عقد المصنّف هذا الباب، وصدّره بقول الله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالترجمة: بيان حال المدعوين من دون الله وأنَّهم لا ينفعون ولا يضرون، سواء أكانوا ملائكةً أو أنبياءَ أو صالحين أو أصنام، فكلُ من دُعي من دون الله فهذا حاله، ولذا قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج، الآية (٧٣)].
ومناسبةُ البابِ للتوحيد ولما قبله: أنَّ المؤلف لما ذكر أمورًا من الشرك، كالاستعاذة والاستغاثة بغير الله، ذكر براهين دالَّة على بطلان عبادة ما سوى الله، وأنَّ ما سوى الله لا يستحق أن يُصرَفَ له شيءٌ من أنواع العبادة.
ولما بيّن حال الداعي لغير الله، وأنَّه ليس هناك أضلّ منه، ناسب أن يذكر حال المدعو، وأنَّه لا يملك شيئًا.
المسألة الثانية: نصوص الباب:
ذكر في الباب خمسة نصوص مستدلًا بها للترجمة، آيتين وثلاثة أحاديث:
(١) قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ [الأعراف، الآيات (١٩١ - ١٩٢)].
وقد صُدِّرت الآيةُ بقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهو استفهامٌ إنكاري على من يشرك في العبادة مع الله غيره من الخلق، والحال أنهم ليس لهم قدرة، بل هم مخلوقون مدبرّون.
[ ١٨٥ ]
* ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾: أي أنَّ معبوداتهم لا تقدر على نصر من استنصر بهم من عابديهم، بل هم قاصرون عن ذلك، بل ولا يقدرون على نصر أنفسهم والدفاع عنها وردِّ الضر عنها، فكيف يدفعونه عن غيرهم، وقد روي أن عمرو بن الجموح اتخذ صنمًا من خشب في داره يقال له: مناة -كما كان الأشراف يصنعون-، فلما أسلم فتيانُ بني سلمة -ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل- كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، وفيها عَذِرُ الناسِ منكسًا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: «ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟» ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره، ثم قال: «أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه».
فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه، ففعلوا مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطيبه ويطهره، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث ألقوه يومًا، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال له: «إني- والله- ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع، هذا السيف معك».
فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبًا ميتًا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة، فيها عذر من عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسًا مقرونًا بكلب ميت، فعلم حينها أنَّه لا يدفع عن نفسه، فهداه الله للإسلام (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢٢٨)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٤٥٦).
[ ١٨٦ ]
فالمراد أنَّ هذه المعبودات من دون الله لا تصلح أن تكون معبودة من وجوه:
١ - أنَّها لا تخلق. ٢ - أنَّها مخلوقة.
٣ - لا تستطيع نصر الداعين. ٤ - ولا نصر أنفسها.
ومناسبة الآية للباب: أنَّه إذا كانت هذه حال ما يُعبَدُ من دون الله، وأنَّه في غاية العجز، فكيف يليق بعاقل أن يدعو من هذا وصفه، ويدع من بيده كل الأمور سبحانه؟!
(٢) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر، الآية (١٣ - ١٤)].
والقطمير: هو اللفافة تكون على نواة التمر.
والمعنى: أنَّ الله أخبر عن حال المدعوين من دونه أنَّهم عاجزون، وأنَّهم قد انتفت عنهم الشروط التي لابد أن تكون في المدعو، وهي ملك ما طلب منه، وسماع الدعاء والقدرة على إجابته، فمتى عُدِمَ شرطٌ بطل أن يكون مدعوًا، فكيف إذا عُدِمَت كلها؟!
وهؤلاء الذين يُدْعَون من دون الله إما أنَّهم لا يسمعون دعاء من يدعوهم؛ لأنَّهم إما ملائكةٌ مشغولون بما خُلِقوا له، وإما أمواتٌ لا يسمعون، ولو افترض أنَّهم سمعوا دعاءكم إيّاهم ما قدروا على ما تطلبونه منهم، ولا يقدر على هذا إلّا الله، بل إنَّهم يوم القيامة يتبرؤون ممن أشرك بهم مع الله، وهذا كقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ (٨٢)﴾ [مريم، الآية (٨١ - ٨٢)].
[ ١٨٧ ]
وبعد هذا البيان الذي لا يُبْقِي في القلبِ انصرافًا للمخلوق، ختم الله الآية بقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾: أي لا يُخبِرُك بمآلات الأمورِ وعواقبها، مثلُ الخبيرِ العالم ببواطن الأمور، وهو الله سبحانه.
فمناسبة الآية للباب: أنَّ فيها الردَّ والبرهان القاطع على بطلان الشرك، والردَّ على المشركين بالله وبيان حال معبوداتهم، وإذا كانت هذه حالها، فكيف تدعى من دون الله؟!
واعلم أن هذا لا يتنافى مع كون الأموات قد يسمعون كلام الأحياء، فإن هذا فيه خلافٌ في ثبوته أولًا (^١)، ولو ثبت فلا يلزم أنهم يسمعون كل شيء، وعلى فرض سماعهم لكل شيء، فالله أخبر أنَّهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، وهذا كافٍ.
(٣) حديث أنس ﵁ قال: «شُجَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهِمْ؟».
والشجة: الجرح في الرأس والوجه خاصة (^٢).
والرباعية: الأسنان في المقدمة التي تلي الثنايا، والإنسان له أربع رباعيات، والذي كسر رباعية النبيّ ﷺ هو عتبة بن أبي وقاص، قال ابن حجر: «والمراد: أنَّها كُسِرت فذهب منها فلقة، ولم تُقْلَع من أصلها» (^٣).
_________________
(١) محموع الفتاوى (٥/ ٣٦٤).
(٢) والذي شجه ﷺ في جبهته هو عبد الله بن شهاب الزهري، وأما عبد الله بن قمئة فقد جرح وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته. السيرة النبوية، لابن هشام (٤/ ٢٨)
(٣) فتح الباري (٧/ ٣٦٦).
[ ١٨٨ ]
* وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهِمْ؟»: استفهامٌ، معناه: ما أبعد هؤلاء عن الفلاح، وقد شجوا نبيهم.
والمعنى: أنَّ أنسًا ﵁ في هذا الحديث بَيّنَ ما لحق النبيّ ﷺ من أذى قومه يوم أحد، فكأنَّه لحقه من تلك الحالِ يأسٌ من فلاح كفار قريش، فقال: «كيف يفلحون»، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، فأمور الخلق وتدبيرهم وعقابهم أو رحمتهم ليست إليك بل إلى خالقهم سبحانه، أما أنت فعبدٌ مأمورٌ بإنذارهم وجهادهم، فامض لشأنك ودُم على الدعوة لدين ربك (^١).
ومناسبة الآية للباب ووجه الشاهد منها من جهتين:
١. أنَّه إذا كان النبيّ ﷺ وهو قد أوذي وكسرت رباعيته لم يعذره الله بكلمة: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ …» وبيّن أنَّه ليس له من الأمر شيء، فما بالك بمن سواه كالأولياء أو الأنبياء، وغيرهم ممن هم إما أموات أو جمادات، وهم لا يملكون من التدبير شيئًا.
٢. أنَّه لو كان النبيّ ﷺ يملك جلبَ النفع ودفع الضر، لَدَفع الضُرّ عن نفسه، ولَما أصيب وأدمي وجهه وكسرت رباعيته، فكيف بمن هو دونه ﷺ؟!
(٤) عن ابن عمر: «أنَّه سمع رسول الله ﷺ يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ اَلرُّكُوعِ فِي اَلرَّكْعَةِ اَلْأَخِيرَةِ مِنَ اَلْفَجْرِ: اَللَّهُمَّ اِلْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اَلله لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ اَلْحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اَللَّهُ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾»، وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمِّيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾» أخرجه البخاري، وهو في قنوت النبيّ ﷺ بعد أُحُدٍ،
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (٢٠٣).
[ ١٨٩ ]
حين كُسرت رباعيته وأُدمي وجهُه، فقال: «اَللَّهُمَّ اِلْعَنْ فُلَانًا» لأناسٍ من رؤوس المشركين.
واللعنُ: «الطرد والإبعاد من الله، وهو من الخلقِ السبُّ والدعاء» (^١).
فيكون اللعن إذا صدر من الخلق: طلبُ طردِ الملعون وإبعادِه من الله بلفظ اللعن، وليس المراد مطلق السبّ والشتم.
والمعنى: أنَّ النبيّ ﷺ لما أوذي دعا على هؤلاء الكفار، فجاءه التأنيب والنهي ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ولم يكن النبيّ ﷺ يعلم الغيب، فإنَّ هؤلاء الثلاثة الذين سمّاهم أسلموا وحسُنَ إسلامهم، وكان الله عليمًا ببواطن الأمور حين لم يستجب للنبي ﷺ دعاءه، فأين هذا مما يعتقده عبّاد القبور في الأولياء والصالحين، بل في الطواغيت أنَّهم ينفعون مَنْ دعاهم ويكشفون بلاءه وينصرون من لاذَ بجاههم، فيدعونهم برًّا وبحرًا، وفي كل حال، فإذا كان هذا في النبيّ، فما بالك بغيره؟!
ووجه الشاهد ومناسبة الحديث للباب: أنَّ النبيّ ﷺ ليس له من الأمر شيء، ويتبين ذلك بأمرين ذُكرا في الحديث السابق:
١. أنَّه لما آذاه هؤلاء المشركون لم يستطع ردّ أذاهم بنفسه، بل لجأ إلى ربّه القادر على جلب النفع ودفع الضر.
٢. أنَّه لما دعا على هؤلاء أنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
ولا تعارض بين هذا الحديث، وبين الذي قبله، كون الآية نزلت فيهما، بل يقال: إنَّ هذه القصة كانت في غزوة أحد، وأنَّه قنت بعد غزوة أحد،
_________________
(١) النهاية في غريب الحديث (٤/ ٢٥٥).
[ ١٩٠ ]
فكلا القصتين في غزوة أحد (^١).
(٥) حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قَامَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ! لَا أُغْنِكَ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اَللَّهِ شَيْئًا».
ومعنى الحديث: أنَّ النبيّ ﷺ حين نزل عليه قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام خطيبًا على الصفا، وبدأ بالنصح للأقربين، وأمرهم بالتوحيد حتى ينقذوا أنفسهم من النّار، ولا يعتمدوا على شرفِ النسبِ وقرابته لهم، فهو ﷺ لا يملك لأقربِ الناس إليه -وهم عمّه وعمته وابنته الصغرى- شيئًا، فمن أراد النّجاة فليوحد الله ولا يعتمدْ على الخلق، فالخلقُ ليس بأيديهم شيء من النفع أو الضر.
_________________
(١) وفي الحديث غير ما تقدم:
(٢) جواز الدعاء على المشركين، وتسمية المدعو لهم أو عليهم بأسمائهم في الصلاة. لكنَّ الدعاء على الكافر باللعنة إذا كان لعمومهم، فالذي يظهر جوازه لما ورد في الصحيحين أن أبا هريرة قال: «وَاللهِ لَأُقَرِّبَنَّ لكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ هـ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي الظُّهْرِ، وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ» أخرجه البخاري (٧٩٧)، ومسلم (٦٧٦)، وأما لعنُ الكافر بعينه وخصوصه، فهذا الذي نهي عنه النبيّ ﷺ.
(٣) مشروعية القنوت في النوازل.
(٤) أنَّ التوبة تَجُبُّ ما قبلها، فهؤلاء الثلاثة لما تابوا تاب الله عليهم مع أنَّهم آذوا النبيّ ﷺ.
[ ١٩١ ]
ومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّه لا يجوز أن يُطلَب من الرسول -ومِن غيره من باب أولى- إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا؛ وإذا كان هذا النبيّ ﷺ أفضلُ الخلق وسيدُ المرسلين يقول هذا، خصوصًا لأقرب الناس إليه، فما الظن بغيره من عامة الناس، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف، الآية (١٨٨)].
واعلم أن كونه ﷺ لا يغني عنهم من الله شيئًا، لا ينافي شفاعته لهم يوم القيامة؛ إذ شفاعته ﷺ هي أمرٌ من الله ابتداءً فضلًا عليه وعليهم، لا أنَّه ﷺ يشفع فيمن شاء، فشفاعته بأمر الله، ولهذا كان يُعَلِّم أصحابه أن يدعوا له أن يبعثه الله المقام المحمود.
* خلاصة الباب: أنَّه لا أحد يستحقّ أن تتوجه القلوب له بالعبادة إلا الله.
وأنَّه إذا كان أعظم خلق الله من الملائكة والأنبياء لا يملكون لأنفسهم دفعًا أو نفعًا، فغيرهم من باب أولى، فعلى المسلم أن يتوجه إلى الله وكفى.
*
[ ١٩٢ ]