عقد المصنّف هذا الباب بعد باب الشفاعة، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المراد بالباب: بيانُ حالِ النبيّ ﷺ، الذي هو أفضلُ الخلقِ وأقربُهم لله، وأعظمهم جاهًا، ومع ذلك فحين حرص على هداية عمه أبي طالب الذي خدمه وحماه، لم يقدر ﷺ على هدايته، بل إنَّه استغفر له بعد موته، فنهاه ربه.
وإذا تقرَّر هذا، عُلِمَ أن رسولَ اللهِ ﷺ، ومن باب أولى من هم دونه من الأنبياء، أو الصالحين، فضلًا عن غيرهم، لا يملكون النفع والضرَّ، وأنَّ ذلك كله بيد الله؛ إذ لو كان هذا لأحدِ من الخلق؛ لكان لأفضلهم ﷺ منه نصيبًا وافرًا.
[ ٢١١ ]
المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب آية وحديثًا.
* أما الآية: فهي قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص، الآية (٥٦)]، والمعنى: ليس إليك أن تهدي من أحببت هدايته، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، وله الحكمة البالغة سبحانه.
ولا تنافي بين هذه الآية، وبين قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فإن الهداية نوعان:
١ - هداية دلالة وإرشاد: بأن يَدُلَّ ويُرشِدَ إلى الحقّ، فهذه تتوجه إلى النبيّ ﷺ، كما في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
٢ - هداية توفيق: بأن يوفّق صاحبه للخير والبر، فهذه هي المنفية في الآية، وهي ليست إلّا لله.
* وأما الحديث: فهو في خبر النبيّ ﷺ مع أبي طالب.
* وقوله: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ اَلْوَفَاةُ» حضور الوفاة هنا تحتمل معنيين:
١. حضرت علامات الوفاة: وإلّا لو انتهى إلى المعاينة لم تنفعه ولو قالها، قال الله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء، الآية (١٨)]، ويدل لهذا المعنى أنَّهم تراجعوا الكلام، وهذا لا يكون لمن هو في النزع.
٢. حضرته الوفاة الحقيقية: لكن رجا النبيُّ ﷺ أنَّه إذا نطق بها -ولو في تلك الحال- أن تنفعه ويشفعُ هو ﷺ فيه، ولذا قال: «أجادل لك بها» «أشفع لك» «أشهد لك بها»، ولم يجزم أنَّها تنفعه لو قالها، فيكون هذا خاصًا بأبي طالب،
[ ٢١٢ ]
أما غيره فإذا وصل إلى هذا الحدِّ لا تُقبل منه توبة.
* وقوله: «يَا عَمِّ قُلْ: لا إله إلّا الله» أي: قُلها بلفظها، واعتقد معناها، ولا يكفي أحدهما عن الآخر، فمن قالها بلسانه ولم يعتقدها قلبه، حَقنت دمَهُ في الدنيا فقط، ومن اعتقدها بقلبه، ولم يلفظ بها، لم يدخل في الإسلام.
وإنما لم يقل له النبيّ ﷺ: اعتقدها مع ذلك بقلبك؛ لأن العرب يعرفون هذه الكلمة ومعناها، ولذا أنكر عليه قولها أبو جهل وصاحبه.
ولأنَّ أبا طالب كان يعتقد بقلبه أنَّ الإسلام هو الحق، لكن هذا لا ينفعه؛ لأنَّه لم ينطق.
* وقوله: «كَلِمَةً» منصوبة، بناءً على أنَّها بدلٌ من «لا إله إلّا الله»، والقاعدة: أنَّ البدل يتبع المبدل في إعرابه، ويجوزُ رفعُها على إضمار المبتدأ، أي: هي كلمةٌ، (^١)، ومعلوم أنَّ الكلمة هنا يراد بها الجملة، لا الكلمة المفردة، ومنه قوله ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ (أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ)» (^٢).
* وقوله: «أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ؟» أتيا بالكلام على صيغة الاستفهام مبالغة في الإنكار عليه في مخالفة الآباء والكبراء، فهما لما خشيا أن يقولها ذكّراه بالحمية الجاهلية، وأنه لو قالها فسيخالف مِلَّة والده عبد المطلب، وهذه حجةٌ شيطانيةٌ لَبّس بها الشيطانُ على عددٍ من الكفار، ولذا أخبر الله أن فرعون قال لموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ هل كلهم ضلوا،
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، للقرطبي (١/ ١١٠).
(٢) أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦).
[ ٢١٣ ]
وأنت ومن معك المهتدون؟! قال السعدي: «أي: ما شأنهم، وما خبرهم؟ وكيف وصلت بهم الحال، وقد سبقونا إلى الإنكار والكفر، والظلم، والعناد، ولنا فيهم أسوة؟ وقال الله عن بعض الأمم قولهم: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف، الآية (٢٣)]» (^١).
وتأمل هنا ضرر رُفقةِ السوء، كيف حرصا على إضلاله وثنيه عن الإسلام، والعجيب أنَّ عبد الله بن أبي أمية أسلم بعد ذلك.
* وقوله: «فَأَعَادَ عَلَيْهِ اَلنَّبِيُّ ﷺ» أعادهُ عليه لشدِّة حِرصه على هدايةِ عمّه، ولم ييأس ﷺ، وهكذا ينبغي للداعية أن لا ييأس.
* وقوله: «فَأَعَادَا»: أي كررا عليه المقولة السابقة؛ خوفًا من إسلامه.
وعند مسلمٍ تتمة الحديث: «لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِى قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ» (^٢)، أي: سررْتُك بقولها، وأبلغتُكَ أُمْنيتك.
* وقوله: «هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ» هذا من تصرف الرواة، وإلّا فأبو طالب قال: «أنا …» ومثل هذه التصرفات مستحسنة، كما قال ابن حجر (^٣).
وفي روايةٍ أنّ رسول الله ﷺ قال بعد ذلك: «أمَا والله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ»، فأكدت بثلاث مؤكدات:
١ - القسم. ٢ - اللام. ٣ - نون التوكيد الثقيلة.
وذلك تأكيدًا لعزمه ﷺ، وهذا من مجازاته له على المعروف، لكن كأنَّه
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (١/ ٥٠٦).
(٢) صحيح مسلم (٢٥).
(٣) فتح الباري (٨/ ٥٠٧).
[ ٢١٤ ]
خشي أن يُنهى فقال: «مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» وهذا ما وقع، إذ نُهِي عن ذلك.
* وقوله: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة، الآية (١١٣)]. هذا خبرٌ بمعنى النهي، أي: ما ينبغي لهم ذلك.
* فإن قيل: قوله في الحديث: «فَأَنْزَلَ الله» تفيد أنَّها نزلت بعد هذه القصة، وكانت في مكة، يشكل عليها أنه ورد أنَّ رسول الله ﷺ لما اعتمر مرَّ على قبر أمّه، فاستأذن ربّه في أن يستغفر لها، فلم يؤذن له، فكيف استأذن بعد النهي؟ وكيف قيل: إنَّ الآية نزلت بعد استئذانه الاستغفار لأمه؟
* منهم من قال: يُحمل هذا على أنَّ الآية تأخر نزولها، فتكون نزلت إثر استئذانه في الاستغفار لأمه، وحينها يكون لها سببان:
١. متقدم، وهو أمرُ أبي طالب.
٢. متأخر، وهو أمرُ أمّه ﷺ وقد يؤيد هذا قولُ الراوي: «فأنزل الله في أبي طالب، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾، فهذا يشعر أنَّ الأولى نزلت في أبي طالب وغيره، بينما قال في الثانية: «وأنزل في أبي طالب».
وأقربُ منه أن يقال: إنَّ الآية هذه نزلت في قصة أبي طالب، ولذا حين أراد أن يستغفر لأُمّه استأذن ربه، والاستئذانُ يدل على وجود منع سابق، والله أعلم.
ومناسبة الحديث للباب: أنّ فيه نفي هداية التوفيق عن النبيّ ﷺ، وإذا انتفت عن أكرم الخلق فغيره من باب أولى، ويكون طلبها من غير الله شركًا.
ومما يؤخذ من الحديث غير ما سبق الإشارة إليه: تفسير كلمة لا إله إلا الله، وهو أمرٌ عرفه أبو جهل حين قال لأبي طالب: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟»،
[ ٢١٥ ]
وكم ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف معنى لا إله إلا الله، ولذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «فلا خير في رجلٍ جُهّال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله» (^١).
_________________
(١) الدرر السنية (١/ ٧٠)، ويؤخذ من الحديث كذلك: جواز عيادة المشرك إذا رُجِي إسلامه، والرد على من زعم إسلام أبي طالب وهم الرافضة.
[ ٢١٦ ]