الكلام على الباب في ست مسائل:
المسألة الأولى: معنى الترجمة والمراد بها: ضمّن المؤلف هذا الباب أمرين، أحدهما أخص من الآخر، فذكر الخاص أولًا وهو الاستغاثة، ثم عطف عليه الدعاء، فهو من عطف العام على الخاص، فكل مستغيثٍ داعٍ وليس كلُ داعٍ مستغيثًا.
والاستغاثة: طلبُ الغوث، وهو إزالةُ الشدّة.
والفرق بين الاستغاثة والدعاء: أنَّ الاستغاثةَ لا تكونُ إلّا من الكرب، أي:
[ ١٦٩ ]
في وقت الشدّة، أما الدعاء فيكون من المكروب المهموم وغيره.
ومناسبة الترجمة للتوحيد: من جهة أنَّ الاستغاثة عبادة، وهي من أنواع الدعاء، وكذا الدعاء عبادة، فيكون صرفها لغير الله شركًا ينافي التوحيد.
المسألة الثانية: فرّق بعض العلماء بين الاستعاذة والاستغاثة من جهة: أن الاستعاذة: أن تطلب من الله أن يعصمك ويمنعك، وهذا قبل وقوع المكروه.
وأما الاستغاثة: فتطلب من الله أن يزيل ما بك من شرّ وكرب، وهذا بعد وقوع المكروه.
لكن ابن تيمية ذكر أنَّ الاستعاذة والاستغاثة ألفاظ متقاربة، وكلاهما يكون قبل وقوع الشيء وبعد وقوعه (^١).
المسألة الثالثة: اعلم أنَّه ليس كل استغاثة بغير الله محرمة، وإنما الاستغاثة بغير الله نوعان:
١. استغاثة ممنوعة: وهي الاستغاثة بالأموات، أو بالحيّ الحاضر على أمر غائبٍ لا يقدر على مباشرته، أو بالحيّ الغائب، فهذا شرك أكبر؛ لأنَّه ما استغاث بهم، إلّا لأنَّه يعتقد أنّ لهم تصرفًا في الكون.
ويدخل فيه: الاستغاثة بالحيّ القادر فيما لا يقدر عليه، فهذا لغوٌ باطل، إلّا أنّ صحبه اعتقاد أن له تصرفًا في الكون فيكون شركًا (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١٥/ ٢٢٧).
(٢) وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء فقال السائل: يقول الناس عند النوازل والشدائد: يا رسول الله، وغيره من الأولياء، ويذهبون إلى مقابر الصالحين في حالة المرض ويستغيثون بهم، ويقولون: إن الله يدفع البلاء بهم، نحن نستمدهم لكن نيتنا إلى الله؛ لأن المؤثر هو الله، هل هذا شرك أم لا، وهل يقال لهم: إنهم مشركون؟ والحال أنهم يصلون ويقرأون القرآن وغيره من العمل الصالح. الجواب: ما يفعله هؤلاء هو الشرك الذي كان عليه أهل الجاهلية الأولى، فإنهم كانوا يدعون اللات والعزى ومناة وغيرهم ويستغيثون بهم؛ تعظيما لهم، ورجاء أن يقربوهم إلى الله ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: ٣]. ويقولون أيضًا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ لَا [يونس: ١٨]. فتاوى اللجنة الدائمة باختصار (١/ ٨٥ - ٨٦). وسئلت اللجنة أيضًا فقال السائل: إذا كان إنسان إمام مسجد ويستغيث بالقبور ويقول: هذه قبور ناس أولياء ونستغيث بهم من أجل الواسطة بيننا وبين الله، هل يجوز لي أن أصلي خلفه وأنا إنسان أدعو إلى التوحيد؟ وأرجو منكم توضحوا لي كثيرًا في هذا مواضيع النذر والاستغاثة والتوسل. الجواب: من ثبت لديك أنه يستغيث بأصحاب القبور أو ينذر لهم فلا يصح أن تصلي خلفه؛ لأنه مشرك، والمشرك لا تصح إمامته ولا صلاته، ولا يجوز للمسلم أن يصلي خلفه؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقوله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزُّمَر: ٦٥] ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزُّمَر: ٦٦]. فتاوى اللجنة الدائمة (١/ ٦٣).
[ ١٧٠ ]
٢. استغاثة جائزة: وهي ما كانت بالحيّ القادر الحاضر، كما وقع للرجل من بني إسرائيل مع موسى ﵈، لكن يجب الاعتقادُ أنّ المخلوق سبب، ولا تأثير له بذاته في إزالة الشدة.
المسألة الرابعة: بيّن المؤلف في هذا الباب: أنَّ من خصال الشرك الاستغاثة بغير الله أو دعاء غير الله، قال ابن القيم: ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم.
وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه
[ ١٧١ ]
ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا مِنْ جهله بالشافع والمشفوع له عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببًا لإذنه، وإنما السببُ لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك (^١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: «العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصلى، وصام؛ إذ شرطُ الإسلامِ مع التلفظِ بالشهادتين أن لا يَعْبُدَ إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبدَ غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما … ومجردُ التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا» (^٢).
ومن نظر في واقع معظمي القبور وجد أنهم واقعون في هذا الأمر، فهم يستغيثون بأصحابها، ويطلبون منهم تفريج الكربات، وقضاءَ الحاجات، وهذا شركٌ في الألوهية، حيث صرفوا العبادةَ لغير الله، وشركٌ في الربوبية كذلك، حيث ظنّوا أن لهم تصريفًا في الكون وتدبيرًا، قال سليمان بن عبد الله: «وكثيرٌ منهم وأكثرهم يرى أن الاستغاثة بإلهه الذي يعبده عند قبره أو غيره، أنفعُ وأنجعُ من الاستغاثة بالله في المسجد، ويصرحون بذلك، والحكاياتُ عنهم بذلك فيها طول، وهذا أمرٌ ما بلغ إليه شرك الأولين، وكلهم إذا أصابتهم الشدائد أخلصوا للمدفونين في التراب، وهتفوا بأسمائهم، ودعوهم ليكشفوا
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٥٣).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص: ١٨٦).
[ ١٧٢ ]
ضُرّ المصاب في البرّ والبحر والسفر والإياب، وهذا أمرٌ ما فعله الأولون، بل هُمْ في هذه الحال يُخلِصون ل ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، فاقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ …﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وكثيرٌ منهم قد عطّلوا المساجد وعمروا القبور والمشاهد، فإذا قصد أحدُهم القبرَ الذي يُعظِّمُه، أخذ في دعاء صاحبه باكيًا خاشعًا ذليلًا خاضعًا، بحيث لا يحصل له ذلك في الجمعة والجماعات وقيامِ الليل وأدبارِ الصلوات، فيسألونهم مغفرةَ الذنوب، وتفريجَ الكروب والنجاةَ من النار، وأن يحطوا عنهم الأوزار، فكيف يظنُ عاقلٌ -فضلًا عن عالمٍ- أن التلفظ ب: "لا إله إلا الله" مع هذه الأمور تنفعهم؟! وهم إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها باعتقادهم وأعمالهم؟!» (^١).
المسألة الخامسة: أشار المصنف في التبويب إلى الدعاء، وأهل العلم يقولون بأن الدعاء نوعان:
١. دعاء العبادة: وهو عبادة الله بجميع أنواع العبادة، كالصلاة وغيرها؛ لأنَّ الإنسان في هذه العبادات بلسان حاله يدعو الله المغفرة والرضوان والجنة.
٢. دعاء المسألة: وهو طلب ما ينفع الداعي، من جلب نفعٍ أو دفع ضرّ، وهذا عبادة.
• وعلى هذا: فدعاء المخلوق فيما لا يقدر عليه إلّا الله -كمن يدعو الوليَّ أن يرزقه الولد أو يدعو ميتًا- فهذا شرك أكبر.
المسألة السادسة: نصوص الباب: ذكر المؤلف في الباب خمس آيات
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص: ٨٥).
[ ١٧٣ ]
وحديثًا:
أول الآيات: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس، الآيات (١٠٦)].
ومعنى الآية: أنَّ الله نهى رسوله محمدًا ﷺ والخطابُ لجميع الأمة- أن لا يدعو من دون الله الذي خلقه أحدًا لا ينفعه ولا يضره في الدنيا ولا في الآخرة، والمراد بذلك كل معبود سوى الله تعالى فكلهم لا ينفعون ولا يضرون، وفي الحديث: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ …» (^١).
ثم قال الله: فإن فعلت ذلك يا محمد -وهذا من باب الافتراض وإلا فلن يقع ذلك من النبيّ ﷺ، ولكن لو قدر أنَّه فعله، وهو أكرم الخلق- فيكون حينها مشركًا ظالمًا، والشرك أظلم الظلم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر، الآية (٦٥)].
ومناسبة الآية للباب: أنَّ فيها النهي عن دعاء غير الله، وأنَّ ذلك شركٌ، وفيها أنَّه لا يجلب النفع ويدفع الضر إلَّا الله، فمن طلب ذلك من غيره فقد أشرك؛ لأنَّه دعا غير الله.
وثاني الآيات: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [يونس، الآيات (١٠٧)]. أي: إن يُصبك الله بضرٍ وبلاءٍ كمرض وفقرٍ ونحوه، فلن يرفع
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣)، والحاكم (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٩٥) من طرقٍ عن ابن عباس، قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٥٧).
[ ١٧٤ ]
ضرك ويكشفه إلّا الله، وإن يُرِدْ أن يصيبك بخيرٍ ونعمةٍ فلا أحدَ يقدر على منعِ رزقه.
فالله هو المتصرف في الكون وفي أمور خلقه، فلا يكشف الضُرَّ ويجلبُ الخيرَ إلا هو، وهذا يجعله لمن شاء من عباده بحكمته وعلمه وتوفيقه.
ومناسبة الآية للتوحيد: أنَّها دلَّت على أنَّه إذا كان لا يجلبُ النفعَ ولا يدفعُ الضرَّ إلَّا الله، فلا ينبغي أن يُصرَفَ الدعاءُ لغيرِ الله الذي يملك هذه الأمور، ومن طلبها من غيره فقد أشرك؛ إذ كيف يتوجه إلى المخلوق بالدعاء، وهو يعلم أنَّ الضر والنفع ليس بأيديهم، ولذا قال الحسن ﵀: ثلاث آياتٍ وجدتُها في كتاب الله اكتفيتُ بها عن جميع الخلائق، ومنها هذه الآية: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (^١).
وتأمل كيف فرّق الله في التعبير، فقال في الخير ﴿يُرِدْكَ﴾ وفي الشر ﴿يَمْسَسْكَ﴾
والفرق بينهما: أنَّ الأشياء المكروهة لا تنسب إلى إرادة الله، بل إلى فعله أي مفعوله، فالمسُّ هو من فِعل الله، لكن الضرّ من مفعولاته، أي: وقع بإثر ذلك، فالله لا يريد الضرّ لذاته، وإنما يريده لغيره، لما يترتب عليه من الحكم البالغة، ولذا قال النبيّ ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» (^٢).
أما الخير: فهو مرادٌ لذاته، وقريبٌ من هذا قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، وقريب منه قول الخضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ مع قوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾.
_________________
(١) أورده السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٣٩٤) وعزاه إلى أبي الشيخ.
(٢) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب.
[ ١٧٥ ]
• ومثالُ ذلك: أنَّ الإنسان قد يُصاب بمرضٍ، فإنَّ الله لم يُرِد الضرَّ لذاته، وإنَّما أراد المرض لما فيه من الخير له أو لغيره، وقد تكون الحكمة عند المصاب ظاهرة، وقد لا تظهر.
وثالث الآيات: قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت، الآية (١٧)].
ومعنى الآية: أنَّ الله لما تكلم عمّن يعبدون الأصنام والأوثان وغيرها مما يعبدون من دون الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت، الآية (١٧)]، فبين لهم أنَّ من يعبدون من دون الله لا يملكون لهم رزقًا ولا ضرًا ولا نفعًا، بل ولا يملكون كشف الضرّ ولا دفعه عن أنفسهم، فمن أين يطلب الرزق إذن؟ قال: ابتغوا واطلبوا الرزق من الله الرّزاق، وأخلصوا له العبادة وحده واشكروه على نعمه.
ومناسبة الآية للتوحيد: أنَّ فيها بيان أنَّه لا يطلب الرزق إلَّا من الله؛ لأنَّه القادر عليه، فمن طلبه من غيره فقد أشرك، ففيها وجوبُ إفرادِ الله بالدعاء والعبادة.
واعلم أن تقديم لفظ الجلالة على الرزق في الآية أبلغُ من تأخيره -كما لو قال فاطلبوا الرزق من عند الله- لأن التقديم يفيد الحصر، والمعنى: أنَّ الله هو الذي عنده الرزق لا غيرُه، فاطلبوه منه، ولو كانت كلمةُ الرزق مقدّمة لكان قد يُفهم منه أنَّ الرزق قد يكون من الله ومن غيره (^١)
_________________
(١) فائدة: لماذا نكّر اللهُ الرزقَ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾، ثم عرّفه فقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾؟ =أجاب الزمخشري عن هذا: «بأنَّه أراد لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئًا من الرزق، فابتغوا عند اللّه الرزق كله، فإنَّه هو الرزاق وحده لا يرزق غيره» الكشاف (٣/ ٤٤٧). ومعنى هذا أنَّ الأولى نكرةٌ منفيةٌ، والمراد: أنَّهم لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئًا وإن قلّ، والثاني معرفة مثبتة، أي: الرزقُ كُلُّه من الله، فاطلبوه منه وحده.
[ ١٧٦ ]
ويستفاد من الآية:
١. أن طلب الرزق لا يكون إلَّا من الله.
٢. وجوب شكر الله على نعمه بالقلب واللسان والجوارح.
٣. فيها ردٌّ على المشركين الذين يدعون غير الله ليشفعوا لهم عنده في جلب الرزق، فما ظنك بمن دعاهم أنفسهم واستغاث بهم ليرزقوه وينصروه، كما هو الواقع من عباد القبور.
ورابع الآيات: قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف، الآيات (٥ - ٦)].
والضلال: التيه عن الطريق الصحيح، وقد حكم اللهُ بأنَّه ليس في الضلال أضلُّ مِنْ ضلال من يدعون غير الله، حيث يتركون دعاء السميع القريب المجيب، ويدعون أحدًا لا يستجيب لهم، ولا يقدر على إجابتهم، ولو دعوه إلى قيام الساعة، ولا بيده شيء من النفع والضر، ومع ذلك فهو غافلٌ عن دعاء من يدعوه؛ لأنَّه إما ميّتٌ، أو جمادٌ، أو مشغول بما خُلِقَ له، بل وإذا قامت القيامة كان أوّل من يعاديهم هو من دعوه وعبدوه، ويكفر بعبادتهم، فيكون قد لحق المشرك بهذا الدعاء لغير الله الضرر في الدنيا والآخرة.
ومناسبة الآية من ثلاثة أوجه:
أ- أنَّه إذا كان كل من سوى الله لا يستطيع أن يستجيب من دعاه، فكيف يليق بالإنسان أن يستغيث به ويدعوه من دون الله، كما يفعل عباد القبور (^١).
_________________
(١) انظر: القول المفيد (١/ ٢٧٠).
[ ١٧٧ ]
ب- أنَّ الله حكم على من دعا غيره بأنَّه أضل الضالين، وأنَّ الدعاء عبادة، وصرفها لغير الله شرك.
ج- كفر الداعي بصرفه الدعاء لغير الله، ولذا قال: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، ومنه قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم، الآيات (٨١ - ٨٢)] (^١).
* فإن قيل: لماذا أتى بقوله: ب ﴿وَمَنْ﴾ في قوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ﴾، ولم يقل: (ما لا يستجيب له) مع أنَّهم يدعون الأصنام وهي جماد، و(من) تكون للعاقل؟
* لأمرين:
١. أنَّهم لّما عبدوها فإنما هم نزَّلوها منزلة العاقل، وإلَّا فغيرُ العاقلِ محالٌ أن يُدعى، وعلى هذا خوطبوا بمقتضى ما يدعون؛ لأنَّه أبلغُ في إقامةِ الحجة عليهم.
٢. أنَّ ما يدعون قد يكونون ملائكة مسخرين، وقد يكونون أنبياء وصالحين، وقد يكونون أصنامًا، فغلّب جانب من يعقل.
وخامس الآيات: قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل، الآية (٦٢)]. وهذه الآية راجعة إلى قوله في أوّل الآيات: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل، الآية (٥٩)].
والمضطر: المكروب الذي مسّهُ الضر، والسوء: كل ما يسوء الإنسان.
_________________
(١) فائدة: من بلاغة القرآن أن عبّر بقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ فهي أبلغ من: لا أضل ممن يدعو؛ إذ الاستفهام المنفي أبلغ من النفي المجرد؛ لأنَّ الاستفهام فيه تحدي، أي: أوجدوا أحدًا أضل، أما النفي المجرد فلا يتضمن التحدي. القول المفيد (١/ ٢٧٠).
[ ١٧٨ ]
والمعنى: أن كفّار قريش يؤمنون بتوحيد الربوبية، وهم إذا جدَّ الجِدُّ زالَ الشرك ودعوا الواحد الأحد سبحانه، فيبيّن الله لهم ويقول: من هو الذي حينما تصيبكم الشدائد تتوجهون إليه فيجيب دعاءكم، ويكشفُ الضُرَّ عنكم؟ فإذا كان معلومًا لديكم، فلماذا تدعون غيره؟!
ومناسبة الآية للباب: من جهة أنَّ الله هو وحده المدعوُ في الشدائد، مجيبُ المضطر، الكاشفُ للسوء، والمشركون يقرون بهذا، وحينها لا ينبغي أن يدعى أو يستغاث بغيره.
• وبهذا تعلم: أنَّ من اعتقد في غير الله من الأولياء وأصحاب القبور وغيرهم أنَّهم يكشفون السوء، أو يجيبون دعاء المضطر، ودعاهم لذلك، فإنَّه قد أشرك شركًا أكبر من شرك العرب في الجاهلية؛ لأنَّ المشركين الأوائل يعتقدون أنَّ كشف السوء وإجابة المضطر هي من عند الله، أما معبوداتهم فما هي إلا شافعة، فمن اعتقد أنَّ ما يعبده من دون الله هو من يكشف الضرَّ، فقد وقع في أغلظ من شرك الأوائل.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «فإن كثيرًا من الناس ينتسبون إلى الإسلام، وينطقون بالشهادتين، ويؤدون أركان الإسلام الظاهرة، ولا يكتفى بذلك في الحكم بإسلامهم، ولا تحلّ ذكاتهم؛ لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين، والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام» (^١).
* وأما الحديث: فهو ما نقله عن الطبراني بإسناده: «أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ اَلنَّبِيّ ﷺ مُنَافِقٌ يُؤْذِي اَلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اَللَّهِ ﷺ من هذا المنافق، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ: إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَلله ﷿».
_________________
(١) عقيدة الموحدين (ص: ٣٩٢).
[ ١٧٩ ]
والحديث نسبه المصنف إلى الطبراني في المعجم الكبير عن عبادة بن الصامت، ولم أقف عليه في المطبوع من المعجم الكبير، إلا أنَّ ابن كثير ذكره بإسناده ومتنه في جامع المسانيد (^١)، وعزاه للطبراني، وابنُ كثيرٍ إذا عزا للطبراني حديثًا في هذا الكتاب، فإنما يقصد أنه أخرجه في المعجم الكبير؛ إذ كتاب المعجم الكبير من الأصول العشرة التي جمعها ابن كثير في كتابه هذا (^٢)، وقد عزاه -أيضًا- للطبراني: الهيثميُّ (^٣).
وقد رواه أحمد في المسند بنحوه، وليس فيه ذكر الاستغاثة، وإنما فيه قوله ﷺ: «لَا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ»، وهذا كما يظهر هو في ما يتعلق بالقيام، على أنَّ في إسناده عبد الله بن لهيعة، وكذا فيه رجلٌ مبهمٌ لم يسم، وهو الراوي عن عبادة بن الصامت، فالحديث إسناده ضعيف.
ولكن من أهل العلم من يُرَقِّي الحديث إلى الاعتضاد؛ لأن النصوص تؤيده.
ومعنى الحديث: أنَّ هؤلاء الصحابة حين استغاثوا بالنبيّ ﷺ في أمرٍ يقدر عليه، وهو كفُّ أذى هذا المنافق، بيّن لهم ﷺ أنَّ الاستغاثة لا تطلب إلا من الله.
وسبب إنكار النبيّ ﷺ عليهم يحتمل أمرين:
١ - أن النبيّ ﷺ لم يكن قادرًا على دفع ضرر ذلك المنافق، فأمرهم أن
_________________
(١) جامع المسانيد (٤/ ٥٦٨ - رقم ٥٧٨٠)، قال الطبراني: حدثنا أحمد بن حماد بن زُغْبَة المصرى، حدثنا سعيد بن عُفَيْر، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن على بن رباح، عن عبادة، قال: قال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ.
(٢) انظر: مقدمة جامع المسانيد (١/ ٦٠).
(٣) مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩).
[ ١٨٠ ]
يستغيثوا بالله.
٢ - أو أنَّه كان قادرًا، ولكنَّ أراد إرشادهم إلى التأدب مع الله في الألفاظ، فيكون هذا المنفي من باب التأدب في اللفظ وسدِّ الذريعة.
لكن يشكل على هذا قوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾، فكيف يجمع بين الآية والحديث؟
* على الاحتمال الأول: لا إشكال، وعلى الاحتمال الثاني: تحمل الآية على الجواز، والحديثُ على الأدبِ والأولى (^١).
وبهذا تعلم أنَّ دعاء الميت والغائب، وكذا الحاضر فيما لا يقدر عليه إلَّا الله، والاستغاثة بغير الله في كشف الضرّ أو تحويله هو الشرك الأكبر؛ لأنَّ الدعاء هو العبادة، ولأنَّ من خصائص الألوهية إفراد الله بسؤال ذلك منه.
ومناسبة الحديث الباب من جهتين:
١. أنَّ فيه إنكار النبيّ ﷺ الاستغاثة بغير الله؛ لأنَّ الاستغاثة عبادة لا تصرف إلا لله.
٢. أنَّه إذا كان هذا النهي منه ﷺ فيما يقدر عليه في حياته، فكيف يجوز أن يُستغاث به بعد وفاته، ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله؟! كما جرى على ألسنة كثير من الشعراء، كالبوصيري (^٢) والبرعي من الاستغاثة بمن لا
_________________
(١) انظر: تيسير العزيز الحميد (١٩٣).
(٢) كقوله في البردة: يا أكرم الخلق مالى من ألوذ به … سواك عند حلول الحادث العمم وانظر: الرد على البردة ل أبا بطين (ص: ١٢).
[ ١٨١ ]
يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا (^١).
* خلاصة الباب:
١ - أنَّ الاستغاثة عبادة من العبادات، وكذا الدعاء بنوعيه.
٢ - أنَّ صرف الاستغاثة والدعاء لغير الله شرك، إلّا إذا كان ذلك لحيّ حاضر قادر مع الاعتقاد أنَّه سبب، فلا يكون شركًا.
_________________
(١) فتح المجيد (١/ ٣٢٤).
[ ١٨٢ ]