرة الله إلهه وقال: لا -يا الله- يشتد وجدك على قومك الذين أخرجتهم من مصر .. عد عن حمية وجدك، واصفح عن سيئة قومك. وجاء في سفر القضاة الأول ٢/ ١٨: وخلصهم من أعدائهم كل أيام القاضي؛ لأن الرب ندم من أجل أنينهم، بسبب مضايقتهم وزاحميهم. وجاء في سفر أخبار الأيام الأول ٢١/ ١٥: وأرسل الله ملاكا على أورشليم لإهلاكها. وفيما هو يهلك رأي الرب، فندم على الشر، وقال للملاك المهلك: كفى الآن، رد يدك. والعاقل يتساءل: ما الشر الذي ندم عليه؟ أكان حكمه الأول ظلما فكان شرا، أم ظهرت له أدلة جديدة قطعت ببراءتهم؟! وجاء في مزامير داود ٨٩/ ٣٩: نقضت عهد عبدك. نجست تاجه في التراب. إنها وقاحة ما بعدها وقاحة. أهكذا ينسبون إلى داود -﵇- مخاطبة ربه ﷿؟ وفي المزمور ١٠٦/ ٤٤ - ٤٥: فنظر إلى صنيعهم إذ سمع صراخهم، وذكر عهده، وندم حسب كثرة رحمته. وجاء في سفر حزقيال ٢٠/ ٢٥: وأعطيتهم أيضا فرائض غير صالحة وأحكاما لا يحيون بها. ٢٠/ ٢٦: ونجستهم بعطاياهم؛ إذ أجازوا في النار كل فاتح رحم. لأبيدهم حتى يعلموا أني أنا الرب. =
[ ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وجاء في سفر يونان ١/ ١ - ٢: وصار قول الرب إلى يونان بن أمتاي قائلا: قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة، وناد عليها لأنه قد صعد شرهم أمامي. ٣/ ١٠: فلما رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة، ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم. فلم يصنعه. ٤/ ٢: وصلى -أي يونان- إلى الرب وقال: آه يا رب لذلك بادرت إلى الهرب إلى ترشيش لأني علمت أنك إله رءوف ورحيم وبطيء الغضب وكثير الرحمة ونادم على الشر. هذا، وإن في أسفار العهد القديم نصوصا كثيرة تجسم الخالق وتشبهه بالإنسان، بل وتنسب مشاعره الضعيفة إلى الله سبحانه بشكل يستحيل معه التنزيه، كما تصفه بكثير من صفات الحوادث والنقص التي يمتنع وصفه بها، إلى غير ما هناك من الأمور التي تستبعدها العقول، وتمنع وقوعها من قبل الله سبحانه، وتنزهه عنها بما يدل على أن هذه الأسفار قد انتابها كثير من التحريف والتبديل القصدي وغير القصدي زيادة ونقصانا. فبالإضافة إلى ما ذكر وردت نصوص كثيرة تنافي الوحدانية، وتجعل لله سبحانه شريكا أو شركاء؛ كما في سفر التكوين ٣/ ٢٢، وسفر الخروج ٧/ ١، والمزمور ١١٠/ ١ - ٥. ووردت نصوص تنسب إلى الله البنوة كما في سفر التكوين ٦/ ١ - ٥. ونصوص تنسب إليه المخادعة والجهل كما في سفر التكوين ٢/ ١٥ - ١٧ و٢/ ٢١ - ٢٥ و٣/ ١ - ١٤، وكما في سفر التثنية ٣٢/ ١٩ - ٢٢ و٢٦ - ٢٧، وكما في سفر إرمياء ٤/ ١٠. ولا ريب في أن الله سبحانه منزه عن هذا كله. وكل عاقل يقطع =
[ ١١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ببراءة التوراة التي أنزلها الله على موسى -﵇- من هذه الأمور. وكذلك سائر كتب الأنبياء وتعاليمهم. بدليل نص التوراة التي بأيديهم وغيرها، فإن النهي عن الشرك والتشبيه والتمثيل مذكور في عدة مواضع من العهد القديم، ومن ذلك ما يلي: جاء في سفر الخروج ٣٤/ ١٤: فإنك لا تسجد لإله آخر. لأن الرب اسمه غيور. إله غيور هو. ٣٤/ ١٧: لا تصنع لنفسك آلهة مسبوكة. وجاء في سفر التثنية ٤/ ٢٣: احترزوا من أن تنسوا عهد الرب إلهكم الذي قطعه معكم، وتصنعوا لأنفسكم تمثالا منحوتا، صورة كل ما نهاك عنه الرب إلهك. لأن الرب إلهك هو نار آكلة، إله غيور. وجاء في ٥/ ٧ - ١٠ من السفر نفسه: لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالا منحوتا صورة ما لا تسجد لهن، ولا تعبدهن؛ لأني الرب إله غيور. ٦/ ١٤: لا تسيروا وراء آلهة أخرى من آلهة الأمم التي حولكم؛ لأن الرب إلهكم غيور. ١٠/ ٢٠: الرب إلهك تتقي، إياه تعبد، وبه تلتصق، وباسمه تحلف. ١١/ ١٦: فاحترزوا من أن تنغوي قلوبكم فتزيغوا وتعبدوا آلهة أخرى، وتسجدوا لها. ١٣/ ٤ - ٧: وراء الرب إلهكم تسيرون، وإياه تتقون، ووصاياه تحفظون، وصوته تسمعون، وإياه تعبدون، وبه تلتصقون .. وإن أغواك سرا أخوك قائلا: نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب، فلا ترضَ منه، ولا تسمع له، ولا تشفق عينك عليه، ولا ترق له، ولا تستره. =
[ ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وجاء في سفر أيوب ٩/ ٣٢: لأن -أي الله- ليس إنسانا مثلي فأجاوبه، فنأتي جميعا إلى المحاكمة. وجاء في سفر العدد ٢٣/ ١٩: أن بلعام -وهو رجل صالح يوحى إليه- قال لرؤساء مواب: ليس الله إنسانا فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم. هل يقول ولا يفعل، أو يتكلم ولا يفي؟ فهذا التناقض والاختلاف الكثير يدل على أن الأسفار التي بين أيديهم محرفة مبدلة؛ دس فيها ما دس، ونزع منها ما نزع، وشوه منها ما شوه. ويظهر من استقراء تاريخ اليهود أن فهم أكثرهم للذات العلية لم يكن في أكثر العصور مطابقا للتوحيد والتنزيه. وكأن نفوسهم لا تطمئن إلى عبادة إله لا يرونه. هذا، وقد حاول بعض اليهود أن يحمل تلك النصوص وأمثالها على المجاز. قال ابن كمونة في تنقيح الأبحاث ص٣٤ - ٣٥: "وأما استنشاق قتار القرابين، فهو كناية عن تقبلها، كما يقال: سمع الله دعاءه: بمعنى تقبله. ومن يفعل ما يفعله النادم يسمى نادما بالمجاز. وقد نطقت التوراة وكتب الأنبياء بأن الله لا يصح عليه الندم. فلا بد من حمل الندم المنسوب إليه على التأويل بما قلناه؛ وذلك أنه لما أهلك الخلائق بالطوفان، أخبر قبل ذلك أنه يهلكهم، وعبر عن ذلك بأنه ندم على خلقهم تمثيلا بمن يندم على شيء فعله ثم قال: وعلى مثل هذا تأويل كل ما ورد من ذلك وما يناسبه في كتب سائر الأنبياء الذين على ملة موسى، وفي كتب الأحبار والعلماء". اهـ. قلت: وما أقبح هذا المجاز، فإن نسبة الندم إلى الله سبحانه نقيصة يتنزه عنها، سواء كانت حقيقة أو مجازا. وكذلك النسيان والبداء وغير ذلك. ومهما حاول المدافعون من اليهود التستر عن هذه العورات والتشبث بالمجاز وغيره، فلن يغنيهم ذلك من الحق شيئا؛ لأن المجاز =
[ ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اللغوي هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي. وإلا فما المجاز في مصارعة الله ليعقوب حتى الفجر، وإعيائه من ذلك، وطلبه من يعقوب أن يتركه، وامتناع يعقوب من تركه إلا بعد أن يباركه؟ ما وجه المجاز هنا وما وجه الحقيقة؟! اتسع الخرق على الراقع. ولو أنك رأيت أسفار التلمود لرأيت عجبا من وصفها لله سبحانه بكثير من صفات الحوادث والنقص، من بكاء وعض أصابع ورمد وغفلة عن مختبئ يستمع إلى النياحة ونحو ذلك، ووصف لجسم الإله وضخامة أعضائه وغير ذلك كما في سفر توما. أما النصارى -وهم يعتقدون بهذه التوراة وسائر كتب الأنبياء، ويسمونها العهد القديم- فيزعمون أن الله سبحانه أعلن ذاته للإنسان في التوراة بوسائل مختلفة؛ لكي يدعوه إلى الإيمان به والعمل بوصاياه وانتظار الخلاص الذي هيأه له -أي بصلب المسيح كما يدعون- وقد تنوعت مظاهر إعلانه لذاته؛ فكان بعضها مباشرا، بأن يظهر للإنسان ويخاطبه في هيئة بشرية، وفي أثناء يقظته، أو في حلم في أثناء النوم. وكان بعضها الآخر غير مباشر بأن يرسل إليه ملكا يتراءى له ويخاطبه، أو يرسل إليه نبيا يوحي إليه بما يشاء من أوامر ونواه. اليهود لزكي شنودة ص٣٦٩ - ٣٧٠. وأنت ترى أنهم أعظموا الفرية على الله بادعائهم أنه تجسد فرآه بعض الناس بأعينهم وصارعه يعقوب. قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١]. قال زكي شنوده في كتابه ص٤٠٨: أراد الله أن يكون كلامه إلى اليهود قريبا من أفهامهم، فتنازل وخاطبهم باللغة التي يفهمونها، وأراد أن =
[ ١٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يكون تصويره لنفسه قريبا مداركهم، فتنازل وأعطى لهم الصورة التي يمكنهم أن يتصوروها، لعلهم يدركون طبيعته، ويعرفون شريعته، ويسيرون على مقتضى أحكامه. اهـ. والواقع أن قول اليهود وقول النصارى يدلان على اضطرابهم في الذات الإلهية، وعدم معرفة ما يليق بها وما لا يليق بعد أن ضاعت منهم النصوص الصحيحة أو حرفت. فاليهود وقعوا في التجسيم، ووصفوا الله سبحانه بكثير من صفات الإنسان الذي يعتريه ضعف ونقص؛ لضعف عقولهم كما ذكرت التوراة. والنصارى سلبوا منه الوحدانية، فجعلوه ثلاثة آلهة بثلاث مشيئات، ثم ادعوا أنهم موحدون. ثلاثة أقانيم -أي أصول- في أقنوم واحد. كل أقنوم له إرادة مستقلة، ومشيئة متميزة. واختلفوا في الطبيعة، غير أنهم اتفقوا على أن كلا من الابن والروح القدس إله تام من إله تام. فليسمع العقلاء. أما نحن المسلمين، فنؤمن بوحدانية الله المطلقة، لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته، ليس له صاحبة ولا ولد. ونؤمن بأسمائه وصفاته، فله الأسماء الحسنى، وله الصفات العلى الكاملة، لا شريك له في أسمائه وصفاته، هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء. قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، قائم بذاته غني عن العالمين، متصف بكل كمال منزه عن كل نقصان. ونؤمن بثبوت كل ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله -ﷺ- من الأسماء والصفات، بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورة: ١١] ونؤمن بانتفاء كل ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ. لأن ما أثبه الله لنفسه أو نفاه عنها، هو خبر أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه وأصدق قيلا. وما أثبته له رسوله -ﷺ- أو نفاه عنه، فهو خبر أخبر به عن الله، وهو أعلم الناس بربه، وأصدق الخلق وأفصحهم. أما العباد فلا يحيطون بربهم واجب الوجود علما.
[ ١٢٣ ]
ولسنا نرى أن هذه الكفريات كانت في التوراة المنزلة على موسى -﵇- ولا نقول أيضا: إن اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها، بل الحق أولى ما اتبع. ونحن نذكر الآن حقيقة سبب تبديل التوراة.
[ ١٢٤ ]