هم يزعمون أن المصطفى -ﷺ- كان قد رأى أحلاما تدل على أنه صاحب دولة، وأنه سافر إلى الشام في تجارة لخديجة -﵂- واجتمع بأحبار اليهود، وقص عليهم أحلامه، فعلموا أنه صاحب دولة -زعموا- فأصحبوه عبد الله بن سلام، فقرأ عليه علوم التوراة وفقهها مدة.
زعموا وأفرطوا في دعواهم، إلى أن نسبوا الفصاحة المعجزة التي في القرآن إلى تأليف عبد الله بن سلام١.
_________________
(١) ١ طفق أهل الكتاب قديما وحديثا يتهمون رسول الله -ﷺ- بأنه إنما تعلم من غيره، ثم لفَّق منه الدين الذي ادعاه: فزعمت النصارى أنه تعلم من الراهب بحيرا. وزعمت اليهود أنه تعلم من عبد الله بن سلام -﵁- كما ذكر المؤلف -﵀- والادعاء سهل، ولا سيما مع الضغن، لكن العقلاء إنما يعولون على الوقائع والبراهين. ومما يدل على بطلان دعواهم وتعسفهم فيها ما يلي:
(٢) أن أخبار محمد -ﷺ- منذ ولد إلى أن بعثه الله بالنبوة والرسالة ثم توفاه مستفيضة مشهورة متواترة، فقد ظهر أمره، وانتشرت أخباره أكثر من سائر أولاد آدم. وقد علم بالتواتر أنه -ﷺ- ولد في مكة المكرمة، ونشأ بها بعد أن =
[ ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كان مسترضعا في بني سعد بن بكر. وكانت مكة من الصغر بحيث يعرف أهلها بعضهم أخبار بعض معرفة تامة محيطة. ومن حكمة الله سبحانه أنه لم يكن فيها أحد من علماء أهل الكتاب مطلقا. بل كان قومه المشركون يرسلون في أول بعثته إلى البلاد التي فيها علماء من أهل الكتاب يسألونهم عن أمره. فيرسل اليهود إليهم بمسائل يمتحنون بها نبوته. والآيات التي نزلت في ذلك والأحاديث التي وردت كثيرة مشهورة. إن قومه المعادين له -وهم أعرف الناس بحاله من مولده إلى مبعثه- يعلمون حق العلم أنه -ﷺ- لم يتعلم لا من أهل الكتاب ولا من غيرهم، ولم يجتمع بأحد من علماء أهل الكتاب ممن يعرف اللسان العربي؛ لأنهم يعلمون أنه لم يغادر مكة قبل البعثة إلا مرتين تحت سمعهم وبصرهم: - مرة وهو صغير يقارب عمره اثني عشر عاما مع عمه أبي طالب في نفر من قريش، لم يفارقهم فيها حتى رآه الراهب بحيرا، فعرفه من صفاته، وألح على عمه أن يرده إلى مكة مخافة أن تعرفه يهود. فرده عمه إلى مكة. أخرج ابن أبي شيبة وابن إسحاق أنه لما بلغ -ﷺ- اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب -وعند رزين: في أشياخ من قريش- حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرا الراهب -واسمه جرجس- فعرفه بصفته، فقال: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ حجر ولا شجر إلا وخر ساجدا. ولا تسجد إلا لنبي، وأقبل، وعليه غمامة تظله، وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا. وسأل أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود، وعند رزين =
[ ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والترمذي: وجعل يناشدهم ألا يذهبوا به. ويقول: إن رأوه عرفوه بالصفة وآذوه. ثم قال: أنشدكم أيكم وليه؟ قالوا: هذا -يعنوني- فمازال يناشدني حتى رددته مع رجال. وزوده الراهب كعكا وزيتا. - ومرة أخرى وهو كبير مع ركب من قريش في تجارة، لم يفارقهم فيها أيضا، ولا خلا أو اجتمع بأحد دونهم، ولا سيما ميسرة غلام خديجة -﵂- فإنه كان مساعده في التجارة. ثم عاد وأخبر خديجة -﵂- بكل ما رآه من صدقه وأمانته وطيب نفسه وغير ذلك، مما مهد لزواجها منه فيما بعد. فإذا كان لم يسافر إلا هاتين السفرتين، ولم يره بحيرا إلا بعض نهار مع نفر من قريش، ولم يكلمه إلا كلمات يسيرة، يستخبرها بها عن حاله في حضور عمه وغيره. فكيف يتعلم هذه العلوم في سفرتين صغيرتين من بحيرا أو من غيره؟! علما بأن قومه المشركين كانوا أشد الناس عداوة له وحرصا على تكذيبه وإبطال أمره. ولو أنه تعلم من بشر لعلموا بذلك قطعا، ولطعنوا فيه وأظهروه لينفض عنه أتباعه بدلا من اضطهادهم أولا ثم محاربتهم. ولو حصل هذا بشهوده وبراهينه لتناقله الناس ووصل إلينا. فمع كمال علمهم بحاله يمتنع ألا يعلموا ذلك لو كان، ومع حرصهم على القدح فيه يمتنع ألا يقدحوا فيه، ولو قدحوا فيه من هذه الناحية لامتنع ألا يظهر ذلك ويصل إلينا؛ لأنه من أعظم ما تتوفر الدواعي على نقله وإشاعته. قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]. الجواب الصحيح ١/ ١٤١، ٣/ ٢٤ و٢٩ - ٣٠ و٢٦٢، ٤/ ٢٩ و٣٤ و٥٤ - ٥٥، إظهار الحق ٢/ ٥١ - ٥٢.
(٢) أنه من الثابت في التاريخ، بل قد نقل بالتواتر أن =
[ ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = محمدا -ﷺ- كان أميا لا يعرفه الكتابة ولا القراءة باللغة العربية، فضلا عن أن يحسن غيرها أو يشتغل بمدارسة العلماء. قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] فلم يقرأ في صحيفة، ولم يكتب شيئا بيده منذ ولد إلى أن توفاه الله. وإنما كان له كُتَّاب بعد البعثة، يكتبون له الوحي والرسائل. ولو كان ثمة شيء من ذلك لارتاب في أمره المبطلون من مشركي العرب فقالوا: لعله تعلمه من غيره، وكتبه بيده، ولارتاب أيضا المبطلون من أهل الكتاب فقالوا: إن الذي نجده في كتبنا أمي لا يكتب ولا يقرأ، وهذا يقرأ ويكتب. ومن المعلوم أن من يتعلم من غيره، إما أن يأخذه تلقينا وحفظا منه، وإما أن يأخذه من كتابه. ومحمد -ﷺ- لم يتعلم شيئا من أحد في حضر أو سفر بشهادة قومه المعادين له، ولم يكن يقرأ شيئا من الكتب لا نسخا ولا حفظا؛ لأنه أمي. الحواب الصحيح ١/ ١٤١ و٤/ ٣٤، إظهار الحق ٢/ ٥١ - ٥٢، الكشاف للزمخشري ٢/ ٤٩٨. ومن الجدير بالذكر أن التوراة وسائر أسفار العهد القديم لا يطلع عليها إلا علماء أهل الكتاب دون عوامهم كما هو معروف، وأن العهد القديم لم يكن مترجما إلى اللغة العربية في ذلك الوقت، إلا صفحات يسيرة كانت مع بعض علماء اليهود في الجزيرة العربية. وأول ترجمة إلى العربية جرت في أوائل العصر العباسي أو عند منصرم العصر الأموي. وليس ثمة قرائن تدل على وجود ترجمة عربية سابقة لظهور الإسلام كما ذكرت الموسوعة البريطانية. وقد قام بالترجمة عالم يهودي اسمه "سعدية بن يوسف" عاش ما بين عامي ٨٩٢ - ٩٤٢م في غير أن الترجمة كانت بأحرف عبرية. ثم قام من بعده "يافث بن علي" وهو يهودي من طائفة القرائين بترجمة ثانية إلى العربية في القرن العاشر الميلادي. وفي القرن =
[ ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الثالث عشر قام "أبو سعيد البركات" بترجمة ثالثة. غير أن تلك الترجمات تختلف عن بعضها كثيرا تبعا للأصل المترجم عنه. فقد يكون عبرانيا أو يونانيا أو سريانيا أو قبطيا أو لاتينيا كما فصلت الموسوعة البريطانية. التوراة بين الوثنية والتوحيد لسهيل ديب ص٢٦ - ٢٧.
(٢) أنه من المقطوع به أن المشركين من قريش وسائر العرب لم يكونوا يعرفون ما جاء به محمد -ﷺ- من أخبار وقصص وأحكام وتشريع وغير ذلك. بل كانوا أمة عارية حتى من العلوم العقلية. قل فيهم من يحسن القراءة والكتابة. قال ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]. أي: بعث في الأميين رسولا أميا مثلهم، يتلو عليهم آياته. ولو كان غير أمي، وقد نزلت هذه الآية وغيرها مما يدل على أنه أمي، لكذبه قومه، وفي مقدمتهم من آمن به. ولم يكن يومئذ بمكة مدرسة ولا كِتَاب مدون. فقد كانوا جاهلين بعائد الملل وتاريخ الأمم وعلوم الشرائع والفلسفة، بعكس اليونان والمصريين والصينيين وغيرهم. فما جاء به محمد -ﷺ- من الدين التام والتشريع الكامل العادل والعقيدة الثابتة وغير ذلك من آيات الله والحكمة، لا يمكن أن يكون مكتسبا من بشر، أو مستنبطا من فكر. بل إنما هو محض وحي من رب العالمين. قال تعالى عقب قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩]. فإذا كان قومه لا يعلمون ذلك، وهو -ﷺ- لم يعاشر إلا قومه، فكيف يتعلم منهم؟! وقومه يعلمون أنه لم يعاشر غيرهم. فمن ثم قامت الحجة عليهم وعلى من بلغه الأمر من بعدهم. الجواب الصحيح ٤/ ٢٣ =
[ ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = و٥٣، إظهار الحق ٢/ ٥٢، الكشاف ٢/ ٤٩٨.
(٢) أنه لو تعلم هذه الأمور من أهل الكتاب مع عداوتهم له وعداوته لهم، لأخبروا بذلك وأظهروه، لا سيما بعد أن هاجر إلى المدينة، وتأججت العداوة بينه وبينهم، ثم نال منهم وأجلاهم. وكل ما في الأمر أنهم كانوا يسألونه عن الغيوب وغيرها مما لا يعلمه إلا نبي إحراجا وتعجيزا، فيخبرهم ويتلو عليهم ما يوحيه إليه ربه. فآمنت طائفة منهم به وكفرت طائفة. والطائفتان ليس فيهم من يقول: إن هذا تعلمه منا أو من نظرائنا، أو قرأه في كتبنا، لا سيما وهو يفعل فيهم ما يفعل لغدرهم وتآمرهم في الخفاء. ومن أسلم منهم، فإنما كان يقبل على الحرمان والمقاطعة. ولو أنهم قالوا ذلك لنقل إلينا وعرف، فإنه من الحوادث التي تتوافر الهمم والدواعي على نقلها. الجواب الصحيح ٣/ ٢٥ و٤/ ٥٧ - ٥٨. عن صفوان بن عسال -﵁- قال: قال بعض اليهود لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي. فقال صاحبه: لا تقل: نبي. إنه لو سمعك كان له أربعة أعين. فأتيا رسول الله -ﷺ- فسألاه عن تسع آيات بينات؟ فقال لهم: "لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا الأدبار يوم الزحف، وعلكيم خاصة اليهود ألا تعدوا في السبت". فقبلا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي. فقال: ما يمنعكما أن تتبعاني؟ قالا: إن داود دعا ربه ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود. أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح.
(٣) لو أنه -ﷺ- تعلم من غيره لكان لا بد أن يعرفه ولو خواص الناس، وبالتالي لا بد أن يفشو ويشيع، حتى لو تواصوا بكتمانه عن =
[ ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = طريق الترغيب والترهيب. ولكان خواص أصحابه يعلمون في الباطن أنه كذاب، وإن صدقوه ظاهرا، مع أن الوقائع تثبت أن تصديقهم الظاهر والباطن له بلغ حد العجب لدى المشركين. وكان خواص أصحابه وأعلمهم بحاله أعظمهم محبة له وفداء، مع أنهم لاقوا باتباعه الأذى والحرمان، وعادى كثير منهم أباه وأخاه. بل إن رسول الله -ﷺ- بلغ الأنصار بأثرة يلقونها من بعده، وطلب منهم الصبر. ثم إن الصحابة -﵃- وقع بينهم خلف كبير بعد رسول الله -ﷺ- ولم يذكر أحد منهم شيئا من هذا القبيل البتة. الجواب الصحيح ٤/ ٢٥ و٥٥.
(٢) أن محمدا -ﷺ- أنزل عليه في القرآن ما لا وجود له عند أهل الكتاب مثل قصة هود وصالح وشعيب -﵈- ووردت كذلك بعض التفاصيل في القصص مما لا وجود له في كتبهم، مثل قصة إبراهيم وموسى، وإيمان امرأة فرعون، وسليمان، وعيسى وتكليمه الناس في المهد، ونزول المائدة على الحواريين وغير ذلك. حتى إنه قد نزل عليه ما صحح أخطاء لدى أهل الكتاب مثل نفي قتل المسيح وصلبه، وتبيان أن الذي صنع العجل لبني إسرائيل إنما هو السامري وليس هارون -﵇- وغير ذلك مما برئت به ساحة كثير من الأنبياء -﵈- ولو أن محمدا -ﷺ- كان يتعلم من أهل الكتاب لما زاد هذه الزيادات، ولما خطأهم في بعض ما ذكر في كتبهم حتى لا يفتح عليه باب معارضتهم؛ إذ لا يليق بالعاقل أن يقدم على فعل يمنعه من مطلوبه، ويبطل مقصوده من غير فائدة. الجواب الصحيح ٤/ ٥٤، إظهار الحق ٥١ - ٥٢. ومخالفة القرآن لبعض ما في كبت أهل الكتاب، إنما يرجع إلى كون هذه الكتب غير أصلية. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]. =
[ ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هذا. وقد قام العالم والمفكر الفرنسي الطبيب موريس بوكاي بمقارنة بين الروايات القرآنية وروايات التوراة فيما يختص بهذا الموضوع، فتبين له أن الآيات القرآنية لا صلة لها البتة بالعهد القديم، ولا علاقة لها بتلك الأوهام التي يبرزها المعلقون على التوراة. انظر كتابه "القرآن والتوراة والإنجيل والعلم" ص٤٠ - ٤٧ و٥٢ - ٥٤ و٢٤٤ - ٢٤٨ و٢٥٤ - ٢٧١. أما عبد الله بن سلام -﵁- الذي يزعمون أنهم أصحبوه النبي -ﷺ- فقرأ عليه علوم التوراة وفقهها مدة، فهو أحد أحبار اليهود في المدينة، وهو من سبط يوسف بن يعقوب -﵉- وإذا كان النبي -ﷺ- لم يغادر مكة المكرمة قبل البعثة إلا مرتين تحت سمع قريش وبصرها كما سلف. ثم بعث في مكة بعد أن بلغ الأربعين، ومكث في مكة ينزل عليه القرآن أكثر من عشر سنوات. فأين كان عبد الله بن سلام؟ وفي بيت من كان يختبئ؟ ثم هاجر رسول الله -ﷺ- إلى المدينة، فعادته يهود بمن فيهم عبد الله بن سلام. أخرج البخاري عن أنس -﵁- قال: بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله -ﷺ- المدينة، فأتاه وقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله ﷺ: "أخبرني بهن آنفا جبريل: أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت. وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة، فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها". قال: أشهد أنك رسول الله. ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك. فجاءت =
[ ١٥٤ ]
وزعموا أنه -أي عبد الله بن سلام- قرر في شرع النكاح أن الزوجة لا تستحل بعد الطلاق الثالث إلا بنكاح رجل آخر ليجعل
_________________
(١) = اليهود، ودخل عبد الله البيت. فقال رسول الله ﷺ: "أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ " قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول الله ﷺ: "أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ " قالوا: أعاذه الله من ذلك -زاد في رواية: فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك- قال: فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه. زاد في رواية: قال ابن سلام: هذا الذي كنت أخافه يا رسول الله. وإنما أسلم في المدينة المنورة في وقت شدة من الأمر، وقلة من المسلمين وضعف وحاجة، وأهل الأرض مطبقون على عداوتهم، واليهود والمشركون هم أهل الشوكة والسلاح. ثم أعز الله الإسلام وأهله وحاربهم النبي -ﷺ- بسبب غدرهم وتآمرهم ونقضهم العهود. ولم يأل عبد الله -﵁- جهدا في محاربة قومه اليهود وإعلام رسول الله -ﷺ- بعاداتهم ومكرهم. مات سنة ٤٣هـ في خلافة معاوية -﵁- وكان الصحابة -﵃- يرون أن فيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾. الاستيعاب ٣/ ٩٢١. فإذا كان رسول الله -ﷺ- لم يرَ عبد الله قبل الهجرة مطلقا. وقد نزل عليه أكثر الآيات فصاحة وإعجازا في مكة المكرمة. فكيف ينسبون الفصاحة المعجزة في القرآن إلى تأليف عبد الله بن سلام؟ ثم إن رسول الله -ﷺ- كانت تنزل عليه الآيات حضرا وسفرا بسبب سؤال ورد أو حادثة وقعت، وعبد الله بن سلام -﵁- بعيد كل البعد عن ذلك المكان، فكيف يعلمه؟!
[ ١٥٥ ]
بزعمهم أولاد المسلمين "ممزيريم". وهذه كلمة جمع، واحده "ممزير"، وهو اسم لولد الزنى؛ لأن في شرعهم أن الزوج إذا راجع زوجته بعد أن نكحت غيره، كان أولادها معدودين في أولاد الزنى١.
_________________
(١) ١ جاء في سفر التثنية ٢٤/ ١: إذا أخذ رجل امرأة، وتزوج بها، فإن لم تجد نعمة في عينيه؛ لأن وجد فيها عيب شيء، وكتب لها كتاب طلاق، ودفعه إلى يدها، وأطلقها من بيته. ٢٤/ ٢: ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر. ٢٤/ ٣: فإن أبغضها الرجل الآخر، وكتب لها كتاب طلاق، ودفعه إلى يدها، وأطلقها من بيته، أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتخذها له زوجة. ٢٤/ ٤: لا يقدر زوجها الأول الذي طلقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجست؛ لأن ذلك رجس لدى الرب. هذا ما عند اليهود. وذهب النصارى إلى منع الطلاق إلا لعلة الزنى: جاء في إنجيل متى ١٩/ ٣ - ٩: وجاء إليه الفريسيون ليجربوه قائلين له: هل يجوز للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟ فأجاب: أما قرأتم: أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى؟ وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه، ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدا واحدا. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان. قالوا له: فلماذا أوصى موسى أن يُعطى كتاب طلاق فتطلق؟ قال لهم: إن موسى، من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هذا. وأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنى، وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقة يزني. وجاء في إنجيل مرقس ١٠/ ٢ - ١٢: فتقدم الفريسيون وسألوه: هل يحل للرجل أن يطلق امرأته؟ ليجربوه. =
[ ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فأجاب: بماذا أوصاكم موسى؟ فقالوا: موسى أذن أن يكتب كتاب طلاق فتطلق. فأجاب يسوع: من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية. ولكن من بدء الخليقة ذكرا وأنثى خلقهما الله. من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه، ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدا واحدا. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان. ثم في البيت سأله تلاميذه عن ذلك أيضا فقال لهم: من طلق امرأته وتزوج بأخرى يزني عليها، وإن طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزني. وجاء في إنجيل لوقا ١٦/ ١٨: كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني، وكل من يتزوج بمطلقه من رجل يزني. اهـ. والحق الواقع أن في الطلاق هدما للأسرة وتمزيقا لشمل أفرادها، كما أن ضرره يتعدى الزوجين إلى الأولاد والأقارب. لكن إن لم تجد وسائل الإصلاح جميعها للتوفيق بين الزوجين كان الطلاق ضرورة لا مندوحة عنه. وذلك لدفع ضرر أكبر وتحصيل مصلحة أعظم، ألا وهي التفريق بين متباغضين من الخير أن يفترقا. لأن الشقاق والنزاع استحكم بينهما. ولذلك أباح الله سبحانه في شريعة محمد -ﷺ- الطلاق وجعله مكروها إلا لضرورات قاهرة وظروف استثنائية ملحة تجعله دواء وعلاجا للتخلص من شقاء يمتد إلى الأسرة كلها. وقد انفردت الشريعة الإسلامية بنظام المراجعة في الطلاق دون الشرائع الآخرى حرصا على إعادة الرباط بين الزوجين، وحفاظا على الذرية من الضياع والتشرد. قال ﷾: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ =
[ ١٥٧ ]
فلما كان النسخ مما لا ينطبع في عقولهم فهمه، ذهبوا إلى أن الحكم في شرع النكاح من موضوعات عبد الله بن سلام. قصد به أن يجعل أولاد المسلمين "ممزيريم" بزعمهم١.
_________________
(١) = يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٨ - ٢٣٠]. فالطلاق الذي تجوز به الرجعة مرتان. وقد دلت السنة المطهرة على أن تكون المرتان متفرقتين في طهرين، فيكون الزوج على بينة مما يأتي وما يذر. فإما أن يمسكها بالمعروف، فيحسن معاشرتها وصحبتها، وإما أن يدعها فتتزوج بمن شاءت لعلها تسعد بالزواج الثاني. فإذا طلقها الثالثة بعد أن راجعها مرتين، فلا تحل له حتى تتزوج بعد رجلا آخر -وهي التي يسميها الفقهاء بينونة كبرى- ولن يتفرق بالطلاق بعد هذه الروية وهذه الأناة إلا زوجان من الخير ألا يجتمعا لصالحهما ولصالح أولادهما. والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبا في المرأة قاصدا دوام عشرتها كما هو مقتضي الزواج، دون التحليل الذي وردت الأحاديث بذمة ولعن فاعله؛ أي: أن يكون زواجا صحيحا عن رغبة في دوامه. فإن طلقها الثاني بعد أن جربت الحياة معه وانقضت عدتها منه، فلا بأس أن تعود إلى الأول إن كان ثمة دلائل على الوفاق وطرح النزاع. هذه هي شريعة محمد -ﷺ- جمعت بين المثالية والواقعية دون أن يطغى جانب على جانب، فكان فيها العدل والاعتدال؛ ولذلك جعلها خاتمة الشرائع، فهي شريعة عامة شاملة أبدية دائمة ناسخة لكل ما خالفها من الشرائع السابقة. ١ من العجب أن يهود ينكرون على المسلمين في تشريعهم عودة المطلقة من زوجها الثاني بعد أن تنقضي عدتها إلى زوجها الأول، ويرون هذا العمل زنى. ولا ينكرون على أنفسهم ما يزعمون من أن الأخ إذا مات ولم يكن له عقب، فإن من الواجب على أخيه الآخر أن يدخل على زوجة المتوفى ويجامعها لتحمل منه، فإذا ولدت نسبوه إلى أخيه الميت، ودعوه ابنه كما سيأتي في فصل معرب عن بعض فضائحهم إن شاء الله.
[ ١٥٨ ]
فأما دفعهم لإعجاز القرآن للفصحاء، فليست بأعجب منه؛ إذ كانوا لا يعرفون من العربية ما يفرقون به بين الفصاحة والعي، مع طول مكثهم فيما بين المسلمين.
وأما رسول الله -ﷺ وشرف وكرم وعظم- فله فيما بينهم اسمان فقط. فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ أحدهما "فاسول". وتفسيره: الساقط. والثاني: "موشكاع". وتأويله: المجنون.
وأما القرآن العظيم، فإنه يسمى فيما بينهم "قالون" وهو اسم للسوءة بلسانهم. يعنون بذلك أنه عورة المسلمين وسوءتهم.
وبذلك وأمثاله صاروا أشد الناس عداوة للذين آمنوا. فكيف لا يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون؟! ١
_________________
(١) ١ من تتبع سيرة محمد -ﷺ- وتدبرها منذ ولد إلى أن بعثه الله نبيا، ومن حين بعث إلى أن انتقل إلى جوار ربه الكريم، وتدبر نسبه وأصله وفصله وما جرى معه وما انتهى إليه بتجرد وإنصاف، وصل إلى طمأنينة القلب بصدق هذا الرجل. فقد اجتمع له أمور لا يجتمع مثلها إلا لنبي. ومن ذلك ما يأتي:
(٢) شرف نسبه: فقد كان النبي -ﷺ- من أشرف العرب نسبا، من صميم سُلالة إبراهيم -﵇- الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، ثم من قريش صفوة بني إبراهيم، ثم من بني هاشم صفوة قريش. =
[ ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقد ذكر البخاري في ترجمة باب مبعث النبي -ﷺ- ونسبه فقال: هو محمد رسول الله -ﷺ- بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. اهـ. ولا خلاف في أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵍.
(٢) أخلاقه الكريمة: كان -ﷺ- أكمل الناس تربية؛ فلم يزل معروفا بالصدق والأمانة والبر والعدل والشفقة والتواضع وسائر مكارم الأخلاق، منذ ولد إلى أن مات. ولم يعرف له شيء يعاب به، لا في أقواله ولا في أفعاله. شهد له بذلك جميع من يعرفه قبل النبوة وبعدها ممن آمن به أو كفر. كما شهد له بذلك ربه سبحانه فأنزل عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، فلولا أنه كذلك لكذبه قومه بهذا الوصف. ولم يبعث بالنبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة، وهي سن الكمال ورجاحة العقل وانتهاء نزوات الطيش والطموح.
(٣) آياته ومعجزاته التي أجرها الله على يديه: فالآيات والبراهين الدالة على نبوة محمد -ﷺ- كثيرة متنوعة. وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، كما أنها لا تختص بحياته. بل منها ما كان قبل مولده، كالإرهاصات وبشارات الأنبياء به. ومنها ما كان قبل البعثة كتسليم الحجر عليه. ومنها ما كان بعد البعثة كالمعجزات المادية والمعنوية التي أجراها الله على يديه. ومنها ما كان بعد مماته كإخباره بالغيب؛ فقد أخبر عن أمور كثيرة وحوادث تقع في المستقبل. فمنها ما وقع في زمانه ورآها أصحابه على الوجه الذي أخبر. ومنها ما وقع بعد =
[ ١٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = زمانه فأتت كما قال. ومنها ما لم يقع حتى الآن، والمسلمون ينتظرون وقوعه. وأكتفي منه بذكر أمرين أخبر عنهما، ونحن ننتظر وقوعهما: عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- وسئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد لله بصندوق له حلق. قال: فأخرج منه كتابا. قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله -ﷺ- نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ: أي المدينتين تفتح أولا: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ: "مدينة هرقل تفتح أولا" يعني قسطنطينية. أخرجه أحمد في المسند وابن أبي شيبة والدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه المقدسي في كتاب العلم وقال: حسن الإسناد. وقد تحقق الفتح الأول على يد السلطان العثماني محمد الثاني المعروف بالفاتح -﵀- فقد فتحها وسماها "إسلام بول" أي: مدينة الإسلام. أما رومية هي روما عاصمة إيطاليا اليوم ومقر بابا النصارى الكاثوليك. ولتفتحن بإذن الله كما أن الشمس تشرق كل يوم. وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعالَ فاقتله. إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود" رواه البخاري ومسلم. ومن تقدير الله سبحانه أن الأوربيين عرضوا على اليهود أن يقيموا دولتهم في أستراليا فرضي بعضهم وأبَى أكثرهم، وأصروا على فلسطين واستكبروا استكبارا. وكان ما كان. ولا يعلم إلا الله متى يخلص المسلمون في جهادهم حتى يكون كله لله ليتحقق وعد الله. وإن ذلك =
[ ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لكائن بإذن الله كما أن الشمس تشرق كل يوم. ومن الطريف ما حدثني به فلسطيني يتردد إلى الأرض المحتلة أن اليهود يكثرون من زراعة شجر الغرقد، ولا سيما في مداخل المدن للزينة. والله غالب على أمره. ومن معجزاته الباقية إلى اليوم القرآن الكريم، بل هو معجزته الكبرى العلمية والعقلية؛ فهو كلام الله القديم، نزل به الروح الأمين على قلب محمد -ﷺ- ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المتحدَّى بأقصر سورة من سوره. عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر. وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" رواه البخاري ومسلم. ووجوه إعجاز القرآن الكريم كثيرة متنوعة أهمها ما يلي:
(٢) الإعجاز اللغوي: فقد جاء القرآن في الدرجة العالية من الفصاحة والبلاغة التي لم يعهد مثلها في تراكيب العرب. عرفها فصحاؤهم بسليقتهم فتقاصرت عنها درجة بلاغتهم. وهذه المعجزة ظاهرة أيضا في هذا الزمان لأهل اللسان وماهري علم البيان. ومن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها وأساليبها كان أعرف بإعجاز القرآن. تحدى العرب الذين هم الغاية في الفصاحة مرة بعد مرة فعجزوا عن معاوضته: أما تحديهم به، فقد تواترت الآيات والأخبار الدالة على ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وأما عجزهم، فلأن الدواعي كانت متوفرة على الإتيان =
[ ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بالمعارضة، وليس ثمة مانع منها، ولم يأتوا بها. فدل على عجزهم. مع أن الكلام والفصاحة فيه شعرا ونثرا كان شغلهم الشاغل قبل البعثة وبعدها. فكانوا يعقدون لذلك الندوات ويقومون في الأسواق العامة والمواسم السنوية بخطبهم وشعرهم، يتحدى بعضهم بعضا ويتحاكمون إلى كبرائهم. حتى إنهم علقوا القصائد السبع أو العشر بباب الكعبة تحديدا لمعارضتها. وإذا كانت معارضة القرآن الكريم مبطلة لأمر محمد -ﷺ- ودعوته، فما الذي صرفهم جميعا عن هذا التحدي القاسي؟ حتى رأوا أن سبيل الحرب والدماء أيسر عليهم من مقابلة تحدي القرآن. ولو أنهم أتوا بالمعارضة لكان اشتهارها أولى من اشتهار القرآن نفسه؛ لأن القرآن يصير حينئذ كالشبهة، وتكون تلك المعارضة كالحجة المسقطة أُبهة المدعى.
(٢) الإعجاز المعنوي: إن القرآن الكريم كتاب مشتمل على أنواع كثيرة في العلوم؛ فقد جمع علومًا كلية ومعارف جزئية، كما نبه على طرق الحجج العقلية بشكل لم يعهد في علم الشرائع قبله. والعلوم نوعان: دينية وغير دينية. والدينية تشمل علم العقائد وعلم الأعمال: فعلم العقائد أخبر فيه عن الله سبحانه وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وعن المعاد في اليوم الآخر والحساب والجنة والنار وغير ذلك. فليس في غيره من الكتب السماوية المتقدمة من خبر عن ذلك إلا وقد زاده بيانا وتفصيلا، وأتى به على أكمل وجه من دلائل وتفاريع وتفاصيل. بل قد أخبر عن أمور لا وجود لها في غيره من الكتب. وعلم الأعمال هو علم التكاليف المتعلقة بالظاهر والباطن وغير =
[ ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ذلك من الأخلاق ونحوها. ويدخل في ذلك علم المعاملات وما يتبعها. وقد جاء في القرآن الكريم من مباحث هذا النوع ما لم يأت في غيره، كما سيأتي في الإعجاز التشريعي إن شاء الله. أما العلوم غير الدينية، وهي العلوم التجريبية ونحوها، فقد بين الله سبحانه أنه سخر للإنسان ما في الأرض جميعا، وجعله خليفة فيها، وأمر بالنظر في السماوات والأرض والتفكر فيها، وضرب بعض الأمثلة العلمية، كما سيأتي في الإعجاز العلمي إن شاء الله. والقرآن متجدد في معانيه عند من تدبره. وأنعم النظر فيه بصدق وإخلاص، تتجلى فيه براهين الخالق، لدى كل قراءة، فتزيد المتدبر إيمانا وخشوعا. ويظهر تجدده من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية والأمثلة المضروبة، وغير ذلك مما أخبر عنه وبينه من الدلائل. فقد جادل المكذبين والمعاندين ورد على أرباب الضلالات بأنواع من الحجج والبراهين، وقرر الشرائع الكلية التي بعث بها الرسل. كل ذلك بعبارات سهلة المباني مختصرة المعاني. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]. والأمثال المضروبة في القرآن منها ما يصرح فيه بتسميته مثلا، ومنها ما لا يصرح فيه بذلك. فثبت أن القرآن الكريم جامع لجميع العلوم النقلية والعقلية أصولها وفروعها.
(٢) الإعجاز السماعي: والقرآن له إعجاز نفسي عجيب لدى القارئ والسامع، فهو متجدد عند قارئه يقرؤه فلا يسأمه، وعند سامعه يسمعه فلا يمله. بل إن تكراره يوجب زيادة محبته بخلاف غيره. أضف إلى ذلك الخشية التي تلحق قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتري تاليه؛ ولذلك كان يأخذ العرب وغيرهم بروعته وبيانه، فلا يملكون أنفسهم عن =
[ ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = سماعه. قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣] أي: إذا سمعوا القرآن فاضت أعينهم لمعرفتهم الحق وتأثرهم بكلام الله الجليل.
(٢) الإعجاز العلمي: إن وجوه إعجاز القرآن لا تقف عند الحد الذي ذكره الأقدمون. بل هو متجدد في معانيه كما سلف. وإن أهل العلم ليكتشفون كل يوم في الكون ما كان مجهولا بالأمس. فما يهل على الناس عصر حتى تتكشف لهم معاني القرآن في بعض النواحي أكثر مما تكشفت لأسلافهم. غير أن القرآن الكريم لا يهدف إلى عرض القوانين التي تسود نظام الكون في ميادين العلوم المتنوعة. بل إن له هدفا دينيا جوهريا معروفا في إسعاد الإنسان في حياتَيْه معا. ومع ذلك فإنه يذكر أنواعا كثيرة من الحقائق العلمية والظاهرات الطبيعية، أتت الاكتشافات العلمية الحديثة مؤيدة لها. مع أنها لم تكن في عصر التنزيل تخطر على قلب بشر. وإنما يرمي القرآن الكريم من ذكر هذه الوقائع العلمية أن تكون إشارات ودعوات للملاحظة الإنسانية كي تدرك من ورائها عظمة الخلاق الحكيم. قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقال جل شأنه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. ومن الجدير بالذكر أن الحقيقة العلمية لا تتعارض مع الحقيقة القرآنية البتة؛ لأن الحقيقة العلمية بمعناها الصحيح مخلوقة من قبل الله وحده. والعلماء إنما يحاولون اكتشافها ومعرفتها واستغلالها. والقرآن الكريم كلام الله خالق الأكوان والعوالم. فأنَّى يأتي التعارض؟! وإذا ما ظهر لأحد تعارض، فإن هذا ناتج عن خطأ في فهم إحدى =
[ ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الحقيقتين قطعا، ولا بد من إعادة النظر من جديد.
(٢) الإعجاز التشريعي: جاء القرآن بتشريع كامل شامل عادل صالح لكل زمان ومكان جمع بين المثالية والواقعية من غير أن تطغى إحداهما على الأخرى. فقد اشتمل على كثير من المبادئ السامية التي تدل على عظمته وأصالته كما شهد بذلك علماء القانون من مسلمين وغيرهم. ومن هذه المبادئ ما يلي: أ- مبدأ حرية العقيدة والرأي: ويتجلى ذلك في حسن معاملة أهل الذمة وسائر المعاهدين وعدم المساس بمعتقداتهم وأعراضهم وأموالهم. ب- قواعد عادلة في المعاملات بين الناس. ج- تشريعات راسخة في النواحي المدنية "القانون المدني". د- قوانين رحيمة حكيمة في الأحوال الشخصية. هـ- تشريعات جمعت بين المثالية والواقعية في القصاص والحدود والتعزير "القانون الجزائي". وأصول جمعت بين العدل والرحمة في معاملة الأمم الأخرى سلما وحربا "القانوني الدولي". ز- إرشادات أخلاقية وسلوكية في معاملة الأرحام والجيران وغيرهم من أصحاب الحقوق. أضف إلى ذلك أن القرآن الكريم يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحل الطيبات من مأكل ومشرب ومنكح، ويحرم الخبائث منها. لم يبق معروف تعرف العقول السليمة أنه معروف إلا أتى به. ولا منكر تعرف العقول السليمة أنه منكر إلا نهى عنه. ولم يأمر بشيء، فقيل: ليته لم يأمر به، ولم ينه عن شيء، فقيل: ليته لم ينه عنه، وأحل الطيبات، لم يحرم شيئا منها كما حرم في غيره، وحرم الخبائث، لم يحل شيئا منها كما استحلها غير أتباعه. بل جمع محاسن كتب الأمم =
[ ١٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السابقة كلها، فليس فيها إيجاب لعدل، وقضاء بفضل، وترغيب في حسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه. والمعجزة الكبرى إنما تتجلى في أنه كيف استطاع هذا الأمي الذي ولد في أمة أمية وعاش في بلدة ليس فيها مدرسة ولا كتاب مدون. كيف استطاع أن يأتي في القرآن والسنة المبينة له بنظام كامل عادل شامل للفرد والأسرة والمجتمع، وبنظام شامل أيضا للحكم وعلاقات الأمم، وبنظام لعلاقات الناس بينهم وبين ربهم، بشكل أعجز الخلق عن مجاراته في أي جانب من جوانبه أو ناحية من نواحيه. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. الجواب الصحيح ٤/ ٧٤ و٧٨ و٨٣ - ٨٤، إظهار الحق ٢/ ٥٢ - ٥٤.
[ ١٦٧ ]