الذبح لغة: الشقّ، وكل ما يُشق فقد ذُبِح، قال ابن فارس: الذال والباءُ والحاءُ أصلٌ واحد، وهو يدل على الشق، فالذبح: مصدر ذبحتُ الشاة ذبحًا (^١).
وشرعًا: إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص.
_________________
(١) مقاييس اللغة (٢/ ٣٦٩)
[ ١٣٤ ]
والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بهذا الباب: بيانُ ما جاء من الوعيد على من ذبح شيئًا من البهائم قاصدًا بذبحه غير الله، وأنَّه شركٌ أكبر؛ لأنَّ الذبح عبادةٌ مِنْ أجَلِّ العباداتِ، وقربةٌ من أفضل القربات المالية، وإذا كان الذبحُ عبادةً، فلا يجوز أن تُصرف لغير الله، وصرفُها لغيره شرك أكبر.
والمؤلف نبّه على هذا لانتشاره عند أهل زمانه، وإلى الآن.
المسألة الثانية: ذكر أهل العلم أن الذبح له حالتان (^١):
الأولى: ذبح تقرّب وتعبّد: وهذا له صور ثلاث:
١ - ذبح النُسك: بأن يتقرب إلى الله بالذبح تعظيمًا له، ويدخل فيه الأضحية والعقيقة والنذر والهدي وغيرها، وهو فيه مأجور.
٢ - الذبحُ البدعي: وهو أن يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله-وسيأتي بيانه في الباب الآتي-.
٣ - الذبحُ الشركي: وهو أن يذبح لغير الله تقربًا، وله صور:
١/ الذبح عند القبور تقربًا إليها، فهذا شرك أكبر.
٢/ الذبحُ للجِنِّ دفعًا لأذاهم، كما لو ذبح عند نزول البيت أو غير ذلك: والأقرب أنه شركٌ أكبر؛ لأن الذبح عبادةٌ مستقلةٌ، فمتى ما صُرِفَتْ لغير الله صار ذلك شركًا أكبر.
_________________
(١) انظر: موسوعة العقيدة (٣/ ١٢٧٤).
[ ١٣٥ ]
٣/ الذبحُ للشياطين كي يستخدمهم، وهو شركٌ أكبر كذلك، لأنه صرف العبادة -وهي الذبح- لغير الله، قال ابن القيم: «مَنْ ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقدْ عَبَدَه، وإن لم يسمّ ذلك عبادة، بل يسمّيه استخدامًا» (^١).
٤/ الذبحُ للقادم عند قدومه ووصوله المكان تقربًا له: وهذا شركٌ أكبر، وقد ذكر المروزي أن ما ذُبِحَ عند استقبال السلطان تقربًا إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أهل به لغير الله.
فأما لو كان ذبحُه للقادم تقربًا لله عند قدومه، ولكنه استقبله بذلك: فهذا بدعيٌ ومحرم (^٢).
الثانية: الذبحُ المباح: وهو ما يُقصد فيه التمتع باللحم، أو الاتجار به، ونحو ذلك، وقد يكون مشروعًا إذا ذبح بقصد إكرام الغير، ما لم يصل إلى الإسراف.
المسألة الثالثة: حكم الأكل من الذبيحة التي ذبحت لغير الله.
لا يجوز؛ لأنَّها أُهِلَّ بها لغير الله، وقد قال الله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة، الآية (٣)].
قال النووي: «لا تحلُّ هذه الذبيحة، سواء أكان الذابحُ مسلمًا أو نصرانيًا أو يهوديًا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله، والعبادةَ له، كان
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٢٣٥)، وانظر: الفتاوى للإمام محمد بن عبد الوهاب (ص: ٦٦)، فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٢٠٩).
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن باز (١/ ٤٤٢).
[ ١٣٦ ]
ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا» (^١).
المسألة الرابعة: ذكر المصنف في الباب آيتين وحديثين:
* أما الآية الأولى: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام، الآيات (١٦٢ - ١٦٣)]، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغيره، ولكل من بعدهم إلى قيام الساعة.
* ﴿إِنَّ صَلَاتِي﴾: والصلاة لغة: الدعاء، وفي الشرع: العبادة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، وهي عبادةٌ تشتمل على عباداتٍ قلبية كالخشوع والخشية، وقوليةٍ: كالتكبير والتحميد وقراءة القرآن، وعمليةٍ: كالركوع والسجود.
* ﴿وَنُسُكِي﴾: أي ذبحي، والمراد: ما يذبح من بهيمة الأنعام على وجه التقرب والعبادة، وقال الزجاج: «النسك كل ما تقرب به إلى الله، إلا أن الغالب عليه أمر الذبح» (^٢).
﴿وَمَحْيَايَ﴾: أي ما أحيا عليه في عمري من العبادة كلها لله خالصًا.
﴿وَمَمَاتِي﴾: أي ما أموت عليه، أي: أحيا وأموت على التوحيد.
فكل هذه الأمور لا تكون إلا لله، وغيره لا يستحق أن يصرف له شيء منها؛ لأنَّ كلَّ المخلوقات مربوبة لله وهو خالقها، فلا يستحق هذا إلا الله.
﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾: أي بذلك الإخلاص في العبادة أمرني الله.
_________________
(١) شرح مسلم (١٣/ ١٤١) بتصرف يسير.
(٢) معاني القرآن (١/ ٢٠٩)، (٢/ ٣١١).
[ ١٣٧ ]
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: أي أول المسلمين من هذه الأمة. قاله قتادة (^١)؛ لأنَّ إسلام كل نبي متقدمٌ على إسلام أمته، والأنبياء كانت دعوتهم للإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
* وفي قرن الصلاة بالنسك في الآية فائدة وهي: بيان فضل النسك لله، وأنَّه عبادة عظيمة، قال شيخ الإسلام: «أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين، وهما الصلاة والنسك، الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عِدَتِه، وأمرِه وفضلِه وخلفه عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر وتركًا لإعانة الفقراء وإعطائهم، وسوءِ الظن منهم بربهم، ولهذا جمع الله بينهما» (^٢).
ومناسبة الآية للباب: أنَّ الذبح لا يكون إلا خالصًا لله، وبذلك أمر الله نبيَّه محمدًا ﷺ، وصرفُه لغير الله مخالفة؛ لأمر الله وأمر رسوله ووقوع في الشرك.
* وأما الآية الثانية: فهي قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر، الآية (٢)].
وهذا أمر من الله لنبيِّه أن يخلص الصلاة لله، ويخلص له النحر سبحانه.
والمعنى: أنَّ الله لما امتن على محمدٍ ﷺ بإعطائه الكوثر أمره أن يشكر النعمة، بأن يصلي له، وبأن يذبح وينحر له سبحانه.
قال صاحب التيسير في معنى الآية: «فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه،
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (٢٢/ ٢٨٥).
(٢) مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٣١).
[ ١٣٨ ]
وشرفك وصانك من مِنَنِ الخلق، مراغمًا لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفًا لهم في النحر للأوثان» (^١).
ومناسبة الآية للباب: أن الله قرن في الآيةِ الذبحَ بالصلاة، وأمر بصرفهما كليهما لله، فدلَّ على أنَّ الذبح عبادة عظيمة لا تصرف إلا لله.
* وأما الأحاديث فأولها: حديث علي ﵁ قال: «حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيه، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ».
* وقوله: «بأربع كلمات»: أي بأربع جمل، إذ الكلمة في اللغة العربية تطلق على الجملة المفيدة، كقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله).
* وقوله «لَعَنَ اللهُ»: اللعنُ: الطرد والإبعاد من رحمة الله، والمراد به إذا أضيف من المخلوق لله: اللهم أبعده واطرده عن رحمتك.
وقوله: «مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»: عامٌ يشمل ذبح أي شيء مما يُذبح لغير الله، من آدمي أو جني أو صنم أو غيره.
* وقوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيه»: الوالدان هما الأب والأم وإن عَلَو، وكلما قَرُبَ كان أشدّ؛ لأنَّه أولى بالبر.
ولعن الوالدين يأتي على أحد صورتين كلاهما محرم:
١ - مباشرة لعنهما وسبهما: قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ واللعن والشتم
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (١٤٥).
[ ١٣٩ ]
أشدّ.
٢ - أن يتسبب في لعن والديه: بأن يلعن والدي رجلٍ، ثم يرد عليه ذلك بالمثل، فيكون متسببًا في لعن والديه، وفي الحديث: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ» (^١).
* وقوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا»: المُحْدِثُ: بكسر الدال، وهذا يشمل:
١ - الإحداث في الدين: كأن يؤوي مبتدعًا.
٢ - الإحداث في شؤون الأمة، والإيواء: الحماية والدفاع عنه، كأن يؤوي مجرمًا يستحق إقامة الحدّ، فيحول بينه وبين الناس بجاهه أو قوته أو جنوده وسلطانه.
والحديث يعمُّ المعنيين، وكلما كان الحدثُ أكبر كانت الكبيرة أعظم.
وقد ورد في بعض الروايات «مُحْدَثًا» بفتح الدال، والمُحْدَثُ: البدعة، ويكون إيواؤها بالرضى بها، فإذا رضي بالبدعة وأقرَّ عليها فاعلها، ولم ينكر عليه فقد أواها، إلا أنَّ ضبطها بكسر الدال أولى.
* وقوله: «لَعَنَ اَللَّهُ مِنْ غَيْرِ مَنَارَ اَلْأَرْضِ»: منار الأرض جمع منارة، واختلف في معناها على أقوال:
١. المراسيم والعلامات التي تُفَرِّقُ بين الجيران، وتغييرها: بأن يقدمها أو يؤخرها ظلمًا؛ ليزيد في مسافة أرضه، وهذا أقرب الأقوال، وقد قال ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠) من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.
[ ١٤٠ ]
«منِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (^١).
٢. العلامات التي على الطرق لتوضحه وتبينه، وقد يدخل فيها في عصرنا العلامات التي تضعها المواصلات في الطرق، فيأتي من يغيرها ليضلّ الناس.
ومناسبة الحديث للباب: أنَّ النبيّ ﷺ لعنَ من ذبح لغير الله، وهذا يدل على شدة الأمر؛ إذ لا يلعن إلا على أمر عظيم، وهذا عام - كما سبق- في كل من ذبح لغير الله، سواء أكان في نيته التقرب للمذبوح أو لدفع شرّه أو طلب الخير من المذبوح، فكلّه شرك أكبر، وسواء تلفظ بالنية بأن قال: هي لكذا، أو نوى ذلك بقلبه.
وفي هذا الحديث لعن النبيُّ ﷺ أنواعًا من الفُسّاقِ، وأهل العلم يقررون بأن لعنَ الفاسقِ له حالتان:
أ- لعنٌ على العموم: كهذا الحديث، وقد ورد أن النبيّ ﷺ لعن أنواعًا كثيرة من الفساق بعمومهم، كآكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه (^٢)، ولعنَ في الخمر عشرة (^٣)، والواصلة والمستوصلة (^٤) وغيرها، فهذا جائزٌ، فلو قال رجلٌ مثلًا: لعن الله آكل الربا، فيجوز.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد.
(٢) أخرجه مسلم (١٥٩٧) من حديث ابن مسعود، وله شاهد من حديث أبي جحيفة أخرجه البخاري (٥٣٤٧).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٧)، وابن ماجه (٣٣٨٠) وأحمد (٢/ ٢٥) من حديث ابن عمر، وصححه الألباني في الإرواء (٢٣٨٥).
(٤) أخرجه البخاري (٥٩٤٧)، ومسلم (٢١٢٤) من حديث ابن عمر، ورووه أيضًا من حديث غيره.
[ ١٤١ ]
ب- لعنُ الفاسقِ المعيّن: فالذي عليه أكثر العلماء، واختاره ابن تيمية (^١)، أنَّه لا يجوز لعن الفاسق المعين، وإنما يُلعَنُ من اتصف بهذا الوصف، فلو رأيت من يشرب الخمر فليس لك أن تقول: لعنك الله، بل تقول: لعن الله شارب الخمر.
* ويدل لذلك: أن النبيّ ﷺ لعن شارب الخمر، ولما أُتي بأحد الصحابة يشرب الخمر قال رجل من الصحابة: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (^٢)، وقد كان الإمام أحمد يكره لعن المعيّن، كالحجاج ويزيد بن معاوية، ويقول: «ألا لعنة الله على الظالمين».
* وأما الحديث الثاني: فهو حديث طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «دَخَلَ اَلْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ وَدَخَلَ اَلنَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ؟ قَالَ: مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُهُ، قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ اَلنَّارَ، وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اَللَّهِ ﷿، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ اَلْجَنَّةَ»، وهذا الحديث عزاه المصنف لأحمد، وليس هو في المسند، وإنما أخرجه أحمد في الزهد.
وطارق بن شهاب: صحابيٌ على الصحيح وقول الأكثر، وقد قال عن نفسه: «رأيت النبيّ ﷺ وغزوت في خلافة أبي بكر»، ومات سنة (٨٣ هـ)، وقد رواه طارق عن سلمان ﵄ عن النبيّ ﷺ، كما بينتُ ذلك في تخريج
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٤٨٤)، (٦/ ٥١١)، ومنهاج السنة النبوية (٤/ ٥٧٠: ٥٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٨٠) من حديث عمر بن الخطاب.
[ ١٤٢ ]
الحديث آنفًا.
إلا أن الحديثَ أعلّه بعضُ العلماء بالوقفِ على سلمان الفارسي، وهو المحفوظ، فيحتمل أن سلمان أخذه من أهل الكتاب؛ لأنَّه كان نصرانيًا فأسلم.
ومضمونُ الحديثِ: أن هذين الرجلين مرّا على صنمٍ لا يتجاوزه أحدٌ حتى يقرب له شيئًا تعظيمًا له، فقيل للرجلين: قَرِّبا، فامتنع الأول، واعتذر الآخر بأنَّه ليس عنده ما يقربه، فهو موافقٌ على الذبح لهذا المعظم، فرضوا منه بأيسر شيء؛ لأنَّ قصدهم موافقتهم على ما هم عليه من الشرك، فقرَّب ذبابًا، ولو وجد بدنة لقربها، فلما قَرَّبَ الذبابَ استوجب دخول النار؛ لأنَّه قصد بهذا الذبحِ غيرَ الله، والعبرةُ بالنيةِ وعملِ القلب.
وقد اختلف أهل العلم في الحديث على رأيين:
الرأي الأول: من يرى ضعف الحديث، ويُعِلُّه بما سبق، ثم إنَّهم يستنكرونه بأن الرجل في الحديث لا يخلو حاله من أمرين:
١. أنَّه لما قدَّم الذبابَ للصنم إنما قدمه عبادة له وتعظيمًا، فهو في هذه الحالة لا يكون مسلمًا، بل هو مشرك.
٢. أنَّه فعل ذلك خوفًا من القتل، وهو في هذه الحالة لا تجب له النار، وحينها فالحكم عليه بأنَّه مسلم دخل النار في ذبابٍ يأباه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ …﴾، وقد نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر به ﷺ، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبيّ ﷺ (^١).
_________________
(١) تفسير الطبري (١٧/ ٣٠٤). أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٣٦٢)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٠)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٠٨)، من طريق محمد بن عمار بن ياسر به، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الحافظ في الدراية (٢/ ١٩٧): إسناده صحيح إن كان محمد بن عمار سمعه من أبيه.
[ ١٤٣ ]
ذكر هذا الألباني ﵀ (^١).
الرأي الثاني: من يرى صحة الحديث، ويجيب عن الإشكال الذي أورده الأولون -وأنَّ الرجل إما أن يكون مكرها أو مشركًا حقيقة- بجوابين:
الأول: أن كون الإكراه عذرٌ هو من خصوصيات هذه الأمة، أما من سبقها من الأمم فإنَّ الإكراه في حقهم ليس بعذر، وعليه فإنَّ هذا الرجل وقع في الشرك مكرهًا، ومع هذا فلم يُعْذَر.
قال الشنقيطي على قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: «أخذ بعض العلماء منها أنَّ العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة؛ لأنَّ قوله عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ …﴾ ظاهرٌ في إكراههم على ذلك، وعدم طواعيتهم، ومع هذا قال عنهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾».
وقال أيضًا: «ومن أصرح الأدلة في أن من قبلنا ليس لهم عذرٌ بالإكراه، حديثُ طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه لصنم، مع أنَّه قرّبه ليتخلص من شرّ عَبَدَةِ الصنم، وصاحبُه الذي امتنع من ذلك قتلوه، فَعُلِم أنَّه لو لم يفعل لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ولا إكراه أكبر من خوف القتل، ومع هذا دخل النار ولم ينفعه الإكراه، وظواهرُ الآيات تدل على ذلك، فقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ظاهر في عدم فلاحهم مع الإكراه؛
_________________
(١) السلسة الضعيفة للألباني (١٢/ ٧١٧).
[ ١٤٤ ]
لأن قوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾، صريح في الإكراه» (^١).
الثاني: أنَّ الذي يظهر أنَّه غير مُكرَه؛ لأنَّه اعتذر بأنَّه لم يجد ما يذبحه ويقرِّبُه، ولو كان مُكرهًا لم يُعاقَب ما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان؛ لقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾
وعلى كل حال، فالأقرب أنَّ الحديث إسناده ضعيف، والحديث وإن كان الأقرب ضعفه، إلا أنَّ ذلك لا يغيِّر من الحكم شيئًا، فالنهي عن الذبح لغير الله، وكون الذابح مشركًا، وردت فيه أدلّة أخرى غير هذا الحديث.
* خلاصة الباب: أنَّ الذبح بقصد تعظيم المذبوح له والتقربِ له عبادةٌ، فلا ينبغي أن تصرف لغير الله، وصرفُه لله قربةٌ مِنْ أشرف القربات، وصرفه لغير الله شرك أكبر.
_________________
(١) أضواء البيان (٣/ ٢٥١).
[ ١٤٥ ]