ومن الفضائح التي عندهم مذهبهم في قصة البياما والحالوص؛ وذلك أنهم أمروا إذا أقام أخوان في موضع واحد، ومات أحدهما ولم يعقب ولدا، فلا تخرج امرأة الميت إلى رجل أجنبي، بل ولد حميها ينكحها. وأول ولد يولد لها ينسب إلى أخيه الدارج. فإن أبى أن ينكحها شكته إلى مشيخة قومها قائلة: "قد أبى ابن حمي أن يستبقي لأخيه في إسرائيل، ولم يرد نكاحي". فيحضر الحاكم هناك، ويكلفه أن يقول: "لوحا فصتي لقتحاه". تفسيره: ما أردت نكاحها. فتتناول المرأة نعله، فتخرجها من رجله، وتمسكها بيدها، وتبصق في وجهه، وتنادي عليه: "كاخا ييأسي لا ايش اشير لو بيني اث بيت احيوا". تفسيره: كذا فليصنع بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه. ويدعى اسمه فيما بعد بالمخلوع النعل. وينبز بيته بهذا اللقب -أعني بيت المخلوع النعل- هذا كله مفترض في التوراة عليهم١. وفيه حكمة ملجئة للرجل
_________________
(١) ١ جاء في سفر التثنية ٢٥/ ٥: إذا سكن إخوة معا، ومات واحد منهم، وليس له ابن، فلا تصير امرأة الميت إلى خارج لرجل أجنبي. أخو زوجها يدخل عليها، ويتخذها لنفسه زوجة، ويقوم بواجب أخي الزوج. ٢٥/ ٦: والبكر الذي تلده يقوم باسم أخيه الميت. لئلا يمحى اسمه من إسرائيل. =
[ ١٧٩ ]
إلى نكاح زوجة أخيه الدارج. لأنه إذا علم أنه قد فرض على المرأة أن تشتكيه إلى نادي قومها، فذلك مما يحمله على نكاحها، فإن لم يردعه الحياء من ذلك فربما إذا حضر استحى أن يقول: ما أردت نكاحها. فإن لم يخجله ذلك فلربما يستحي من انتهاك العرض بخلع نعله، وكون المرأة تشيل نعله، وتبصق في وجهه، وتنادي عليه بقلة البركة والمروءة. فإن هو استهان بذلك فربما استعظم أن ينبز باللقب، ويبقى عليه وعلى آله من بعده عار وقبح اسمه، فيلجئه ذلك إلى نكاحها. فإن كان من الزهد فيها بحيث يهون عليه جميع ذلك، فقد فرق الشرع بينهما بعد ذلك.
_________________
(١) = ٢٥/ ٧: وإن لم يرض الرجل أن يأخذ امرأة أخيه، تصعد امرأة أخيه إلى الباب إلى الشيوخ وتقول: قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسما في إسرائيل، لم يشأ أن يقوم لي بواجب الزوج. ٢٥/ ٨ - ٩: فيدعونه شيوخ مدينته، ويتكلمون معه. فإن أصر وقال: لا أرضى أن أتخذها، تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ، وتخلع نعله من رجله، وتبصق في وجهه، وتصرح وتقول: هكذا يفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أبيه. ٢٥/ ١٠: فيدعى اسمه في إسرائيل: بيت مخلوع النعل. وسبق في بحث "افتراؤهم على الأنبياء" ادعاؤهم أن يهوذا بن يعقوب أمر بنيه بمثل هذا، ثم زنى بكنته. لكن الطريف في تشريعهم ما في الفقرة التالية: ٢٥/ ١١ - ١٢: إذا تخاصم رجلان بعضهما بعضا رجل وأخوه، وتقدمت امرأة أحدهما لكي تخلص رجلها من يده ضاربه، ومدت يدها، وأمسكت بعورته، فاقطع يدها، ولا تشفق عينك. اهـ. ومن العجيب أنهم لم يحكموا بقطع الممسوك أيضًا!
[ ١٨٠ ]
وليس في التوراة غير هذا. ففرَّع فقهاؤهم على ذلك ما فيه خزيهم وفضيحتهم. وذلك أنه إذا زهدت المرأة في نكاح أخي زوجها المتوفى، أكرهوه على النزول عنها، ثم ألزموها الحضور عند الحاكم بمحضر من مشيختهم، ولقنوها أن تقول: "ميابن سيامي لها فيما حبوشيم يسرائيل". تفسيره: "أبى ابن حمي أن يقيم لأخيه اسما في إسرائيل، ولم يرد نكاحي". فيلزمونها بالكذب عليه؛ لأنه أراد فمنعته، وكان الامتناع منها والإرادة منه. وإذا لقنوها تلك الألفاظ فهم يأمرونها بالكذب، ويحضرونه ويأمرونه بأن يقول: "لوحا فاصتي لقحتاه" تفسيره: ما أردت نكاحها. ولعل ذلك خلاف سؤله ومناه. فيأمرونه أن يكذب.
وأما خلع نعله وبصقها في وجهه فغاية التعدي؛ لأنه ما كفاهم أن كذبوا عليه وألزموه بأن يكذب، حتى ألزموه عقابا على ذنب لم يجنه. فصاروا كما قال الشاعر:
وجرم جره سفهاء قوم فحل بغير جانيه العقاب
[ ١٨١ ]