بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا الله، عدة للقاء الله
أما بعد، حمد الله على ما ألهم من الهداية، وعصم من الغواية، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين.
فإن سبيل من فُضِّل بالفطانة والرشاد، أن يجد في البحث عن أحوال المعاد، والتأمل لما أخذه الآباء والأجداد، بعين الامتحان والانتقاد؛ فإن رآه فضيلة سما لإدراكها، وإن ألفاه رذيلة نجا من أشراكها١؛ لتضحى حقائبه بطانًا من الزاد٢؛ فإن هاتف الموت لبالمرصاد، ولن تُحمد العقبى لمضيِّع في تحصين شرعه، وموزع مواقيته على ما ينقاد إليه بطبعه. ولن يظفر بضالة الحق إلا ناشدوها٣. ولن يهدج٤ الأباطيل على أنفسهم إلا معتدوها.
والغرض الأقصى من إنشاء هذه الكلمة: الرد على أهل اللجاج والعناد٥، وأن يظهر ما يعتور كلمتهم من الفساد. على أن الأئمة
_________________
(١) ١ جمع شَرَك -بفتحتين- أي حبالة الصياد، الواحدة شركة. ٢ أي: مملوءة بالإيمان والعمل الصالح. ٣ الضالة: ما ضل من البهيمة. والناشد: طالب الضالة. والمراد: الباحث عن الحق. ٤ هدج وتهدج: تكلم بصوت فيه تقطع وارتعاش. ٥ المراد بذلك اليهود لاشتهارهم بذلك.
[ ١٧ ]
-ضوعف ثوبهم- قد انتُدبوا لذلك، وسلكوا في مناظرتهم اليهودَ أنواع المسالك. إلا أن أكثر ما نوظروا به لا يكادون يفهمونه، أو لا يلتزمونه.
وقد جعل الله إلى إفحامهم طريقًا مما يتداولونه في أيديهم، من نص تنزيلهم، وإعمالهم كتاب الله عند تبديلهم؛ ليكون حجة عليهم موجودة في أيديهم، وهذا أول ما ابتدئ به من إلزامهم:
[ ١٨ ]