النذر لغة: الإيجاب والإلزام.
وشرعًا: إلزامُ المكلّفِ نفسه لله شيئًا لم يجب عليه بأصل الشرع.
والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مرادُ المصنف بالباب، ومناسبة الباب لكتاب التوحيد:
بيَّن المصنف في الباب الأدلة على أنَّ النذر عبادة، وإذا كان كذلك فصرفُه لغير الله شركٌ أكبر ينافي التوحيد، ومعلوم أنَّ ضابط الشرك الأكبر: أن يصرف
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٦٩٦).
(٢) فيه مسائل: الأولى: وجوب الوفاء بالنذر. الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غيره شرك. الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
[ ١٥٣ ]
العبدُ نوعًا من أنواع العبادة لغير الله، وبهذا يتبيَّن ارتباط الباب بالتوحيد، فهو من جهة أنَّ النذر لغير الله شركٌ، وهو منافٍ للتوحيد.
وإنما صار النذرُ لغير الله شركًا أكبر: لأنَّه نذرٌ لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز، لأنَّه عبادة، والعبادة لا تكون للمخلوق.
ثم يقال: بأن المنذور له ميتٌ غالبًا، والميت لا يملك.
وهو ما نذر له إلا لأنَّه ظنَّ أن الميّت يتصرّف في الأمور من دون الله، واعتقاد هذا كفر، ولهذا قال الفقهاء: خمسةٌ لغير الله شرك: الركوع والسجود والنذر والذبح واليمين.
المسألة الثانية: الفرق بين النذر لغير الله ونذر المعصية:
النذر لغير الله: ليس لله أصلًا، بل لغيره، كأن يقول: عليَّ نذرٌ للوليِّ فلان، وهذا شرك أكبر.
أما نذر المعصية: فهو لله لكنَّه نذرٌ على معصية، كأن يقول: لله عليَّ نذرٌ أن أشرب الخمر، ونذُر المعصية محرمٌ، وأشدُ منه النذرُ لغير الله، وقريبٌ منه الحلف، فالحلف بغير الله -وإن كان المرء صادقًا فيما حلف به- أشنعُ جرمًا من أن يحلف بالله وهو كاذب، ولذا قال ابن مسعود ﵁: «لأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأنَا صَادِقٌ» (^١) (^٢).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٤٩٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٧٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٨٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٧)، والمنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٥٨): رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في الإرواء (٢٥٦٢).
(٢) قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: تشبيه النذر بالحلف من جهة الكفارة وعدمها لا من جهة أخرى. ا. هـ. والمراد: أن النذر ليس كالحلف من كل وجه، فالنذر فيه قصد التقرب للمنذور له؛ رجاء نفعه وخوف ضرره، والحلف ليس فيه هذا. انظر: منهج التأسيس (٢٤٤)، والتعليق على فتح المجيد للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف (ص: ١٩).
[ ١٥٤ ]
المسألة الثالثة: صور النذر لغير الله عديدة، ومنها:
١ - من ينذر للقبور ابتداءً، كمن ينذر الزيت والشموع على القبر، باعتقادِ أن النذر لهذا الولي ينفع.
٢ - أن يعلق نذره للقبر على قضاء حاجته، كأن يأتي إلى القبر، ويقول: يا سيدي فلان، إن ردّ الله غائبي أو عُوفي مريضي أو قُضِيت حاجتي، فلك كذا من الذهب، أو من الطعام أو الماء ونحوه صدقة.
٣ - النذرُ للجن: كما لو قال: إن رددتم إليَّ مالي، فلكم عليّ نذرٌ كذا من الطعام أو نحوه أو من الأعمال المحرمة.
والجامع في ذلك أنَّه نذرٌ صُرِفَ لغير الله.
المسألة الرابعة: نصوص الباب: ذكر المصنف آيتين وحديثًا:
* أما الآية الأولى: فهي قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان، الآية (٠٧)].
والمعنى: أنَّ الله مدح الأبرار بأنَّهم يوفون بالنذر إذا نذروا، وهذا يقتضي أنَّه عبادة، حيث مدحهم الله، ولا يمدح الله إلا على فعل واجب أو مستحب أو ترك محرم، ولا يمدح على الفعل المباح المجرد، وبهذا يتبين مناسبة الآية للباب:
فكون الله تعالى يثني على هؤلاء الأبرار، ويجعل هذا الفعلَ سببًا لدخولهم
[ ١٥٥ ]
الجنة يدل على أن النذر عبادة، فصرفُها لغيره شرك.
* وأما الآية الثانية: فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة، الآية (٢٧٠)].
والمعنى: أنَّ الله يُخبِرُ أنَّه يعلم جميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفى الجزاء للعاملين ابتغاء وجهه، إذ إنَّ تعليق الشيء بعلم الله دليلٌ على أنَّه محلُ جزاءٍ منه سبحانه.
* ووجه الدلالة من الآية، ومناسبتها للباب، من وجهين:
١. أنَّ الله قرن النذر بالنفقة في سبيل الله، فدلَّ على أنَّ النذر طاعةٌ وعبادةٌ.
٢. أن الله قال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وهذا فيه الحث على الوفاء بالنذر، فدلَّ على أنَّه طاعة وأنَّه لا يضيع عند الله، وإذا كان كذلك فصرفه لغير الله شرك (^١).
* وأما الحديث: فهو ما في الصحيح عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».
ومعنى الحديث: أنَّ النبيّ ﷺ أمر مَنْ صدر منه نذرٌ أن ينظر في نذره، فإن كان نذر طاعة فليوفِ به، وإن كان نذر معصيةٍ فليترك نذره، ولا يعصِ الله بالوفاء بالنذر، وقد قال ﷺ: «وَاللَّهِ، لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ» (^٢).
ووجه الشاهد من الحديث: أن كون النذر يكون طاعةً ويكون معصيةً دليلٌ
_________________
(١) إعانة المستفيد (١/ ٢٥٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٥)، ومسلم (١٦٥٥) من حديث أبي هريرة.
[ ١٥٦ ]
على أنَّها عبادةٌ، وإذا كانت عبادةً فصرفُها لغير الله شرك.
المسألة الخامسة: كيف يكون النذر للقربة منهيًا عنه، ويكون عبادةً في نفس الوقت يُمدح الموفي به؟
=فقال بعض العلماء: أنَّ عقد النذر كلّه منهيّ عنه، وأما ثناء الله فهو على من وفى به، وفرقٌ بين عقدِه والوفاءِ به (^١).
القول الثاني: أن نذر القربة على نوعين:
١. نذرٌ مقيدٌ: وهو ما عُلِّقَ على حصول نفعٍ، كقول: إن شفى الله مريضي فعلي لله كذا.
٢. نذرٌ مطلقٌ: وهو ما ليس معلقًا على نفع الناذر، كأن يتقرب إلى الله تقربًا خالصًا بنذر كذا من أنواع الطاعة بلا تقييد، كقوله: لله علي نذرٌ أن أصلي ركعتين، وهذا ليس في مقابلة شيء يحدث له.
أما الأول: فهو المنهي عنه؛ لأنَّه لم يقع خالصًا للتقرب إلى الله، وإنما بشرط حصول نفع الناذر، ولذا قرّر العلماء أنَّ مَنْ ظنَّ أنَّه لا تحصل له حاجةٌ من حاجاته إلا بالنذر، فإنَّه اعتقاد محرم؛ لأنَّه ظنَّ أنَّ الله لا يعطي إلا بمقابل، وهذا سوءُ ظنٍّ بالله وسوءُ اعتقادٍ فيه، بل هو المتفضل المنعم على خلقه (^٢).
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٢٤٨).
(٢) قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (١/ ٢٠٤): إنَّ كثيرا من الناس ينذرون نذرًا لحاجة يطلبها، فيقضي الله حاجته، فيظن أن النذر كان السبب … فمن ظن أن حاجته إنما قضيت بالنذر، فقد كذب على الله ورسوله.
[ ١٥٧ ]
وأما الثاني: فهو الذي فيه الترغيبُ والثناءُ على الموفين.
وإنما قلنا هذا الجمع لأمرين:
١ - أنَّ نفس الأحاديثِ فيها قرينةٌ واضحةٌ دالةٌ عليه، وهو ما تكرر منها أنَّ النذر لا يردُّ شيئًا مِنْ القدر ولا يُقدِّمُ ولا يؤخّر، فهذا دليلٌ أنَّه أراد بالنذر جلب نفع أو دفع ضرّ.
٢ - أنَّ الجمع بين النصوص واجبٌ ما أمكن، وهذا جمعٌ ممكن واضح (^١).
فإن قيل: النذر المعلق بشرط إذا ذكرتم أنَّه منهي عنه، فكيف يجب الوفاء به؟
* أجيب عن هذا: بأن الأحاديث دلت على النهي عنه، كما هو معلوم، ودلت على لزوم الوفاء به بعد الوقوع بدلالة قوله ﷺ: «وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (^٢)، فهذا نصٌ صريحٌ أن البخيل يلزمه إخراج ما نذر على إخراجه.
كذا قيل، ولكن يبقى أنَّ في النذر المطلق إلزامٌ للنفس مالم يجب عليها، فالأولى عدم النذر؛ لأنَّه ربما ألزم الإنسان نفسه فعجز عن ذلك.
وقد أشار ابن تيمية إلى التفريق بين النذر المعلق، وبين أن ينذر قربة لله تعالى، فالأوّل منهي عنه، والثاني محبوبٌ مشروع، حيث قال ﵀: «وأما إذا نذر القُرَبَ فالقُرَبُ يحبها الله ورسوله، وإنما يُنهى عن النذر لاعتقاد أنَّه يقضي حاجته، لا كون المنذور مكروها» (^٣)، وقال أيضًا: «والنذر ما يُقصد
_________________
(١) وهذا قرره الشنقيطي ﵀. انظر: أضواء البيان (٥/ ٤٦٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩) من حديث ابن عمر.
(٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٥٣).
[ ١٥٨ ]
به التقرب إلى الله، ولهذا أوجب سبحانه الوفاء بالنذر؛ لأن صاحبه التزم طاعة لله، فأوجب على نفسه ما يحبه الله ويرضاه قصدًا للتقرب بذلك الفعل إلى الله» (^١).
* خلاصة الباب:
١ - أن النذر عبادة.
٢ - أن صرفه لغير الله من الشرك الأكبر، فلا يصرف إلا لله.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٣٤).
[ ١٥٩ ]