هذا الباب متعلق بالغلوّ، وهو من أهم الأبواب، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المقصود من الباب:
الغلو: مجاوزةُ الحدِّ في مدح الشيء أو ذمِّه، قال الراغب: «الغلو تجاوز الحدّ، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء، وإذا كان في القدر والمنزلة غلو» (^١).
وقال ابن تيمية: «الغلو مجاوزة الحدّ، بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك» (^٢).
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (٣٦٤).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٨٩)
[ ٢١٩ ]
وقد أراد المصنف في الباب أن يبيّن أنَّ سبب الوقوع في الشرك بالله تعالى، والباعثَ الأوَّل له هو الغلوُ في هؤلاء الصالحين الذين عُبِدوا من دون الله، فمن الغلو بدأت شرارة الضلالة، ودخل الشيطان على هؤلاء، فالناس إنما جرّهم إلى الشرك غلوهم في هؤلاء المعبودين.
ومناسبة الباب لما قبله: أنَّه لما ذكر بعض ما يقع من عباد القبور مع الأموات من الشرك، أعقب ذلك ببيان سببه وهو الغلو.
المسألة الثانية: نصوص الباب: ذكر في الباب خمسةَ نصوصٍ تبين أثر الغلو:
(١) قول الله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء، الآية (١٧١)]. والمخاطَب هنا هم أهل الكتاب - اليهود والنصارى-، أن لا تغلوا في دينكم، وقد كان سبب ضلال النصارى أنَّهم غلوا في عيسى;، حتى ألَّهوه وعبدوه، وغلوا فيمن كان معه من أتباعه فادعوا فيهم العصمة، بينما كان ضلالُ اليهودِ في غلوهم في عيسى; قدحًا، وادعوا أنَّه ولد بغي.
ومناسبة الآية للباب: أنَّ من دعا نبيًّا أو وليًّا من دون الله وغلا فيه، فقد شابه النصارى واليهود.
ولو تتبعت كلَّ مَنْ ضلّ من الفرق لوجدت أنَّه بسبب غلوهم في جانب، فالرافضة غلوا في حبّ آل البيت، والنواصب بضدّ ذلك، والجهمية غلوا في نفي التشبيه لله حتى نفوا عنه كل شيء، وهؤلاء الذين يعظّمون الأولياء ضلّوا حينما غلوا فيهم.
• ففي الآية: التحذير من الغلوّ في الصالحين والأنبياء، فإنَّه كان سبب ضلال النصارى واليهود (^١).
_________________
(١) فائدة: أشار ابن القيم إلى أن الغلو نوعان: ١. نوع يخرجه عن كونه مطيعًا، كمن زاد في الصلاة ركعة، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق، أو سعى بين الصفا والمروة عشرًا، أو نحو ذلك عمدًا. ٢. وغلوٌ يخاف منه الانقطاع والاستحسار، كقيام الليل كله، وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد، وكلاهما مذموم. مدارج السالكين (٢/ ٤٦٥).
[ ٢٢٠ ]
(٢) حديث ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح، الآية (٢٣)] قال: «هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمٍ نُوحٍ».
وكان الناسُ قبل نوحٍ ﷺ على الإسلام، فقد ورد عن ابن عباس: «كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» (^١)، وكانت البداية منهم حينما غلوا في هؤلاء، فإنَّهم كانوا صالحين، ثم ماتوا في زمنٍ متقارب، فحزن الناس عليهم، فاستغلَّ الشيطان هذه العاطفة، وأشار عليهم أن ينصبوا في مواضعهم صورهم، ويسموها بأسمائهم؛ تخليدًا لذكرهم، ولينشطوا للعبادة كلما رأوهم، فلما هلك ذلك القرن وسوس الشيطان إلى من بعدهم أن من سبقوكم وضعوا هذه لأجل عبادتهم.
وهؤلاء الأشخاص الخمسة كانوا قبل نوح؛ لأنَّ نوحًا ﷺ أتاهم ودعاهم إلى ترك عبادة هؤلاء الأصنام، وهذا الموافق لظاهر القرآن، وقاله جمع من
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٧٥)، والحاكم (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧) وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وقال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (٣/ ٦٥): ثابت، وقال الألباني في الصحيحة (٧/ ٨٥٤): صحيح.
[ ٢٢١ ]
السلف.
ومناسبة الحديث للباب: أنَّه ما أوقع هؤلاء في الشرك إلّا الغلو في الصالحين ومحبتهم، حتى صوروهم، فدخل الشيطان عليهم من هذا المدخل، فالغلو مدخل شيطاني لإيقاع الناس في الشرك، ومنه دخل على كثير من الناس اليوم.
وتبين من الحديث أهمية نشر العلم، وغرس التوحيد؛ فإنَّ نسيان العلم كان مدخلًا للشيطان في نشر الشرك في قوم نوح.
ثم ذكر المصنف كلام ابن القيم مبيّنًا أنَّ أوّل الخلل وقع بسبب الغلو، فقال: (قال غير واحد من السلف: «لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم»).
فقد ذكر ابن القيم طريقَ الشيطان في تدرّجه بهم حتى أوصلهم إلى الشرك، سواء هم أو غيرهم من عباد الأصنام أو القبور، فقال: «ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلّا من لم يرد الله تعالى فتنته: ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه، من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبِدَ أربابُها من دون الله، وعُبِدَت قبورهم، واتُخِذت أوثانًا وبُنِيت عليها الهياكل، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادًا لها ظل، ثم جعلت أصنامًا وعبدت مع الله تعالى، وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ [نوح، الآية (٢١ - ٢٤)].
وبيّن في موضعٍ آخر أنّ تدرجه كان خطوةً خطوةً:
١ - ألقى إليهم أنَّ البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين
[ ٢٢٢ ]
وتعظيمهم، وأنَّ الدعاء عندها أرجى في الإجابة، حتى تقرر ذلك عندهم.
٢ - بعد ذلك نقلهم إلى الإقسام على الله بها والدعاء بها، وهذا أعظم من الذي قبله؛ فإنَّ شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه.
٣ - ولما تقرر ذلك عندهم نقلهم إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنًا يعبد ويعكف عليه ويطاف ويذبح عنده وغير ذلك.
٤ - ونقلهم إلى معاداة من نهى عن الشرك؛ بحجة أنَّهم حطّوا من منزلة هؤلاء الأولياء، فنفروا الناس عنهم وعادوهم، وهذا في السابق ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ …﴾ وهو موجود إلى الآن (^١).
(٣) حديث عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْد، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ».
والإطراء: المبالغة في المدح ومجاوزة الحدّ فيه.
وسبق بيان غلو النصارى في إطراء عيسى ﵈ حتى ادعوا له الألوهية.
فنهى النبيّ ﷺ أتباعه عن إطرائه ﷺ كما وقع من النصارى، وأعقب ذلك ببيان منزلته الحقيقة، حين قال: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ …» ليس لي في الربوبية حقٌّ، بل أنا عبدٌ، والعبد من شأنَّه أنَّه لا يملك ولا يتصرف في أمر سيده، وكل الخلق عبادٌ لله.
ثم طلب منهم ﷺ التوازنَ والتوسط في حقه، بلا إفراط ولا جفاء، فقال: «فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» فيصفوه بالعبودية، ولا يرفعوه فوق ما جعله الله
_________________
(١) انظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لابن القيم (١/ ٢١٧).
[ ٢٢٣ ]
له، ولا يجفون في حقه، بل يجمعوا بين الوصفين: عبد الله، ورسوله.
ومناسبة الحديث للباب: أنَّه ما أوقعَ النصارى فيما وقعوا فيه إلّا الغلو في عيسى ﵈، ولذا حرص النبيّ ﷺ على التحذير مما وقعوا فيه من الغلوّ حتى لا نضلَّ كما ضلّوا.
والعجيب أنَّ عُبّاد القبور ناقضوا هذا، واعتقدوا أنَّ من اكتفى بوصف النبيّ ﷺ بأنَّه عبدُ الله، وأنَّه لا نفع بيده ولا ضرّ، فقد جفا في حقّه، وأنقص من قدره، ولذا فهم رفعوه فوق منزلته فَضَلّوا بذلك، كما هو مشهور في تعظيمهم لقبره وحلفهم به وتوسلهم به، بل ودعائهم إيّاه، وكم أفاض شعراء الصوفية في تعظيم النبيّ ﷺ، وذاك باعتقادهم قربة، وهو عين ما نهى عنه ﷺ من الغلو فيه وإطرائه، وأمثل هنا بمثالين:
المثال الأول: محمد بن سعيد البوصيري (ت ٦٩٥ هـ) في الاسكندرية، وله قصيدة شهيرة يحفظها كثير من المتصوفة تسمى البردة، يقول في بعض أبياتها:
فإن لي ذمةً منه بتسميتي … محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم يكن في معادي آخذًا بيدي … فضلًا فقل يا زلة القدم
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به
وقال:
فإن من جودك الدنيا وضرتها … سواك عند حلول الحادث العَمِمِ
ومن علومك علم اللوح والقلم
إلى أن قال:
ما سامني الدهرُ ضيمًا واستجرتُ به … إلا ونلت جوارًا منه لم يُضم (^١)
_________________
(١) انظر: الرد على البردة، للعلامة أبا بطين (ص ١٢).
[ ٢٢٤ ]
المثال الثاني: عبد الرحيم البرعي اليماني، له قصيدة، من أبياتها:
يا سيدي يا رسول الله، يا أملي … يا موئلي، يا ملاذي، يوم تلقاني
وقوله:
سيد السادات من مضر … غوث أهل البدو والحضر
وهذا من أثر الغلو، الذي وقع من هؤلاء في حق النبيّ ﷺ، وليس ذاك- واللهِ- بتعظيمٍ له، وإنما يتحقق تعظيمه بأن يسلك تجاهه ما سلكه أصحابه ﵃.
(٤) قال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ».
والحديث جزء من حديث ابن عباس ﵄ عند النسائي وغيره، ولفظه: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ هَلُمَّ الْقُطْ لِي، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصياتٍ هُنَّ حَصى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ».
والحديث فيه النهي عن الغلو والتحذير منه، وهو وإن كان قد ورد في سببٍ خاصٍ-وهي حصى الجمار-، إلا أنَّه عامٌ في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، قال ابن تيمية: «ودين الله وسطٌ بين الغالي والجافي» (^١).
٥) عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ- قَالَهَا ثَلَاثًا».
التنطع: التعمق والتكلف، وهو مذمومٌ سواء في القول بالتقعر في إظهار الفصاحة، أو في الفعل بأن يزيد في العبادة على الحد المشروع، كما قال
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (١/ ١١٥).
[ ٢٢٥ ]
الصحابي: «… وأَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ …» (^١)، ومن ذلك التنطع في حبّ الصالحين.
وعلى كل حال: فمناسبة الحديث للباب: أنَّ فيه النهيَّ عن الغلوّ من وجهين:
١. التحذير منه والنهي عنه في قوله: «إِيَّاكُمْ».
٢. بيان أنَّه سبب هلاك الأمم السابقة.
* خلاصة الباب: أنَّ الغلوَّ ومجاوزة الحد هي سبب الوقوع في الشرك؛ ولذا حذّر منه النبيّ ﵇، وأنَّ الدين وسط بين الغالي والجافي.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٠٦٣).
[ ٢٢٦ ]