الكلام على هذا الباب في عدة مسائل:
المسألة الأولى: معنى الترجمة والمراد بها:
الاستعاذة لغة: الالتجاءُ والاعتصامُ والتحرّز، وحقيقتها: الهربُ من شيء تخافه
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٠٨).
(٢) فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الجن. الثانية: كونه من الشرك. الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث؛ لأنّ العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة، قالوا: لأنّ الاستعاذة بالمخلوق شرك. الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره. الخامسة: أن كون الشيء يحصل به مصلحة دنيوية -من كف شر أو جلب نفع- لا يدل على أنه ليس من الشرك.
[ ١٦٠ ]
إلى شيء يعصمك منه، ولهذا سُمِّي المُستعاذ به مَعاذًا وملجأ (^١)، وذكر العلماء أنَّ العياذ يكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير (^٢).
أما الاستعاذة بالله فقد عرَّفها ابن كثير بقوله: «هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر». ا. هـ (^٣).
فالعائذ بالله قد هرب ممن يؤذيه أو يُهلِكُه إلى ربّه ومالكه، وفرَّ إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، واستجار به، والتجأ إليه.
والاستعاذةُ بالله عبادةٌ من أجلِّ العبادات، أمر الله بها في آيات كثيرة، منها: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف، الآية (٢٠٠)]، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون، الآية (٩٧)]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس، الآية (١)]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر، الآية (٥٦)].
وأما المراد بهذه الترجمة: فهي في الكلام على الاستعاذة بغير الله، وبيان
_________________
(١) بدائع الفوائد، لابن القيم (٢/ ٢٠٠).
(٢) كما قال المتنبي: يا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به ممن أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره … ولا يهيضون عظما أنت جابره ذكر ابن كثير هذين البيتين في البداية والنهاية (١١/ ٢٧٥)، وقال: وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق، ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله ﷾ وأخبرني العلامة شمس الدين ابن القيم ﵀ أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع.
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ١١٤).
[ ١٦١ ]
أنَّها تكون شركًا إذا كانت في أمرٍ لا يقدر عليه إلّا الله، كما سيأتي تفصيله.
ومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ الاستعاذة عبادة، وإذا كانت عبادة فصرفها لا يكون إلا لله، وصرفها لغيره شرك، وهذا موضوع كتاب التوحيد.
المسألة الثانية: نصوص الباب: ذكر المؤلف مستدلًا على الترجمة آيةً وحديثًا.
أما الآية: فقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن، الآية (٠٦)].
* وقوله: ﴿يَعُوذُونَ﴾: أي يلجئون إليهم ويعوذون بهم رهقًا وذُعرًا وإثمًا.
* ﴿الْجِنِّ﴾: عالمٌ من عالم الغيب يعيشون في الأرض، أعطاهم الله القدرة على أن يتصوروا بصورٍ متشكلة، وهم مخلوقون من نارٍ، وسُموا جِنًّا؛ لاجتنانهم، أي: استتارهم عن الأنظار، ومنه سُمِّي الجنينُ في بطن أمِّه جنينًا؛ لأنَّه لا يُرى.
والآية: ذكر فيها الله خبر الجن الذين استمعوا للقرآن من النبيّ ﷺ وآمنوا به، وكان هذا في وادي نخلةَ بين مكة والطائف وهو يصلي الفجر (^١)، فذكروا الانتقادات التي انتقدوها على قومهم من الجن، ومنها: أن الاستعاذة بهم من قِبَلِ بعض الإنس كانت تزيدهم رهقًا وعتوًا.
وسبب نزولها: أنَّ العرب كانوا في الجاهلية إذا نزلوا منزلًا قال أحدهم: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فكانوا يستعيذون بهؤلاء الجن، فزادوهم رهقًا، وهذا مع أن الاستعاذة بالجن هنا هو في أمرٍ يقدرون عليه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٧٣)، ومسلم (٤٤٩)، من حديث ابن عباس.
[ ١٦٢ ]
وهو كفُّ سفهائهم من الإيذاء، ومع ذلك زادهم رهقًا (^١).
* ووجه الدلالة من الآية، ومناسبتها للباب من وجهين:
١. أنَّ الله حكى عن مؤمني الجن أنَّهم لما تبين لهم دين محمد وآمنوا به، ذكروا أشياء من الشرك كانوا يفعلونها في الجاهلية، ومنها: الاستعاذة بغير الله.
٢. دلت الآية على تحريم الاستعاذة بغير الله، وهذا يدلّ على أنَّ الاستعاذة عبادةٌ، وصرفَ العبادةِ لغير الله شركٌ.
* وأما الحديث: فهو عن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتحلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ».
وراوية الحديث: خولة بنت حكيم بنت أمية السلمية، يقال لها: أم شريك، يقال: أنَّها هي الواهبة نفسها للنبي ﷺ (^٢)، وكانت قبلُ تحتَ عثمان بن مظعون، وكانت صالحة فاضلة (^٣).
* وقوله في الحديث «مَنْزِلًا»: يشمل أيَّ منزل، سواء كان على سبيل الإقامة الدائمة أو المؤقتة، في البنيان أو في الخلاء.
* وقوله: «بكَلِمَاتِ الله»: بكلماته الشرعية، وهي آيات القرآن.
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (٢٣/ ٣٢٢) من قول إبراهيم النخعي، وروي عن غيره أيضًا.
(٢) أي التي نزل فيها قوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ..﴾ (الأحزاب: ٥٠).
(٣) الاستيعاب (٤/ ١٨٣٢).
[ ١٦٣ ]
* وقوله: «التَّامَّاتِ»:
- قيل معناه: الكاملاتُ التي لا يلحقها عيبٌ ولا نقصٌ كما يلحقُ كلام البشر.
- وقيل معناه: الشافية الكافية.
- وقيل المراد به: القرآن.
* وقوله: «مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ»: أي من شَرِّ كلّ مخلوقٍ قام به الشرُّ مِنْ حيوانٍ أو إنسانٍ أو ريحٍ أو غيره، وفي المسند بسندٍ صحيح تكرار الدعاء ثلاث مرات (^١).
وهذه الاستعاذة تشمل الاستعاذة ممن شرّه محضٌ، كإبليس والنار، وهذا باعتبار ذاتهما، أمّا باعتبار الحكمة التي خلقها الله من أجلها فهي خير.
وتشملُ الاستعاذة من شرّ من فيه شرٌّ وخير، كالجن والإنس والحيوان وغيرهم.
وقوله: «لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتحلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ»: شيء: نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فتعمُّ كل شيء فيه أذى وضرر.
وتأمل التعبير النبوي: «لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ»، ولم يقل: لم يصبه شيء، والفرقُ: أنَّ عدمَ الإصابةِ تقتضي عدمَ البلاء مطلقًا، أما نفيُ الضرر فيقتضي أنَّه قد يقع البلاء، لكن لا يؤثر ولا يضره.
قال القرطبي عن الحديث: «هذا خبرٌ صحيحٌ وقولٌ صادقٌ، علمنا صدقه دليلًا وتجربة، فإني قد سمعت هذا الخبر فعملت به، فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقربٌ بالمهدية ليلًا، فتفكرت في نفسي، فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات» (^٢).
_________________
(١) المسند (٦/ ٤٠٩).
(٢) المفهم (٧/ ٣٦).
[ ١٦٤ ]
فمعنى هذا الحديث: أنَّ الإنسان إذا استعاذ بالله، فإنَّه يحفظه من كل ضرر ومكروه، فهو القادر سبحانه على هذا الأمر، وعلى كل أمر.
* ووجه الدلالة من الحديث، ومناسبته للباب: أنَّ النبيّ ﷺ بيّن أنَّ الاستعاذة تكون بالله أو بصفة من صفاته، فدل على أنَّها عبادة، وإذا كانت عبادةً فلا يجوز أن تصرف إلا لله تعالى.
وفيه إرشادٌ إلى الاستعاذة النافعة المشروعة، بدلًا مِنْ الاستعاذة الشركية التي كان يستعملها المشركون.
المسألة الثالثة: ذكر العلماءُ أنَّ الاستعاذةَ بغيرِ الله نوعان:
أ. استعاذةٌ بغير الله جائزة.
ب. استعاذةٌ بغير الله ممنوعة.
أما الاستعاذة الجائزة فهي الاستعاذة بالحيّ الحاضرِ في أمرٍ يستطيعه في الظاهر، مع طمأنينة القلب وتوجهه إلى الله، وحسنِ الظن به، وأنَّ العبد إنما هو سببٌ.
* والأدلة على جوازها عديدة، منها: حديث أبي مسعود ﵁: «أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ» (^١)، فالجائزة تكون:
١ - بِحّيٍ لا ميّت. ٢ - حاضرٍ لا غائب.
٣ - بالأسباب الظاهرة، كالنداء بالصوت ونحوه.
٤ - قادرٍ على ما يُطلب منه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦٥٩).
[ ١٦٥ ]
أما الاستعاذة بغير الله الممنوعة، فهي قسمان:
١ - ما يكون شركًا: وهذا له صورتان:
أ- الاستعاذة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلّا الله، سواء أكان المخلوق جِنيًّا أو إنسيًا، حيًّا أو ميتًا، فهذا شرك أكبر.
ب- الاستعاذة بالمخلوق الحيّ الغائب، أو الميت، فيما يستطيعه المخلوق الحي الحاضر، فهذا شرك أكبر؛ لأنَّه لم يستعذ به إلا لاعتقاده أنَّ له تصرفًا في الكون، كأن يحيط به عدو، فيطلب من الميّت أن يعيذه.
٢ - ما يكون حرامًا: وهو ما إذا كان المستعاذ به جنيًّا في أمرٍ يقدر عليه الجنّي.
* ودليل التحريم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ دلت الآية على أنَّ الاستعاذة بالجنِّ حرام.
فإن قال قائل: فما الفرق بين الاستعاذة بالمخلوق الحيّ الحاضر فيما يستطيعه، والجنّ الحاضر فيما يستطيعه؟
* من وجوه:
١ - أنَّ المخلوق الحيّ حاضر فعلًا، أما الجنّ فإنَّه غائبٌ مع حضوره، فلا تراه، فأشبه الغائب، والاستعاذة لا تكون غالبًا إلا لاعتقاده أنَّ له تصرفًا خفيًّا.
٢ - أنَّ الاستعاذة بالحيّ الحاضر مشروعة بالنصوص المتقدمة، أمّا الاستعاذة بالجنِّ الحيِّ الحاضر فليس عليه دليل، بل ورد النهيّ عنه كما تقدم في الآية.
[ ١٦٦ ]
* خلاصة الباب:
١ - أنَّ الاستعاذة بالله عبادة من أجلِّ العبادات.
٢ - أنَّها إذا كانت عبادة فلا تصرف إلَّا لله، وصرفها لغير الله شرك.
٣ - أنَّ الاستعاذة المشروعة هي ما كان بالله، أو بصفة من صفاته، وإنما يستعاذ بالله؛ لأنَّه هو الذي بيده كل شيء دون غيره.
*
[ ١٦٧ ]