لكفرها ولدينها ونحلتها وبغض تدينها به وانتحالها له، فلا يعارض هذا هذا ألبتّة. .. انتهى).
وبهذا يتبيَن أن أهل هذا المذهب يرون أنه لا منافاة بين المحبة الطبيعية، وبين البغض للشخص في الله؛ لأن البغض له مقتضى آخر وهو مقتضى شرعي أيضًا فإذا ابتُلي المسلم بمحبة الكافر محبة طبيعية فلا ضير ولكن يُعامله بمقتضى الشرع، ومقتضى الشرع يوجب بُغض الكافر لأجل كفره ولو كان أقرب قريب، وأما المحبة الطبيعية كمحبة الزوجة أو الولد أو الأخ إذا كانوا كفارًا غير محاربين فجائزة لكن تكون مصاحبة للبغض الإيماني لأجل كفرهم وعلى هذا فأهل هذا المذهب يختلفون مع أهل المذهب الأول باعتبار إمكانية وجود المودة الفطرية للكافر ابتداءً لكنهم يوافقونهم باعتبار المآل والغاية وهو وجوب بغض الكافر لكفره.
أما الفريق الآخر وهو الثالث فقالوا إنه لا يلزم بغض شخص الكافر وذاته وأن المحبة الفطرية للكافر المسالم المعين هي مثل الخوف الفطري لا يُؤاخذ العبد عليها إلا إذا رتب على هذا المحبة الفطرية ترك واجب أو فعل محرم، ويرون أن محبة الكافر المُسالم المعين لغير دينه جائزة وهي من باب الرخصة لعسر التحرَز منها وخاصة مع من يخالطهم المسلم للحق الواجب كالوالدين المشركين والزوجة الكتابية ونحوهما وهذا من التخفيف الذي يتبع التشريع، واشترطوا أن تكون بالقدر الذي يرفع فيه المسلم الحرج عن نفسه وقالوا أنه يكفي البراءة من كفر الكافر وعدم متابعته وإقراره على باطله وبغض أعماله المخالفة للشرع وعدم تعظيمه دون بغض شخصه بشرط ألا تُقدم محبته على محبة الله ورسوله لاسيما مع من يُخالط منهم ويعسر التحرَز من قطع أسباب مودتهم لأي سببٍ كان إلا أنه لو أبغضهم فلا تثريب عليه لأنهم قد تعاطوا موجبات وأسباب البغض في الله، واشترطوا كذلك عدم التوسع في هذه الرخصة وقالوا مستدلين بالمعقول أنَ إعطاء الوسيلة حكم التوسل إليه دليل على حكمة الباري وعلمه بخصائص النفس البشرية لأنه لو حرم الشيء وأباح الوسائل الموصلة إليه غالبًا لوقع الناس في حرج عظيم فما بالك لو كان تعاطي هذه الوسائل واجب كوجوب بر الوالدين المشركين وصحبتهما في الدنيا معروفًا، وممن ذهب هذا المذهب الشيخ ابن عثيمين وإن كان له رأي آخر في ذات المسألة فقال الشيخ ﵀ في شرحه لكتاب الجنائز في بلوغ المرام تعليقًا على حديث ابن عمر -﵄- قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله -ﷺ- فقال: "أعطني قميصك أكفنه فيه" فأعطاه إياه، متفق عليه. قال ما نصه﴾ أن المودة للقرابة لا تُعد من المودة في الدين فإن قال قائل هذا يُعارض قوله تعالى (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ الآية)، فالجواب أن الموادة شيء والمحبة الطبيعية التي مقتضاها القرابة شيء آخر فالمواد هو الذي يسعى في طلب المودة أكثر مما تقتضيه الفطرة ويسعى إلى رضاهم بكل وسيلة ويدلك على هذا قوله تعالى (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) والأبناء
[ ٣٥ ]
والآباء في هذه الآية عام يتناول المسلمين والكفار فلذلك تقديم محبة غير الله على الله ورسوله هو المحرم وعلى هذا فضابط المودة المحرمة للكفار هو تقديم محبتهم على محبة الله ورسوله انتهى ﴿المصدر شرحه لكتاب بلوغ المرام كتاب الجنائز بداية الشريط الثالث.
وكما قال رسول الله (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) فإذا قدم هذه المودة الجبلية على أوامر الله وأوامر رسوله هنا يُلام المسلم، وقال بعضهم أن هنالك فرق بين المحبة والمودة فالمودة أخص من المحبة حيث أن المودة هي الحب الكثير والحب المجرد عن المودة يكون أقل من المودة بدرجات متفاوتة.
قال الشيخ صالح آل الشيخ في كتابه: إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل - حيث قال: المقصود من ذلك أن يعلم أنَّ الولاء والبراء للكافر - يعني للمعين - ثلاث درجات:
الدرجة الأولى: موالاة ومحبة الكافر لكفره، وهذا كفر.
الدرجة الثانية: محبته وموادته وإكرامه للدنيا مطلقًا هذا لا يجوز ومحرم ونوع موالاة مذموم.
الدرجة الثالثة: وهو أن يكون في مقابلة نعمة، أو في مقابلة قرابة، فإن نوع المودة الحاصلة، أو الإحسان أو نحو ذلك في غير المحاربين هذا فيه رخصة. انتهى.
وقال ابن الوزير في إيثار الحق على الخلق في مسألة الولاء والبراء والتكفير والتفسيق وما يتعلق بذلك: (وفي هذا فروع مفيدة الأول: أن هذا كله في الحب الذي هو في القلب وخالصة لأجل الدين، وذلك للمؤمنين المتقين بالإجماع وللمسلمين الموحدين إذا كان لأجل إسلامهم وتوحيدهم عند أهل السنة كما يأتي، وأما المخالفة والمنافعة وبذل المعروف وكظم الغيظ وحسن الخلق وإكرام الضيف ونحو ذلك، فيستحب بذله لجميع الخلق، إلا ما كان يقتضي مفسدة كالذلة فلا يبذل للعدو في حال الحرب، وذكر الإمام المهدي محمد بن المطهر أن الموالاة المحرمة بالإجماع هي موالاة الكافر لكفره والعاصي لمعصيته ونحو ذلك، قلت: وهو كلام صحيح، والحجة على صحة الخلاف فيما عدا ذلك أشياء كثيرة، منها قوله تعالى في الوالدين المشركين بالله: "وصاحبهما في الدنيا معروفا"، ومنها قوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" - ويدل عليه ما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة المتفق عليها من حديث علي ﵁ في قصة حاطب على ما ذكره الله تعالى في أول سورة الممتحنة وذكره أهل الحديث وأهل التفسير جميعًا، فإن رسول الله ﷺ قبل عذره بالخوف على أهله في مكة والتقية بما لا يضر في ظنه، فإن قيل: القرآن دال على أنه قد أذنب لقوله:" ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل" - فكيف يقبل ما جاء من قبول عذره؟ قلت: إنما قبل عذره في بقائه على الإيمان وعدم موالاة المشركين لشركهم، ولذلك خاطبه الله بالإيمان فقال: يا أيها الذين آمنوا - والعموم نص في سببه، فاتفق القرآن والحديث، وأما ذنبه فإنه لا يحل مثل ما فعله لأحد من الجيش إلا بإذن
[ ٣٦ ]
أميرهم، لقوله تعالى: وإذا جاءهم أمر من الخوف أو الأمن أذاعوا به الآية - ولأن تحريم مثل ذلك بغير إذن الأمير إجماع ومع إذنه يجوز. اهـ
وأجاب بعض أهل العلم ممن ذهب هذا المذهب عن قوله (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) وقالوا بأن المحاد هو المحارب وليس المسالم بدليل سبب نزول الآية.
وقال بعض أصحاب هذا المذهب أن الموالاة فرع عن المحبة وهي من لوازمها، والمولاة أشمل من الحب فليس كل من تحبه يعني أنك تواليه بل الموالاة هي قدر زائد على المحبة فالولاء والموالاة يعني المحبة المؤدية إلى الموافقة والنصرة والمتابعة.
وعليه فقد تنفرد الموالاة بالتعاضد والنصرة من دون محبة، وموالاة الكافر تضافرت النصوص على تحريمها، وأجمع العلماء على هذا التحريم، بل ذهب بعض العلماء إلى أن موالاة الكفار تعد ناقضًا من نواقض الإسلام، وغالب الأدلة التي يوردها المُخالف لجواز المحبة الطبيعية للكافر تدور حول الموالاة كقوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ». «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ». وقوله (الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، هذا بالنسبة للموالاة.
وعلى هذا نستنتج أن الاستدلال بآيات تحريم الموالاة على تحريم المحبة التي تكون من دون نصرة وتعاضد ضد المسلم لا يصح.
ثم إنه من الجمع بين هاتين الآيتين " إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ "، " وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً " وآية المجادلة «لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ الآية» يتضح لنا معنى المحادة وأنها تدل على معنى زائد على مجرد الكفر، ويؤيد هذا سبب نزولها، جاء في تفسير ابن كثير «وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر) إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، حين قتل أباه يوم بدر ثم قال: وقيل في قوله (ولو كانوا آباءهم) نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر (أو أبناءهم) في الصديق هم يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، (أو إخوانهم) في مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ (أو عشيرتهم) في عمر قتل قريبا له يومئذ أيضًا، وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة يومئذ، والله أعلم، قلتُ – القائل ابن كثير -: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله - ﷺ - المسلمين في أسارى بدر فأشار الصديق بأن يفادوا، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله أن يهديهم. وقال عمر: لا أرى ما رأى يا رسول الله، هل تمكني من فلان؟ - قريب لعمر - فأقتله، وتمكن عليا من عقيل وتمكن فلانا من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين. . . القصة بكاملها» أهـ.
قال الرازي في تفسيره: واعلم أن الأكثرين اتفقوا على أن قوله: (لا تجد قوما
[ ٣٧ ]
يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة بمسير النبي ﷺ لما أراد فتح مكة، وتلك القصة معروفة.
وما ذكره ابن كثير والرازي من سبب النزول الذي وإن كان ضعيفًا ولكن تقبله أهل التفسير بالقبول، يؤيد أن المحادة هنا المقصود بها أمر زائد على مجرد الكفر وقد صرح القاسمي في تفسيره محاسن التأويل بهذا في تفسيره لآية المجادلة، ثم إنه لو كان مجرد الكفر يصدق عليه المحادة لكان هذا مناقضًا لآيتي (جعل بينهم مودة ورحمة)، و(إنك لا تهدي من أحببت)؛ فكيف ينص على أنه جل وعلا يجعل في قلب الرجل مودة لزوجته الكافرة ثم ينهى في موضع آخر عن المودة للكافر، وكذا كيف يخبر عن خليله محمد - ﷺ - أنه يحب عمه الكافر؟!
إذن هاتان الآيتان تدلان دلالة قطعية على جواز محبة الكافر غير المحاد وإن كان ليس على إطلاقه، وهذا دليل نقلي، وأما الدليل العقلي فإنه ثبت بالتجربة أن النفوس مجبولة على محبة من أحسن إليها، ولا يستطيع المرء أن يمنع قلبه من محبة من أحسن إليه وأكرمه ممن يعاشره أو يزامله في عمل أو رحلة من الكفار غير المحادين وأما المحادون فلا يجوز له مزاملتهم ومعاشرتهم أصلًا.
ومن الأدلة على صحة هذا المذهب هو جواز الزواج من الكتابية المستلزم لإباحة محبتها طبعًا وجبلة، ولا يُقال هنا يجوز محبتها جبلة ويجب بغضها في الله فإن هذا مما لا تطيقه النفوس بل جعل بعض فقهاء الإسلام قيام العداوة الدينية بين الزوج المسلم والزوجة الكافرة الوثنية علةً من جملة العلل القاضية بتحريم الزواج منها، قال الكاساني في "بدائع الصنائع" (٢/ ٢٧٠):
"لا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْكِحَ الْمُشْرِكَةَ ; لقوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ الْكِتَابِيَّةَ ; لِقَوْلِهِ ﷿: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ). وَالْفَرْقُ أَنَّ الأَصْلَ أَنْ لا يَجُوزَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْكِحَ الْكَافِرَةَ ; لأَنَّ ازْدِوَاجَ الْكَافِرَةِ وَالْمُخَالَطَةِ مَعَهَا مَعَ قِيَامِ الْعَدَاوَةِ الدِّينِيَّةِ لا يَحْصُلُ السَّكَنُ وَالْمَوَدَّةُ الَّذِي هُوَ قِوَامُ مَقَاصِدِ النِّكَاحِ إلا أَنَّهُ جَوَّزَ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ ; لِرَجَاءِ إسْلامِهَا" .. انتهى.
ورد أهل هذا المذهب على من قال (البغض في الله واجب مع جميع الكفار محاربهم ومسالمهم ويستدلون بقوله تعالى:"وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده" وقالوا لو كانت هذه الآية خاصة بالكفار المحاربين لقال "وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تكفوا عن حربنا"، وقالوا إن إظهار العداوة والبغضاء لا ينافي البر والإحسان .. انتهى).
الجواب: أن الآية الثانية (لا ينهاكم ..) بينت الآية الأولى المُجملة (قد كانت لكم أسوة) وهي أنها في الكافر الحربي.
بمعنى أن الآية الأولى (قد كانت لكم أسوة ..) وردت في صنف الكفار المحاربين للرسل الذين جاهروا بالعداوة وهو حال قوم إبراهيم بل انظر إلى حال أبيه معه كيف طرده فكيف بحال الآخرين معه؟ واقرأ بداية السورة يتضح لك أن الآية وردت في هذا السياق.
فهؤلاء محاربون أظهروا العداوة والبغضاء .. فجاءت الآية في هذا السياق وبالتالي
[ ٣٨ ]
فإن الكفار المسالمين لم يكونوا داخلين في معنى الآية (قد كانت لكم أسوة حسنة) أصلًا، بمعنى أن الآية الكريمة (قد كانت لكم أسوة ) ليست عامة في جميع أصناف الكفار بإطلاق .. والسياق يدل على ذلك وواقع قوم إبراهيم يدل على ذلك .. ولو سلمنا جدلًا أن الآية مطلقة والمقصود بها جميع الكفار المحارب منهم والمسالم فإن الآية التي بعدها وهي (لا ينهاكم ..) وغيرها من الأدلة الدالة على بر الكفار المسالمين تكون مخصصة لآية (قد كانت لكم أسوة ) أو ناسخة لها جزئيًا.
وبهذا التقرير نرد على من يقول أن هذه الآية مطلقة في حق جميع الكفار بلا استثناء وأما بالنسبة لمن يستدل بوجوب إظهار العداوة والبغضاء مع الكافر مطلقًا مستدلًا بقوله تعالى: (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) وعدم قوله (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تكفوا عن حربنا) فالجواب أن الدلالة هنا دلالة مفهوم ودلالة قوله تعالى عن الوالدين (وصاحبهما في الدنيا معروفا) وقوله (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ) دلالتها منطوقة على مشروعية البر وحسن الخلق مع الكافر لا سيما الوالدين والأقارب وعلى هذا فالمنطوق مُقدم على المفهوم ناهيك أن قوله (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم.) نزلت بعد قوله (قد كانت لكم أسوة ..) وبالتالي لو فرضنا جدلًا بأن معنى آية الأسوة هو كما ذهب إليها هؤلاء فالمُقدم آخر ما نزل عند التعارض.
يُضاف إلى ما تقدم: ما ذكره البغوي ﵀ (قال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة. ويعلم الله شدة وجد المؤمنين بذلك فأنزل الله (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم) أي من كفار مكة (مودة) ففعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم فصاروا لهم أولياء وإخوانا وخالطوهم وناكحوهم (والله قدير والله غفور رحيم) ثم رخص الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم فقال: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم) انتهى) قلتُ بهذه الرخصة تجتمع الآيتين اللتين فيهما إشكال آية الأسوة وآية الإذن ببر لكفار المسالمين، وبغض النظر عن كون الرخصة واجبة أم مستحبة أم مباحة وقد تختلف من حال إلى حال فالأخذ بها مع الوالدين واجب ومع من يُرجى إسلامه كذلك واجبة باعتبار الواجب لغيره ومع الأقارب مستحب.
وبهذا يتبين خطأ من قال أن الجمع بين إظهار العداوة واجب مع كل كافر وأنه لا ينافي صحبة الوالدين بالمعروف بل وحتى الزواج من الكتابية.
وأما من يقول بعدم التعارض ويُجوز الزواج من الكتابية ومصاحبة الوالدين المشركين بالمعروف مع إبداء العداوة لهم والبغضاء فهذا يكفيه أنه لما نزلت آية الأسوة، المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من الصحابة المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين، وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى الله عنه لعلمهم بأن إظهار العداوة ينافي الصحبة والصلة بالمعروف.
فأخبرهم الله أن الكفار المسالمين لا يدخلون في معنى الآية أو تكون الآية التي بعدها رخصةً لهم فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: لا ينهاكم الله عن
[ ٣٩ ]
البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا مفسدة كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.
ورد أصحاب هذا المذهب على من قال معترضًا «أن المودة الحاصلة بالزواج بالكتابية هي أمر كوني قدري، وأمر الله ببغض الكافر أمر شرعي ديني، وأوامر الله الشرعية لا يُعترض عليها بالأمور الكونية. والمحتج بذلك هو نظير من يقول: أن الله خلق الخلق مختلفين ولن يزالوا كذلك، فلا داعي للأمر بالجماعة والائتلاف! فأبطل أمر الله الشرعي بالأمر الكوني.
أو كمن يقول أن قضى على العباد أن تقع منهم المعاصي، وأخبر أن بني آدم مذنبون خطاؤون، وعليه فلا داعي لأن ننهى الناس عن المعاصي، فأبطل أمر الله بعدم معصيته بناء على الأمر الكوني من وقوع المعاصي!» انتهى كلامه.
فالجواب: أن هذا الاستدلال صحيح لو كان الزواج من الكتابية محرم وصحبة الوالدين المشركين بالمعروف محرمة، فهنا نقول أن هنالك تعارض بين الأمر الكوني وهي المودة وبين الأمر الشرعي وهو بغضهم، والمُقدم في هذه الحال الأمر الشرعي، أما في هذه الحال فالتعارض قائم بين أمرين شرعيين الأول الإذن الشرعي بالزواج من الكتابية المستلزم لمحبتها ووجوب بغضها على مذهب المخالفين، فالتناقض بين شرعيين لا كما يتوهم البعض من أنه تناقض بين كوني وشرعي.
وأما الرد على من استدل بحديث أسماء بنت عميس «كنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة) [البخاري، ٤٢٣٠] وبحادثة عبد الله بن رواحة ﵁ مع اليهود حين أراد خرص الثمار فخافوا أن يظلمهم فقال لهم كما عند أحمد بسند صحيح: (يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم) [أحمد: ١٤٩٦٦]، فالجواب عليه أن في هذا دليل على وجوب بغض عموم الكفار في الله وهذه خارج محل النزاع، أو يُقال أن ما تقدم فيه دليل على جواز بغض الكافر المسالم في الله ومشروعيته لا وجوبه.
وأما الرد على من نقل قول الإمام ابن تيمية (وأصل الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعاداة البغض) وحمله على إطلاقه دون تخصيص أو تقييد، ويقرر أن أصل المعاداة البغض، فهذا يعني أن بغض الزوجة الكافرة كما يقرر المُخالف يقتضي معاداتها، معنى هذا أن الرجل يُقدم على زوجة يعلم يقينًا أنها عدوة له، وهذا لا يقول به عاقل فضلا عن طالب علم، بل هو قول لا يتصور، وأما الاستدلال بقوله تعالى «إن من أزواجكم وأبنائكم عدوا لكم) فهو إخبار بحصول العداوة بعد الزواج لا أن الزوج تزوج بها وهو يعلم أنها عدوة له.
وأما الرد على من حمل المودة الواردة في قوله تعالى «قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى» على أنها الصلة وليست الحب مستدلًا بما ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال (إن النبي ﷺ لم يكن بطن من
[ ٤٠ ]
قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة) فالجواب أن المودة في اللغة هي الحب، وذكر ابن عباس في تفسيره لها بأن المقصود في هذه الآية (الوصل) إنما هو ذكر لبعض لوازم المودة، ولا يقتضي ذلك نفي المودة والحب، وهذا مشهور جدا في التفسير، فكثير ما يفسر السلف الكلمة ببعض لوازمها ولهذا تتنوع تفسيراتهم للكلمة وهو ما يسميه العلماء اختلاف تنوع كتفسيرهم لقوله تعالى «قل هذه سبيلي» قال بعضهم القرآن، وقال بعضهم الإسلام، ومعلوم أن السبيل هو الطريق، فطريقة النبي من لوازمها الإسلام والقرآن.
وأما الرد على من قال (أن المرأة الكتابية من المحاربين يجوز الزواج منها، وبالتالي تجوز محبتها وعليه فتجوز محبة الكافر المحارب!!! وهذا يدل على بطلان قولكم أن المحاد لله ورسوله هو الكافر المحارب فحسب مستدلين بحل الزواج من الكتابية الذمية). فالجواب أن هذا ليس ناقضًا لما تقرر من جواز محبة الكافر المعين غير المحارب، ووجوب بغض صفة الكفر فيه، وذلك لأن المحاربين نوع، لكن آحادهم تختلف فقد يوجد في المحاربين من هو غير محارب،، ولهذا فتلك المرأة من القوم المحاربين ينظر لحالها هل تنطبق عليها صفة المحاربين أو لا؟
فلو ثبت أن المرأة تنطبق عليها صفات المحاربين لم يجز الزواج منها أصلًا فضلا عن محبتها، فمثلا لو ثبت أن المرأة تشتم الرسول ﷺ، أو تشتم الإسلام، أو تكيد للمسلمين فهي محاربة؛ بغض النظر عن قومها هل هم محاربون لنا أو مسالمون؟.
ومثله لو وُجد قوم مسالمون لنا فلا شك أن برهم مشروع، هذا من حيث العموم أي الجواز متجه للنوع، لكن آحادهم تختلف المعاملة معه فلو أن واحدًا منهم تصرَّفَ تصرُّفَ المحاربين بشتم الرسول مثلًا لكان هو نفسه محاربًا فتنطبق عليه أحكام المحاربين وحده، وإن كان بقية قومه مسالمين، وكلام أهل العلم عن حل الزواج من الكتابية الحربية لا يقصدون بها المحاربة بعينها بل هذا لا يجوز ولكن يقصدون الزواج من الكتابية المنتسبة لأهل الحرب، وفرقٌ بين المحاربة بعينها وبين من هي منتسبة لأهل الحرب، ويدلك على هذا التفريق أن الشريعة أباحت الإهداء للكافر المعين المسالم الذي ينتمي لأهل الحرب لموجب شرعي كصلة قرابة ونحو ذلك، فعن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: رأى عمر بن الخطَّاب حلَّة سيراء - أي حرير - عند باب المسجِد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريْتها فلبسْتَها يوم الجمعة وللوفد، قال: «إنَّما يلبسها مَن لا خَلاق له في الآخِرة»، ثمَّ جاءت حلل فأعْطى رسولُ الله - ﷺ - عُمَر - منها حُلَّة، وقال: أكسوْتَنيها وقلت في حلَّة عُطَارِد ما قُلْت؟! فقال: «إنِّي لم أكسُكها لتلبسها»، فكساها عمر أخًا له بمكَّة مشركًا؛ رواه البخاري ومسلم.
وعلى هذا فالنساء الكتابيات من أهل الحرب اللاتي يتزوجن بالمسلمين لا يقعن تحت مفهوم من يحاد الله ورسوله الوارد في قوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ (المجادلة ٢٢) وذلك لضعفهن وقصورهن وتبعيتهن للأزواج، يقول تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم
[ ٤١ ]
يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحبّ المقسطين﴾ (الممتحنة ٨).
وقد ذكر أهل العلم من المفسرين لهذه الآية أن المراد بها النساء والصبيان فبرهم وصلتهم غير محرّمة ما داموا بهذا الوصف، وإنما الذين نهانا الله عن موالاتهم هم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ (الممتحنة ٩) ومن المعلوم أن المرأة الكتابية التي رضيت بالزواج من المسلم ودخلت تحت ولايته غير داخلة تحت من لا تصح موالاتهم في هذه الآية.
وأما الرد على من قال (أننا قلنا أن الكافر المعين غير المحارب لا نبغضه فإن قاتلنا أبغضناه، وبالتالي أصبح الوصف المؤثّر هو غيرتنا على أنفسنا وليس لأجل ربنا وديننا) فالجواب أن هذا القول كلام عاطفي غير علمي إطلاقًا، ويُقال فيما لو أننا قلنا بجواز محبة الكافر المعين غير المحارب من دون دليل، لكن حينما نستدل بالنصوص الشرعية فلا وجه لمثل هذا الاعتراض، ولو أن مثل هذا الكلام العاطفي يستدل به مع وجود الدليل الشرعي على خلافه لصح أن يُقال لمن تزوج بكتابية: كيف تتزوج بامرأة كافرة يبغضها الله وتحسن عشرتها، وهي تسب الله بزعمها أن له ولدًا، ولو أنها سبتك أو سبت أباك لطلقتها فكيف تكون غيرتك لأبيك أو نفسك ولا تكون غيرتك لله؟!!
ومثله يُقال فيمن بر الكافر غير الحارب وبر والديه الكافرين وهذا مشروع بنص القرآن، فعلى هذا المذهب يتبين أن الكلام العاطفي لو أخذنا به لأمكن طرده في كثير مما نتفق على جوازه.
وأجاب أصحاب هذا المذهب عن ما روى أبي شيبة بسنده قال: قال رسول الله ﷺ (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله). ومارواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعادة في الله، والحب في الله والبغض في الله).فقالوا أن ما قررناه لا يعني خلو قلب المؤمن من البغض في الله فهو لا يزال يبغض جميع الأعمال المخالفة للشرع ثم إن هذا الحديث لا ينص على بغض شخص الكافر، أو يُقال أن هذا الحديث دليل على وجوب بغض عموم الكفار وهذا خارج محل النزاع، وهذا النص عام ولا يمنع من تخصيصه بنصوص أخرى. وقالوا لمن قال (أن الاستدلال بمفهوم قوله تعالىِ﴾:إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿على جواز الموالاة أن ثمّة منطوق يُعارض هذا المفهوم في آيات عديدة، ومنها قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فالجواب على ذلك: أن قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان) هو دليل على قطع مطلق الولاية الشاملة لجميع مفردات الولاية من تعظيم وإرث وخلة ومتابعة بين المؤمنين والكافرين ولو كانوا أقرباء وقيل إنها نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد
[ ٤٢ ]
الكفر فيكون الخطاب لمن كان من المؤمنين بمكة وغيرها من بلاد العرب نهوا أن يوالوا الآباء والإخوة فيكونون لهم تبعًا في سكن البلاد والكفر ويدل على ذلك سبب النزول وهو الأظهر ومما يدل على ذلك أيضًا هو قوله تعالى بعد الآية السابقة﴾ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿فعدم ذكر الأبناء والأزواج في آية النهي عن الولاية; لأن من شأن الإنسان أن يتابع في السكن ويتولى في الحرب من فوقه كالأب ومن هو مثله كالأخ دون من هو دونه كابنه وزوجه.
وعلى هذا يكون المراد بالولاية في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء الآية) المراد بها والله أعلم هي المتابعة في سكن بلاد الكفر مع وجوب الهجرة المتعينة أو مطلق الولاية الشاملة لجميع مفرداتها من نصرة على الباطل ونحوها ثم إن الموالاة وإن كانت فرع عن المحبة وهي من لوازمها، إلا أن المولاة أشمل من الحب فليس كل من تحبه يعني أنك تواليه بل الموالاة هي قدر زائد على المحبة فالولاء والموالاة يعني المحبة المؤدية إلى الموافقة والنصرة والمتابعة على الدين ولا شك أن الموالاة تختلف معانيها حسب السياق، هذا والله تعالى أعلم.
وأجاب أصحاب هذا المذهب على من اعترض عليهم مستدلًا بقوله تعالى﴾ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴿فهنا حصر الله ﷿ الولاية في الله ورسوله والمؤمنين دون غيرهم فأجابوا قائلين نعم من تجب موالاته مطلقًا هو المؤمن المقيم للصلاة المؤتي للزكاة وأما ما قررناه فهو موالاة جزئية وليست مطلقة.
وقالوا لمن حاول التوفيق بين محبة الكافر محبة طبيعية وبغضه لدينه في ذات الوقت أن هذا مجرد جمع نظري والواقع يكذبه وأن المشكلة ليست في مجرد الجمع النظري بين المحبة الطبيعية والبغض الديني وإنما المشكلة هي في الجمع بين موجب الأمرين فمن موجبات البغض الديني عدم البدء بالسلام مثلًا وعدم المخالطة إلا إذا طمع في إسلام الكافر وإظهار البغض له ومقتضى البغض في الله أن يبعدوا عنهم ويهجروهم، وموجبات المحبة الطبيعية هي المخالطة والانجذاب والتبسط وهي موجبات تتعارض مع موجبات البغض في الله وإن قلنا أن البغض للدين والمحبة لغير الدين، وقالوا أن البغض والمحبة قد يجتمعان حينما يكون محل البغض يختلف عن محل المحبة فقد تحب أعمال الإنسان الموافقة للشرع وفي ذات الوقت تُبغض أعماله المخالفة للشرع وذلك لإنفكاك الجهة لكن محبة ذات الشخص المعينة وبغضها في ذات الوقت يستحيل عقلًا وهو ممتنع بل يجب أن يكون الغالب عليها المحبة أو البغض ولو كان سبب المحبة يختلف عن سبب البغض، فمن قال إنه يحب الزوجة الكتابية حبًا طبعيًا ويبغضها لأجل كفرها فمحصل قوله: أن الله يكلف عباده بما لا يطاق، بل يكلف عبادة بالمستحيل؛ لأن الحب يترتب عليه
[ ٤٣ ]
القرب والتلذذ، والبغض يترتب عليه البعد والنفرة، ويستحيل الجمع بين هذين العملين المتناقضين؟!، وقد ورد في "حاشية العدوي" (١/ ٢٧٣):
"قَوْلُهُ: (وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك) أَيْ: نَطْرَحُ مَوَدَّةَ الْعَابِدِ لِغَيْرِك، وَلا نُحِبُّ دِينَهُ وَلا نَمِيلُ إلَيْهِ. وَلا يُعْتَرَضُ هَذَا بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ لأَنَّ فِي تَزَوُّجِهَا مَيْلًا لَهَا لأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلَةِ وَالْمُرَادُ هُوَ بُغْضُ الدِّينِ اهـ.
والخطأ الذي يقع فيه من قال بمثل هذا أنه لم يتصور أن الكفر وصف قائم بالذات، مثله مثل كل وصف مكروه كوصف البخل، أو الكذب، أو الفسق أو غيره، فالكره متوجه لذلك الوصف وليس للذات نفسها، فأنت تحب أباك حبًا فطريًا لكن تكره فيه صفة البخل، أو صفة الفسق، أو صفة الكفر، وتحب زوجتك المسلمة لكن تكره فيها صفة سلاطة اللسان مثلًا، ويُقال مثل هذا في الزوجة الكافرة فأنت تحب زوجتك النصرانية وتكره فيها صفة الكفر لكن يستحيل أن يتوجه الحب والبغض للذات نفسها كما تقدم؛ فيستحيل أن تحب أباك وتبغضه في الوقت نفسه، ومثله أن تحب زوجتك وتبغضها وتنفر منها، وهنا سؤال: هل يمكن الجمع بين الإرادتين المتناقضتين في شخص واحد؟
هذا مستحيل لأن المتناقضين يرفع أحدهما الآخر فتحقق أحدهما ينافي تحقق الآخر، ومثله حب ذات المرأة، وكرهها يستحيل الجمع بينهما، لأنه إذا تحققت إحدى الإرادتين ارتفعت الأخرى بدليل أن القلب إذا أبغض أمر ما من وجه وأحبه من وجه آخر فلا بد من غلبة أحدهما على الآخر فلا يمكن أن يجتمعا إلا بحالة من الصراع النفسي والحرج فلذلك إذا تعاطى المريض الدواء دل ذلك على أنه ترجح لديه محبته وإذا جاهد المسلم دل ذلك على ترجيحه لمحبة الجهاد ومرضاة ربه ولكن المسلم المتزوج للكتابية كيف يرجح؟ إن رجح بغضها فلا يمكن أن يُبقيها في عصمته وسيطلقها لا محالة وإن أحبها سيعني أنه لن يبغض ذاتها ولو دينيًا بل يبغض أعمالها المخالفة للشرع.
وأما من استدل على إمكان الجمع بين بغض الزوجة الكافرة وحبها بقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البقرة:٢١٦] وقال «ونظير ذلك في الشرعيات أن القتال في سبيل الله يجتمع فيه كره طبيعي لما فيه من إيذاء النفوس، وحب شرعي لما فيه من الثواب العظيم، كما قال تعالى في الكراهية الطبيعية للقتال (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البقرة:٢١٦] وقال تعالى في الحب الشرعي للقتال (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) [التوبة:٩٢].
فانظر كيف أخبر أنهم يكرهون القتال طبعًا، ثم تفيض عيونهم من الحزن إذا فاتهم القتال لحبهم إياه شرعًاَ وديانة!» انتهى.
فالجواب أن هذه الآية فيها الرد على مذهبهم، فهي على عكس مراد من استشهد بها تمامًا؛ وذلك أن هذه الآية تقرر أن أصل الجهاد محبوب لنفس المؤمن لكن صفة المشقة فيه مكروهة، تمامًا كما أن الزوجة الكافرة قد تكون محبوبة لزوجها المؤمن لكن صفة الكفر فيها مكروهة، فالكره الوارد في آية الجهاد متوجه لصفة المشقة لا للجهاد نفسه، ولهذا لو قيل للمؤمن: إنك ستجاهد من دون مشقة لكان محبوبًا له من
[ ٤٤ ]
كل وجه.
وهذه الآية من أقوى الأدلة القاطعة على استحالة الجمع بين الحب والبغض لذات الشيء بل الحب متوجه للذات، والبغض متوجه لصفة من صفات الذات، كما قررنا أن من قال إن المسلم يحب زوجته الكافرة من وجه ويكرهها من وجه أنه تكليف بما لا يطاق.
وقول المعترض «إن الدواء يجتمع فيه الحب والبغض، فهو محبوب من وجه مبغوض من وجه، وهذا مثال يكرره أهل العلم كثيرًا للتدليل على كيفية اجتماع الحب والبغض في شخص واحد.»
قلنا: لا يسلم له هذا، بل ذات الدواء مكروه للمريض أصلًا، ومحبته إنما لصفة من صفات الدواء وهي ما فيه من شفاء.
ومثله قول المعترض «وكذلك فإن كل نفس تجد في داخلها كراهية السجن كراهية طبيعية، ولكن لما كان فيه مصلحة شرعية ليوسف –﵇- صار أحب إليه شرعًا وإن كان يبغضه طبعًا، كما قال تعالى عن يوسف (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف:٣٣]»،
وهذا أيضا دليل عليهم فذات السجن مكروه ليوسف، ومحبته ليست للسجن بل لأمر خارج السجن وهو البعد عن المرأة المغوية، فذات السجن مكروهة ليوسف من كل وجه، ولولا ما تعلق به من مصلحة ليست من السجن أصلًا لم يحبه.
ومن الأدلة أيضًا على استحالة جمع بغض الزوجة الكافرة ومحبتها في القلب وأن من قرر ذلك فقد قرر أن الله يكلف بالمستحيل منها:
الدليل الأول: من الواجب على الزوج العدل بين زوجاته، ومن لم يعدل فهو آثم وظالم ومرتكب لكبيرة من الكبائر، ولهذا قال تعالى «فإن لم تستطيعوا أن تعدلوا فواحدة»، ومع هذا فقد جاء في الحديث «عَنْ عَائِشَة " أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ يَقْسِم بَيْن نِسَائِهِ فَيَعْدِل وَيَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِك، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِك وَلَا أَمْلِك " قَالَ التِّرْمِذِيّ يَعْنِي بِهِ الْحُبّ وَالْمَوَدَّة، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ أَهْل الْعِلْم.
فالحديث بجموع طرقه حسن لغيره، وعليه فالرجل المسلم قد يحب إحدى زوجتيه أكثر من الأخرى، والشاهد من ذلك كله هو أننا نقرر أن أمر الحب والبغض أمر بيد الله لا طاقة للعبد في التحكم به، ولا يكلف الله عباده ما لا يطيقون، ولهذا لا يعاقب العبد على ميله القلبي لبعض زوجاته مع أنه مأمور شرعًا بالعدل بينهن، ومثله المرأة الكافرة لا يكلف الله زوجها ببغضها وهو أمر لا طاقة له به، بل البغض متوجه لصفة الكفر فيها لا لها، ولو كان يستطيع التحكم بذلك البغض لوجب أن يعدل بين زوجاته في الحب لأن ترك العدل في المعاملة والجور كبيرة من الكبائر.
الدليل الثاني: قال الرسول ﷺ «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» رواه مسلم
قوله «لايفرك» أي: لا يبغض، والشاهد من الحديث أنه لا يمكن الجمع بين الحب والبغض، ولهذا نص على بغض خلق منها، وأرشده إلى الاكتفاء بكره هذا
[ ٤٥ ]