هذا أوّل أبواب الكتاب، وذكر فيه المصنّف خمس آياتٍ، وحديثًا، وأثرًا في تبيين معنى التوحيد، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: ذكر المصنّف قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية (٥٦)]. وفيها بيّن الله وظيفة الأمّة التي لأجلها خلقهم، وأنَّ ذلك لأجل أن يتوجهوا له بالعبادة جِنّهم وإنسِهم، فلم يُرد الله منهم تكثرًا ولا استغناءً، وإنما أراد أن يصرفوا له العبادة، ولذلك قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون، الآية (١١٥)]. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة، الآية (٣٦)]. قال الشافعي: «لا يؤمر ولا ينهى» (^١).
والعبادة: (اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) (^٢)، فيدخل في العبادة أمران:
الأول: أداء كل أمرٍ يحبه الله، ويأمر به، سواء كان قولًا كقراءة القرآن،
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن (٢/ ١٢٣). قلت: وهو أيضًا قول مجاهد. انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٨٣)، ولكنه من رواية ابن أبي نجيح، عنه، وهو منقطع، وقول أبي جعفر الترمذي انظر جزئه في تفسير القرآن (ص ٦٥).
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩).
[ ٣٧ ]
والذكر، أو فعلًا كالصلاة والصوم، والبر، أو عملًا قلبيًا كالحبّ لله، والتوكل عليه، وهكذا.
الثاني: ترك كل معصيةٍ نهى الله عنها، سواء كانت شركًا أكبر، أو أصغر، أو معصية كبيرة، كالزنا والربا، أو صغيرة.
وتأمل كيف ذكر الله الآية بصيغة الحصر، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية (٥٦)]. واللام في ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ هي لامُ التعليل؛ ليبيّن أنَّه ليس ثمة هدف آخر لخلقهم غير ذلك، فيا خسارة من أمضى حياته في غير عبادة الله.
وفي الآية بيان أنَّ ذلك للإنس والجنّ على حدٍّ سواء.
المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية (٣٦)]، وفيها يبين سبحانه أنَّه أرسل الرسل في الأمم، وكان الأمر المشترك في دعوتهم هو دعوتهم للتوحيد، فكلّ من أُرسِل منهم دعى قومه للتوحيد، وهذا يبيّن لك أهمية التوحيد، وأنَّه آكد الأمور، حيث تضافر عليه الأنبياء والرسل، الذين قد تختلف تفاصيل شرائعهم، ولكنهم يتفقون على التوحيد، وقد قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية (٢٥)].
المسألة الثالثة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء، الآية (٢٣)]. فحينما ذكر الواجبات بدأ بالتوحيد، ولا شكّ أنَّ هذا يبين أنَّه أهم الأمور، فتقديمه للاحتفاء به والعناية به.
* فقوله: ﴿وَقَضَى﴾، أي: وصى وأمر، وقبلها قوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء، الآية (٢٣)].
[ ٣٨ ]
وفيه- أيضًا- عظم حق الوالدين، حيث قرنه مع الأمر بعبادته وحده سبحانه، ونظيرها قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان، الآية (١٤)].
المسألة الرابعة: ذكر المصنف قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء، الآية (٣٦)]، وهذه الآية تسمّى آية الحقوق العشرة؛ لأنَّ فيها أمرٌ بعشر وصايا ابتدأت بالأمر بالعبادة والنهي عن الشرك، ثم حق الوالدين، وذي القربى، وهكذا.
فتقديم حق الله دليل على: أنَّه أعظم الحقوق وآكدها، فالعبد مأمور بأن يعبد الله، والعبادة إنّما تصح إذا توافر فيها الإخلاص والمتابعة، ثم زاد ذلك تأكيدًا بالنهي عن أي شيء من الشرك.
المسألة الخامسة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا …﴾ [النساء، الآية (١٥١ - ١٥٣)].
ثم ذكر كلام ابن مسعود ﵁: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ اَلَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُه، فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [النساء، الآية (١٥١ - ١٥٣)]».
وهذه الآيات تدل على أهمية التوحيد، من وجهين:
١. أنَّ الله تعالى ذكر في الآيات أمورًا، ذكر ابن مسعود بأنَّها وصيّة النبيّ ﷺ التي عليها خاتمه، والعادةُ: أنَّ الإنسان لا يوصي إلّا بأهم الأشياء، وختمُ الوصية دليلٌ على أنَّها لا تتغيّر، ولذلك قال ابن عباس: «هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء، وهن محرمات على بني آدم كلهم،
[ ٣٩ ]
وهنّ أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار» (^١).
٢. أنَّ الله ابتدأ في الآيات بذكر النهي عن الشرك، والتقديم يفيد التأكيد، فكأنَّه قال: أوّل ما أتلو عليكم أن لا تشركوا بالله شيئًا.
المسألة السادسة: ذكر المصنّف حديث معاذ بن جبل ﵁، وفيه أنَّ رسول الله ﷺ قال لي: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ؟ قُلْتُ: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ اَلنَّاسَ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا».
والحديث يدلّ على أهمية التوحيد من وجوه:
١ - أنَّ النبيّ ﷺ جعله حقًا لله على العباد، وهو الحقّ الذي لأجله خلق الله الخلق.
٢ - أنَّ النبيّ ﷺ جعل جزاء من قام به أنَّ الله لا يعذبه، وهذا تفضل من الله، وإلّا فليس للعباد على الله حقّ واجب، وإنّما هو تفضّل منه سبحانه.
٣ - أنَّ النبيّ ﷺ ساق هذا الأمر بصيغة الاستفهام لتتشوّف النفس لما سيذكر، وهو أسلوب متّبع عند إرادة توكيد الكلام.
* الخلاصة: أنَّ هذه النصوص تدل بمجموعها على أهمية التوحيد وآكديته والاحتفاء به.
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (١٢/ ٢٢٦)، وابن أبي حاتم في التفسير (٨٠٥٧) مختصرًا.
[ ٤٠ ]