نقول لهم: فهل أنتم اليوم على ملة موسى ﵇؟
فإن قالوا: نعم. قلنا لهم: أليس في التوارة "أن من مس عظما، أو طئ قبرا، أو حضر ميتا عند موته، فإنه يصير من النجاسة في حالة لا طهارة له منها إلا برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها"؟ فلا يمكنهم مخالفة ذلك؛ لأن نصُّ ما يتداولونه١.
_________________
(١) ١ إن مس الميت وما يتعلق به نجاسة مغلظة عندهم، تحتاج إلى طهارة خاصة. جاء في سفر الأحبار "اللاويين" ٢١/ ١ - ٣: وقال الرب لموسى: كلم الكهنة بني هارون، وقل لهم: لا يتنجس أحد منكم لميت في قومه، إلا لأقربائه الأقرب إليه: أمه وأبيه وابنه وابنته وأخيه وأخته العذراء القريبة التي لم تصر لرجل، لأجلها يتنجس. وجاء في سفر العدد ١٩/ ١ - ٤: وكلم الرب موسى وهارون قائلا: هذه فريضة الشريعة التي أمر بها الرب قائلا: كلم بني إسرائيل أن يأخذوا إليك بقرة حمراء صحيحة لا عيب فيها، ولم يعلُ عليها نِير، فتعطونها لأَلِعازارَ الكاهن، فتخرج إلى خارج المحلة، وتذبح قدامه. ويأخذ ألعازار الكاهن من دمها بإصبعه، وينضح من دمها إلى جهة وجه =
[ ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = خيمة الاجتماع سبع مرات. ١٩/ ٥، ٦: وتحرق البقرة أمام عينيه، يحرق جلدها ولحمها ودمها مع فرثها. ويأخذ الكاهن خشب أرز وزوفا وقِرْمِزًا ويطرحهن في وسط حريق البقرة. ١٩/ ٧، ٨: ثم يغسل الكاهن ثيابه، ويرحض جسده بماء. وبعد ذلك يدخل المحلة، ويكون نجسا إلى المساء. والذي أحرقها يغسل ثيابه بماء، ويرحض جسده بماء، ويكن نجسا إلى المساء. ١٩/ ٩: ويجمع رجل طاهر رماد البقرة، ويضعه خارج المحلة في مكان طاهر، ويكون محفوظا لجماعة بني إسرائيل لأجل ماء النضح. إنها ذبيحة خطية. ١٩/ ١٠: والذي يجمع رماد البقرة يغسل ثيابه، ويكون نجسا إلى المساء. فتكون لبني إسرائيل وللغريب النازل في وسطهم فريضة دهرية؛ أي: فيكون ذلك الرماد رسم الدهر لهم. ١٩/ ١١، ١٢: من مس ميتا، ميتة إنسان ما يكون نجسا سبعة أيام. يتطهر بهذا الماء في اليوم الثالث، وفي اليوم السابع يكون طاهرا. وإن لم يتطهر في اليوم الثالث، ففي اليوم السابع لا يكون طاهرا. ١٩/ ١٣: كل من مس ميتا ميتة إنسان قد مات، ولم يتطهر، يُنجِّس مسكن الرب. فتقطع تلك النفس من إسرائيل؛ لأن ماء النجاسة -أي النضح- لم يرش عليها. تكون نجسة ونجاستها لم تزل فيها. ١٩/ ١٤، ١٥: هذه هي الشريعة؛ إذا مات إنسان في خيمة، فكل من دخل الخيمة، وكل من كان في الخيمة يكون نجسا سبعة أيام. وكل إناء مفتوح ليس عليه سداد بعصابة فهو نجس. ١٩/ ١٦: وكل من مس على وجه الصحراء قتيلا بالسيف أو ميتا أو عظم إنسان أو قبرا يكون نجسا سبعة أيام. =
[ ٣٤ ]
فنقول لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟ فيقولون: لا نقدر على ذلك.
فنقول لهم: فكيف جعلتم أن من لمس العظم والقبر والميت فهو طاهر، يصلح للصلاة وحمل المصحف، والذي في كتابكم خلافه؟
فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة، وهي رماد البقرة، والإمام المطهر المستغفر.
قلنا: فهل ترون هذا الأمر مع عجزكم عنه مما تستغنون عنه في الطهارة أو لا؟
_________________
(١) = ١٩/ ١٧ - ١٩: فيأخذون للنجس من غبار ذبيحة الخطية، ويُصب عليه ماء معين في إناء. ويأخذ رجل طاهر زوفا، ويغمسها في الماء، وينضحه على الخيمة وعلى جميع الأمتعة وعلى الأنفس الذين كانوا هناك، وعلى الذي مس العظم أو القتيل أو الميت أو القبر. ينضح الطاهر على النجس في اليوم الثالث واليوم السابع، ويطهره في اليوم السابع، فيغسل ثيابه ويرحض بماء، فيكون طاهرًا في المساء. ١٩/ ٢٠، ٢١: وأما الإنسان الذي يتنجس ولا يتطهر، فتُباد تلك النفس من بين الجماعة؛ لأنه نَجَّس مقدس الرب. ماء النجاسة -أي النضح- لم يرش عليه. إنه نجس. فتكون لهم فريضة دهرية. اهـ. هذا هو طَهور أحدهم إذا مس ميتا أو ما يتعلق به أو ما يحيط به: ماء ممزوج برماد حريق تلك البقرة التي ذبحت وأحرقت أمام الكاهن الهاروني، ثم جُمع رمادها وحفظ خارج المحلة في مكان طاهر. فأين المحلة وأين ذلك الرماد اليوم؟ فإن استغنوا عن ذلك مع عجزهم عنه فقد أقروا بالنسخ. وإلا كانوا أنجاسًا أبدًا، ويجب أن يبادوا. وما أكثر ما ينقلون رفات جنودهم اليوم وسائر من قتل أو مات منهم في أرض لا يريدونها إلى فلسطين المحتلة. فهل وجدوا ذلك الرماد في الحفريات؟
[ ٣٥ ]
فإن قالوا: نعم، قد نستغني عنه، فقد أقروا بالنسخ لتلك الفريضة لحال اقتضاها هذا الزمان.
وإن قالوا: لا نستغني في الطهارة عن ذلك الطهور، فقد أقروا بأنهم الأنجاس أبدا ما داموا لا يقدرون على سبب الطهارة.
فنقول لهم: فإذا كنتم أنجاسا على رأيكم وأصولكم، فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيام اعتزالا تُفرطون فيه إلى حد أن أحدكم لو لمس ثوبه ثوب المرأة الحائض لاستنجستموه مع ثوبه؟ ١
_________________
(١) ١ جاء في سفر اللاويين ١٥/ ١٩، ٢٠: وإذا كانت امرأة لها سيل، وكان سيلها دما في لحمها، فسبعة أيام تكون في طمثها، وكل من مسها يكون نجسا إلى المساء، وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجسا، وكل ما تجلس عليه يكون نجسا. ١٥/ ٢١، ٢٢: وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء، ويكون نجسا إلى المساء. وكل من مس متاعا تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء، ويكون نجسا إلى المساء. ١٥/ ٢٣: وإن كان على مضجعها أو على ما هي جالسة عليه شيء، فإن لمسه يكون نجسا إلى المساء. ١٥/ ٢٤: وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسا سبعة أيام. وكل فراش يضطجع عليه يكون نجسا. ١٥/ ٢٥: وإذا كانت امرأة يسيل سيل دمها أياما كثيرة في غير وقت طمثها، أو إذا سال بعد طمثها، فتكون كل أيام سيلان نجاستها كما في أيام طمثها. إنها نجسة. ١٥/ ٢٨: وإذا طهرت من سيلها تحسب لنفسها سبعة أيام ثم تطهر. ١٥/ ٢٩: وفي اليوم الثامن تأخذ لنفسها يمامتين أو فرخي حمام، وتأتي بهما إلى الكاهن إلى باب خيمة الاجتماع. ١٧/ ١٩: ولا تقترب إلى امرأة في نجاسة طمثها لتكشف عورتها.
[ ٣٦ ]
فإن قالوا: لأن ذلك من أحكام التوراة.
قلنا: أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة؟ فإذا كانت الطهارة قد فاتتكم، فإن النجاسة التي أنتم فيها على معتقدكم لا ترتفع بالغسل كنجاسة الحيض، فهي لذلك أشد من نجاسة الحيض، ثم إنكم ترون أن الحائض طاهرة إذا كانت من غير ملتكم، ولا تستنجسون لامسها ولا الثوب الذي تلمسه. وتخصيص الأمر -أعني نجاسة الحائض بطائفتكم- مما ليس في التوراة، فهذا كله منكم نسخ أو تبديل.
فإن قالوا: إن هذا وإن كان النص غير ناطق به فقد جاء في الفقه.
قلنا لهم: فما تقولون في فقهائكم؛ هل الذي اختلفوا فيه من مسائل الخلاف والمذهب -على كثرتها لديكم- كان ثمرة اجتهاد واستدلال منقولا بعينه؟ فهم يقولون: إن جميع ما في كتب فقهنا نقله الفقهاء عن الأحبار عن الثقات من السلف عن يوشع بن نون عن موسى الكليم -﵉- عن الله تعالى. فيلزمكم في هذا أن المسألة الواحدة التي اختلف فيها اثنان من فقهائكم أن يكون كل واحد منهما ينقل مذهبه فيها نقلا مستندا إلى الله ﷿. وفي ذلك من الشناعة اللازمة أن يجعلوا الله قد أمر في تلك المسألة بشيء وخلافه. وهو النسخ الذي يدفعونه بعينه.
فإن قالوا: إن الخلاف غير مستعمل؛ لأن الأولين كانوا بعد
[ ٣٧ ]
اختلافهم في المذهب في المسألة يرجعون بها إلى أصل واحد هو المقطوع به.
قلنا: إن رجوعهم بعد الاختلاف إلى الاتفاق على مذهب واحد، إما لأن أحدهم رجع عما نقل، أو طعن في نقله، فيلزمه السقوط عن العدالة. ولا يجوز لكم أن تعاودوا الالتفاف إلى نقله، وإما أن يكون الفقهاء اجتمعوا على نسخ أحد المذهبين، أو تكون رواية أحدهما ناسخة لرواية الآخر. وما من الفقهاء إلا قد ألغى مذهبه في مسائل كثيرة. وهذا جنون ممن لا يقر بالنسخ، ولا يرى كلام أصحاب الخلاف اجتهادا ونظرا. بل نقلا محضا١.
_________________
(١) ١ الفقه لغة: الفهم. واصطلاحا: العلم بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية. والاجتهاد لغة: بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال؛ ولا يستعمل إلا فيما فيه مشقة. واصطلاحا: بذلك الوسع في النظر في الأدلة للحصول على القطع أو الظن بحكم شرعي. والحق في قول واحد من المجتهدين المختلفين، لكن المخطئ في الفروع التي ليس فيها دليل قطعي معذور، وعبادته مقبولة بفضل الله. قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. وقال ﵊: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر". وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وعن ثوبان -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" رواه مسلم وأبو داود والترمذي. وعن سلمة بن نفيل الكندي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله" أخرجه أحمد والنسائي.
[ ٣٨ ]
إلزامهم النسخ بوجه آخر:
نقول لهم: ما تقولون في صلواتكم وصومكم؟ هل هي التي فارقكم عليها موسى ﵇؟
فإن قالوا: نعم. قلنا: فهل كان موسى وأمته يقولون في صلاتهم كما تقولون: "تقاع شوفار كاذول لحيروا ثلتووسانيس لقبو صينو وقصلنو باحد تياره باع كنفوث ها أرص نوى قد شيخا يا روح أتا أدوناي مقبيص ندحى عموا يا روح برائل"؟
تفسيره: اللهم اضرب ببوق عظيم لعتقنا، واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع تشتيت قوم بني إسرائيل.
أم هل كانوا على عهد موسى -﵇- يقولون كما تقولون في كل يوم: "هاشيب شوفطينو كبار شيونا ويوعصينو كبتحلا وبن أشير برشالايم عير قد شخا يحيتوونا حمينو بلسنا ناياروخ أنا أدوناي بوي بروشالايم"؟
تفسيره: رد حكامنا كالأولين، ومسراتنا كالابتداء، وابن يروشلم قرية قدسك في أيامنا، وأعزنا ببنائها، سبحانك يا باني يروشليم.
أَمَا هذه فصول شاهدة بأنكم لفقتموها بعد زوال الدولة؟ ١
_________________
(١) ١ سيذكر المؤلف -﵀- في آخر باب "ذكر السبب في تبديل التوراة" أن الفرس كثيرا ما منعوا اليهود عن الصلاة لمعرفتهم بأن معظم صلوات =
[ ٣٩ ]
وأما صوم إحراق بيت المقدس وصوم حصاره وصوم كداليا الذي جعلتموه فرضا. هل كان موسى -﵇- يصومها وأمر بها، هو أو خليفته يوشع؟ أو صوم صلب هامان؟ هل هذه الأمور مفترضة بالتوراة، أو زيدت لأسباب اقتضت زيادتها في هذه الأعصار؟
فإن قالوا: وكيف يلزمنا النسخ بهذه الآي؟ قلنا: لأن التوراة بهذه الآية نطقت، وهي: "لوثوا سيفوا عل هدا باراشيرا نوضي مصوي أتخيم ولوتغر عد ممينو".
تفسيره: لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا، وإذا زدتم أشياء من الفرائض، فقد نسختم تلك الآية١.
_________________
(١) = هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار وعلى العالم بالخراب سوى بلادهم التي هي أرض كنعان. فلما رأت اليهود الجد من الفرس في منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية زعموا أنها فصول من صلاتهم، وسموها الخزانة، وصاغوا لها ألحانا عديدة، وصاروا يجتمعون في أوقات صلواتهم على تلحينها وتلاوتها. والفرق بين هذه الخزانة وبين الصلاة: أن الصلاة بغير لحن، وأن المصلي يتلو الصلاة وحده، وأما الخزانة فيشارك جماعة في الجهر بها، ويعاونونه في الألحان. وكانت الفرس إذا أنكرت ذلك منهم زعمت اليهود أنهم يغنون أحيانا، وينوحون على أنفسهم أحيانا أخرى، فتركوهم وذاك. ثم صارت الخزانة عندهم من السنن المستحبة؛ بل إنهم في الأعياد والمواسم والأفراح يستغنون بها عن الصلاة من غير ضرورة. ١ جاء في سفر التثنية ٤/ ١: فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها ٤/ ٢: لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به، ولا تنقصوا منه؛ لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها.
[ ٤٠ ]
إثبات النسخ على وجه آخر:
نقول لهم: أليس عندكم أن الله اختار من بني إسرائيل الأبكار ليكونوا خواص في الخدمة للأقداس؟ ١
فيقولون: بلى.
فنقول لهم: أليس عندكم أيضا أن موسى -﵇- لما نزل من الجبل، ومعه الألواح، ووجد القوم عاكفين على العجل، وقف بطرف المعسكر ونادى: من كان لله تعالى فليحضرني. فانضم إليه بنو لاوى، ولم ينضم إليه البكور؛ إذ هم خاصة الله يومئذ، دون أولاد لاوى. فلما خذله البكور ونصره أولاد لاوى، قال الله لموسى: "وأقاح اث هلويم ثاحث كل نحور بني إسرائيل"؟
تفسيره: وقد أخذت اللاويين عوضا عن كل بكر في بني إسرائيل٢.
_________________
(١) ١ جاء في سفر الخروج ١٣/ ١، ٢: وكلم الرب موسى قائلا: قدس لي كل بكر كل فاتح رحم من بني إسرائيل من الناس ومن البهائم، إنه لي. ١٣/ ١١ - ١٣: ويكون متى أدخلك الرب أرض الكنعانيين أنك تقدم لرب كل فاتح رحم ولك بكر من نتاج البهائم التي تكون لك. الذكر للرب. ولكن كل فاتح رحم ولك بكر من نتاج البهائم التي تكون لك. الذكور للرب. ولكن كل بكر حمار تفديه بشاة. وإن لم تفده، فتكسر عنقه. وكل بكر إنسان من أولادك تفديه. ١٣/ ١٤ - ١٦: ويكون متى سألك ابنك غدا قائلا: ما هذا؟ تقول له: بيد قوية أخرجنا الرب من مصر من بيت العبودية. وكان لما تقسى فرعون عن إطلاقنا أن الرب قتل كل بكر في أرض مصر، من بكر الناس إلى بكر البهائم؛ لذلك أنا أذبح للرب الذكور من كل فاتح رحم. وأفدي كل بكر من أولادي. ٢ جاء في سفر الخروج ٣٢/ ١ - ٥: ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من =
[ ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الجبل، اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا .. فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وائتوني بها .. فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل عجلا مسبوكا. فقالوا: هذه آلهتك يإسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر. فلما نظر هارون بنى مذبحا أمامه، ونادى: غدا عيد الرب. اهـ. وهكذا اتهم واضعو التوراة هارون -﵇- بصنع العجل وبناء مذبح له وغير ذلك. وقد ذكر الله سبحانه تفاصيل هذه القصة في سورتي الأعراف ١٤٨ - ١٥٢، وطه ٨٣ - ٩٨، وبين أن الذي صنع العجل وفتنهم به إنما هو السامري [الشمروني]، وأن هارون -﵇- لم يأل جهدا في نهيهم ونصحهم؛ لكنهم أصروا على عبادة العجل ولم يستجيبوا له. وأن كل ما أخذه موسى على أخيه هارون -﵉- أنه لم يتركهم ويلحق به، أو لم يقاتلهم بمن معه. وجاء أيضا في ٣٢/ ٥: فانصرف موسى ونزل من الجبل، ولوحا الشهادة في يده. ٣٢/ ١٩، ٢٠: وكان عندما اقترب موسى إلى المحلة أنه أبصر العجل والرقص، فحمي غضبه، وطرح اللوحين من يده، وكسرهما في أسفل الجبل. ثم أخذ العجل الذي صنعوا وأحرقه وطحنه حتى صار ناعما، وذراه على وجه الماء، وسقى بني إسرائيل. ٣٢/ ٢٥، ٢٦: ولما رأى موسى أن الشعب معرى .. وقف في باب المحلة وقال: من للرب فإليّ. فاجتمع إليه جميع بني لاوى. ٣٢/ ٢٧ - ٢٩: فقال لهم: هكذا قال الرب إله إسرائيل: ليتقلد كل واحد سيفه، واذهبوا وارجعوا من باب إلى باب في المحلة، وليقتل كل واحد أخاه وصاحبه وقريبه. ففعل بنو لاوى بحسب قول موسى. ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل. وقال موسى: =
[ ٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = املئوا أيديكم اليوم للرب، حتى كل واحد بابنه وبأخيه، فيعطيكم اليوم بركة. وجاء في سفر العدد ٣/ ١١ - ١٢: وكلم الرب موسى قائلا: وها إني قد أخذت اللاويين من بين بني إسرائيل بدل كل بكر فاتح رحم من بني إسرائيل، فيكون اللاويون لي. ٣/ ١٣: لأن كل بكر هو لي يوم أهلكت كل بكر في أرض مصر قدست لي كل بكر في إسرائيل من الناس والبهائم. إنهم يكونون لي أنا الرب. ٣/ ٤٠: وقال الرب لموسى: عُدَّ كل بكر ذكر من بني إسرائيل، من ابن شهر فصاعدا. ٣/ ٤١: فتأخذ اللاويين لي أنا الرب بدل كل بكر في بني إسرائيل. ٨/ ٥: وكلم الرب موسى قائلا: خذ اللاويين من بين بني إسرائيل وطهرهم. ٨/ ١٣ - ١٤: فتوقف اللاويين أمام هارون وبنيه، وترددهم ترديدًا للرب. وتفرز اللاويين من بين بني إسرائيل، فيكون اللاويون لي. ٨/ ١٦: لأنهم موهوبون لي هبة من بين بني إسرائيل. بدل كل فاتح رحم بكر من بني إسرائيل قد اتخذتهم لي. ٨/ ١٨ - ١٩: فاتخذت اللاويين بدل كل بكر في بني إسرائيل. ووهبت اللاويين هبة لهارون وبنيه من بني إسرائيل ليخدموا خدمة بني إسرائيل في خيمة الاجتماع ١٨/ ١ - ٣: وقال الرب لهارون: أنت وبنوك وبيت أبيك معك تحملون ذنب المقدس وأيضا إخوتك سبط لاوى سبط أبيك قربهم معك، فيقترونوا بك ويؤازروك. وأنت وبنوك قدام خيمة الشهادة. =
[ ٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ١٨/ ٨ و١٩: وقال الرب لهارون: وهأنذا قد أعطيتك حراسة رفائعي مع جميع أقداس بني إسرائيل، لك أعطيتها المسحة ولبنيك [وبناتك معك] فريضة دهرية. ومن العجيب أن يتهم واضعو التوراة هارون -﵇- وهو من سبط لاوى بعمل العجل وعبادته، ثم يذكروا أن الله اصطفاه وبنيه وأعطاهم جميع رفائع الأقداس التي يرفعها بنو إسرائيل للرب، ويذكروا أيضا أن الله سبحانه وهب اللاويين كلهم لهارون، وأمرهم بالوقوف أمام هارون وبنيه! فهل هو الذي صنع العجل حقا؟ وصفوة القول: إن النسخ بتعريفه السابق لا يعني أن الله سبحانه أمر ونهى أولا، وما كان يعلم العاقبة، ثم فوجئ بأمور أو بدا له رأي، فنسخ الحكم الأول، ليلزم منه الجهل، ولا يعني أيضا أنه أمر ونهى ثم نسخ مع الاتحاد في الوقت والشخص والوجه، ليلزم منه الشناعة عقلا. بل إنما هو إخبار عن انتهاء مدة لحكم قدرها الله في الأزل. هذا، والنسخ كان معروفا في الشرائع السابقة بكثرة، سواء كان في شريعة واحدة، أو في شريعة نبي لاحق لحكم كان في شريعة نبي سابق. وأمثلة القسمين كثيرة في الكتاب المقدس، ذكر بعضها الشيخ ﵀ الهندي في إظهار الحق ص٣٠٢ - ٣١٤. أ- فمن أمثلة القسم الأول ما يلي:
(٢) أمر الله سبحانه إبراهيم -﵇- بذبح ابنه الوحيد. ثم نسخ هذا الحكم قبل العمل به كما في سفر التكوين ٢٢/ ١ - ٨.
(٣) جاء في سفر صموئيل الأول ٢/ ٣٠ خطاب الله للكاهن عالي: لذلك يقول الرب إله إسرائيل: إني قلت: إن بيتك وبين أبيك يسيرون أمامي إلى الأبد. والآن يقول الرب: حاشى لي. فإني أكرم الذين يكرمونني، والذين يحتقرونني يصغرون. =
[ ٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٢/ ٣١: هو ذا تأتي أيام أقطع فيها ذراعك وذراع بيت أبيك حتى لا يكون شيخ في بيتك. ٢/ ٣٥: وأقيم لنفسي كاهنا أمينا يعمل حسب ما بقلبي ونفسي، وأبني له بيتا ذكر الشيخ ﵀ الهندي في إظهار الحق ص٣١١ طبعة قطر: أنه جاء في تفسير "دوالي ورجر دمينيت" قول العالم باترك: "ينسخ الله هاهنا حكما كان وعده وأقره؛ بأن رئيس الكهنة يكون منكم إلى الأبد. أعطي هذا المنصب ألعازار الولد الأكبر لهارون، ثم أعطي تامار الولد الأصغر لهارون، ثم انتقل الآن بسبب ذنب أولاد عالي الكاهن إلى أولاد ألعازار".
(٢) جاء في سفر التثنية ١٧/ ١٥ - ١٧: فإنك تجعل عليك ملكا الذي يختاره الرب إلهك .. ولكن لا يكثر له الخيل .. ولا يكثر له نساء لئلا يزيغ قلبه، وفضة وذهبا لا يكثر له كثيرا. فلا يجوز للملك الذي يملكه الإسرائيليون عليهم أن يستكثروا من الخيل أو النساء أو من الذهب أو من الفضة. مع أن داود -﵇- فقد استكثر من النساء والخيل. أما ولده سليمان -﵇- فقد استكثر من الجميع استكثارا عظيما. وهذا يدل على وقوع النسخ.
(٣) جاء في سفر الأحبار -اللاويين- ١٧/ ٣ - ٥: كل إنسان من بيت إسرائيل يذبح بقرا أو غنما أو معزى في المحلة أو يذبح خراج المحلة. وإلى باب خيمة الاجتماع لا يأتي به ليقرب قربانا للرب أمام مسكن الرب، يحسب على ذلك الإنسان دم، قد سفك دما، فيقطع ذلك الإنسان من شعبه. لكي يأتي بنو إسرائيل بذبائحهم التي يذبحونها على وجه الصحراء، ويقدمونها للرب إلى باب خيمة الاجتماع إلى الكاهن، ويذبحوها ذبائح سلامة للرب. =
[ ٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثم نسخ هذا الحكم فقد جاء في سفر التثنية ١٢/ ١٣: احترز من أن تصعد محرقاتك في كل مكان تراه. ١٢/ ١٤: بل في المكان الذي يختاره الرب في أحد أسباطك .. ١٢/ ١٥: ولكن من كل ما تشتهي نفسك تذبح، وتأكل لحما في جميع أبوابك حسب بركة الرب وإلهك التي أعطاك. النجس والطاهر يأكلانه كالظبي والأُيَّل. ١٢/ ٢٠: إذا وسع الرب إلهك تخومك كما كلمك، وقلت: آكل لحما .. فمن كل ما تشتهي نفسك تأكل لحما. ١٢/ ٢١: إذا كان المكان الذي يختاره الرب إلهك ليضع اسمه فيه بعيدا عنك، فاذبح من بقرك وغنمك التي أعطاك الرب كما أوصيتك، وكل في أبوابك من كل ما اشتهت نفسك. ١٢/ ٢٢: كما يؤكل الظبي والأيل هكذا تأكله. النجس والطاهر يأكلانه سواء.
(٢) جاء في سفر حزقيال ٤/ ١٠: وطعامك الذي تأكله يكون بالوزن، كل يوم عشرين شاقلا -مثقالا. ٤/ ١٢: وتأكل كعكا من الشعير على الخُرء الذي يخرد من الإنسان تخبزه أمام عيونهم. ٤/ ١٣: وقال الرب: هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم. ٤/ ١٤: فقلت: آه يا سيد الرب، ها نفسي لم تتنجس، ومن صباي إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة، ولا دخل فمي لحم نجس. ٤/ ١٥: فقال لي: انظر. قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الإنسان، فتصنع خبزك عليه. =
[ ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٦ - جاء في إنجيل متى ١٠/ ٥ - ٧: وأرسل يسوع هؤلاء التلاميذ الاثني عشر، وأوصاهم قائلا: لا تقصدوا أرضا وثنية، ولا تدخلوا مدينة سامرية، بل اذهبوا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل، وبشروا في الطريق بأن ملكوت السماوات قد اقترب. وفي ١٥/ ٢٢ - ٢٣: فأقبلت إليه امرأة كنعانية من تلك البلاد وصاحت: ارحمني يا سيدي فما أجابها يسوع بكلمة. فدنا تلاميذه. وتوسلوا إليه. ١٥/ ٢٤: فأجابهم يسوع: ما أرسلني الله إلا إلى الخراف الضالة من بين إسرائيل -وفي طبعة ١٩٨٤م: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة. ١٥/ ٢٦: فأجابها: لا يجوز أن يؤخذ خبز البنين ويرمَى إلى الكلاب. وجاء في إنجيل مرقس ٧/ ٢٦ - ٢٧: وكانت المرأة غير يهودية، ومن أصل سوري فينيقي. فأجابها يسوع: دعي البنين أولا يشبعون، فلا يجوز أن يؤخذ خبز البنين ويرمى للكلاب. فقد دلت النصوص على أن رسالته خاصة ببني إسرائيل، ثم زعموا أن هذا الحكم نسخ. جاء في إنجيل متى ٢٨/ ١٩: فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وفي إنجيل مرقس ١٦/ ١٥: وقال لهم: اذهبوا إلى العالم كله، وأعلنوا البشارة إلى الناس أجمعين. فهل هذا نسخ أو تحريف؟ وأحس علماء النصارى بذلك فقالوا -كما جاء في الكتاب المقدس المطبوع ببيروت عام ١٩٨٣م ص٤٧١: "كان من أحكام الله أن المسيح يبشر اليهود بنفسه والأمم =
[ ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = برسله". ولا أدري لماذا منعهم في الأول من الدخول إلى أرض وثنية، ولم يبين لهم أن هذا سيكون في المستقبل؟! وعلى كل حال فإن الذي يعنينا الآن وقوع النسخ. ب- ومن أمثلة القسم الثاني ما يلي:
(٢) جاء في سفر التكوين ٩/ ٢ - ٣: كل ما يدب على الأرض، وكل أسماك البحر قد دفعت إلى أيديكم. كل دابة حية تكون لكم طعاما كالعشب الأخضر. دفعت إليكم الجميع. فكانت جميع الحيوانات مباحة الأكل في شريعة نوح -﵇- ثم حرمت الشريعة الموسوية حيوانات كثيرة، أهمها الخنزير كما في الباب الحادي عشر من سفر اللاويين والباب الرابع عشر من سفر التثنية. ثم جاء بولس فأفتى بالإباحة العامة. جاء في رسالته إلى أهل رومية ١٤/ ١٤: إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسا بذاته، إلا من يحسب شيئا نجسا، فله هو نجس. وجاء في رسالته إلى تيطس ١/ ١٥: كل شيء طاهر للطاهرين، وأما المتنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهر، بل قد تنجس ذهنهم أيضا وضميرهم. وجاء في رسالته إلى تيموثاوس ٤/ ٤ - ٥: لأن كل خليقة الله جيدة، ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر. لأن يتقدس بكلمة الله والصلاة.
(٣) جاء في سفر التكوين ٢٩/ ٢١ - ٣١: أن يعقوب جمع بين ليئة وراحيل ابنتي خاله لابان. وهذا الجمع حرام في الشريعة الموسوية. فقد جاء في سفر =
[ ٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأحبار اللاويين ١٨/ ١٨: ولا تأخذ امرأة على أختها للضر، لتكشف عورتها معها في حياتها. فلو لم يكن الجمع بين الأختين جائزا في شريعة يعقوب للزم أن يكون أولاد الثانية أولاد زنى. وأكثر أنبياء بني إسرائيل من أولادها كما في سفر التكوين ٢٩/ ٣١ - ٣٥ والباب السادس والعشرين من سفر العدد.
(٢) جاء في سفر التكوين ٦/ ٢٠: وأخذ عَمرام -عمران- يوكابد عمته زوجة له. فولدت له هارون وموسى وفي سفر العدد ٢٦/ ٥٩ - ٦٠: واسم امرأة عمرام يوكابد بنت لاوى التي ولدت للاوى في مصر. فولدت لعمرام هارون وموسى ومريم أختهما. وهذا الزواج محرم في الشريعة الموسوية؛ لأن العمة والخالة من المحارم. جاء في سفر الأحبار اللاويين ١٨/ ١٢: عورة أخت أبيك لا تكشف. إنها قريبة أبيك. ٢٠/ ١٩: عورة أخت أمك أو أخت أبيك لا تكشف. إنه قد عرى قريبته، يحملان ذنبهما. فلو لم يكن هذا الزواج جائزا قبل شريعة موسى -﵇- للزم أن يكون موسى وهارون وأختهما مريم أولاد زنى بنص توراتهم.
(٣) جاء في سفر التثنية ٢٤/ ١ - ٣: إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها، فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء، وكتب لها كتاب طلاق، ودفعه إلى يدها، وأطلقها من بيته. ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر. فيجوز في الشريعة الموسوية أن يطلق الرجل امرأته بكل علة، =
[ ٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ويجوز أن يتزوجها بعد أن تخرج من بيته رجل آخر. لكن النصارى منعوا الطلاق إلا لعلة الزنى. وحرموا كذلك أن يتزوج المطلقة رجل آخر، وهو بمنزلة الزنى عندهم. جاء في إنجيل متى ٥/ ٣١ - ٣٢: وقيل: من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني. ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني. ١٩/ ٣ - ٦: وجاء إليه الفريسيون ليجربوه قائلين له: هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟ فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى؟ .. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان. ١٩/ ٧ - ٨: قالوا له: فلماذا أوصى موسى أن يعطي كتاب طلاق فتطلق؟ قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هذا. ١٩/ ٩: وأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنى، وتزوج بأخرى يزني. والذي يتزوج بمطلقة يزني.
(٢) نسخ تلاميذ المسيح -﵇- بعد المشاورة جميع الأحكام العملية المدرجة في التوراة إلا أربعة: تحريم ذبيحة الصنم وتحريم الدم وتحريم المخنوق وتحريم الزنى. وأرسلوا كتابا بذلك إلى الكنائس. جاء في سفر الأعمال ١٥/ ٢٤: إذا قد سمعنا أن أناسا خارجين من عندنا قد أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين: أن تختتنوا وتحفظوا الناموس. الذين نحن لم نأمرهم. ١٥/ ٢٨ - ٢٩: لأنه قد رأى الروح القدس -ونحن لا نضع عليكم ثقلا أكثر من غير هذه الأشياء الواجبة- أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن =
[ ٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الدم والمخنوق والزنى، التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. وإنما أبقوا حرمة هذه الأربعة لئلا ينفروا اليهود الذين دخلوا في النصرانية، وكانوا يحبون أحكام التوراة ورسومها. ثم لما رأى بولس أن هذه الرعاية ليست ضرورية أيضا، نسخ حرمة الثلاثة الأولى بفتوى الإباحة العامة كما سلف. ومن ثم لم يبقَ من أحاكم التوراة سوى تحريم الزنى. ولما لم يكن في الزنى حد في شريعة النصارى، فهو أيضا منسوخ من هذا الوجه. وهكذا حصل الفراغ في شريعة النصارى بعد أن نسخوا جميع الأحكام العملية التي كانت في الشريعة الموسوية، سواء كانت أبدية أو غير أبدية. فأحكام الذبائح كانت كثيرة وأبدية في شريعة موسى -﵇- وكذلك الأحكام المختصة بآل هارون من الكهانة واللباس وقت الحضور للخدمة الدينية وفي غير ذلك، كانت أبدية، وقد نسخت كلها لدى النصارى. ونحن المسلمين نعتقد أن المسيح -﵇- نسخ بعض الأحكام التي كانت مقررة لدى اليهود. ولكن إنما نريد سلامة النقل وصحته. وظهر من الأمثلة السابقة جميعها ما يلي:
(٢) أن نسخ بعض الأحكام في شريعة سابقة بشريعة لاحقة لم تنفرد به شريعة محمد -ﷺ- بل كان معروفا في الشرائع السابقة.
(٣) أن كثيرا من الأحكام العملية في التوراة نسخت ببعثة المسيح -﵇- بل إن بولس صرح بنسخ جميع الأحكام سواء كانت أبدية أو غير أبدية.
(٤) إنما يقع الإشكال في نسخ الأحكام التي صرح فيها بأنها أبدية، أو يجب رعايتها طبقة بعد طبقة. مما يدل على وقوع الدس والحذف والتحريف.
(٥) من العجيب أن أهل الكتاب من يهود ونصارى يعيبون على =
[ ٥١ ]
وفي عقيب نزول هذه الآية، أليس أن الله عزل الأبكار عن ولاية الاختصاص، وأخذ أولاد لاوى عوضا عنهم؟ فهم لا يقدرون على إنكار ذلك. وهذا يلزمهم منه القول بالبداء أو النسخ.
_________________
(١) = المسلمين وجود النسخ في شريعتهم مع أن كتب العهد القديم التي يزعمون أنها وحي ناطقة بإخلاف الله وعده وندامته على فعله واتهامه بالبداء! كما سيذكر المؤلف ﵀ فيما بعد. وانظر "تنقيح الأبحاث" لابن كمونة اليهودي ص٤٥ - ٤٧، "وهداية الحيارى" لابن القيم ص٥٨٢ - ٥٨٣، "وإظهار الحق" ص٥٣ - ٥٤.
[ ٥٢ ]