الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: أراد المصنف بالباب أمورًا:
١ - التحذير من الغلو في قبور الصالحين، وهي داخلةٌ فيما سبق، لكنها خُصَّتْ لأهميتها، وعِظَمِ خطرها وكثرةِ الضلال فيها.
٢ - بيان أنَّ الغلو فيها يؤول بالناس إلى عبادتها.
٣ - بيان أنَّها إذا عُبِدت سُمِّيت أوثانًا، ولو كانت قبور الصالحين؛ لأن الوثن كلُ ما عُبِدَ من دون الله من قبرٍ أو حجر أو شجر.
المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب ما يدل على أنَّ اتخاذ القبر مسجدًا يجعله وثنًا يُعبد، وفي الباب قوله ﷺ: «اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اَللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اِتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٣٦)، والترمذي (٣٢٠)، والنسائي (٢٠٤٣)، وابن ماجه (١٥٧٥)، وابن حبان (٣١٧٩ - ٣١٨٠)، والحاكم (١٣٨٤)، وحسنه الترمذي.
(٢) فيه مسائل: الأولى: تفسير الأوثان. الثانية: تفسير العبادة. الثالثة: أنَّه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعَه. الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد. الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله. السادسة -وهي من أهمها-: معرفة صفة عبادة اللات التي هي أكبر الأوثان. السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح. الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذِكر معنى التّسمية. التاسعة: لعنه زَوَّارَات القبور. العاشرة: لعنه من أسرجها.
[ ٢٤٠ ]
فدل على أنَّ قبر الرسول لو عُبِد لكان وثنًا كما قال: «وَثَنًا يُعْبَدُ» وإذا كان هذا في قبر النبيّ ﷺ، فما ظنك بغيره من القبور التي يدعوها ويعبدها الناس، لا شك أنَّها صارت بذلك أوثانًا.
المسألة الثالثة: ورد في الباب ما يدل على أنَّ سبب عبادة أهل القبور لهؤلاء هو غلوهم فيهم، حتى أوصلهم ذلك لأن يعبدوهم من دون الله.
وقد ذكر في الباب كلام مجاهدٍ ﵀ على قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم، الآية (١٩)]. قال: «كان يَلُتُّ لهم السويقَ فمات، فعكفوا على قبره».
فسببُ عبادةِ اللاتِ هو الغلوُ في قبره حتى صار وثنًا يُعبد، وحتى صار ذلك هو السبب في وقوع الشرك في قوم نوح، واليوم ترى من الأمة من يغلو في الأموات ويبني عليهم القباب والمشاهد ونحوها.
المسألة الرابعة: أنَّه ﷺ نهى عن كل ما يكون سببًا لتعظيم القبور، ومن ذلك جعلُ السُرُجِ عندها، وكذا تجصيصُها والبناءُ عليها؛ لِما يوقع ذلك من تعظيمها في نفوس بعض العامة.
وقد ساق في الباب حديث ابن عباس ﵄ قال: «لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ زَائِرَاتِ اَلْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا اَلْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ».
قال ابن قدامة: «لو أُبيح اتخاذُ السُرُجِ عليها لم يُلعَنْ مَنْ فَعله؛ لأن فيه تضييعًا للمال على غيره، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام» (^١).
وقال ابن تيمية: «بناء المسجد، وإسراج المصابيح على القبور، مما لم أعلم
_________________
(١) المغني (٢/ ٣٧٩).
[ ٢٤١ ]
فيه خلافًا أنَّه معصية لله ورسوله «(^١)، وقال: «إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقًا، لا يجوز بلا خلاف أعلمه، للنهي الوارد» (^٢).
ومن تأمّل سنّة المصطفى ﷺ وجد أنّه ضبط أمرَ القبورِ بسياجٍ منيعٍ؛ كي لا يقعَ الناسُ في الغلوّ فيها، ومع هذا فقد خالف كثيرٌ من الناس ما أُمِرَ به في هذا الباب، قال ابن القيم: «ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادًا للآخر، مناقضًا له، بحيث لا يجتمعان أبدًا.
فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها.
ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، مضاهاةً لبيوت الله تعالى.
ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها.
ونهى أن تتخذ أعيادًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر.
وأمر بتسويتها، وهؤلاء يرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب
ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، ونهى عن الكتابة عليها، وهؤلاء يتّخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره» (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣١/ ٤٥).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٨٩).
(٣) إغاثة اللهفان، لابن القيم، بتصرف (١/ ١٩٥).
[ ٢٤٢ ]
المسألة الخامسة: دعى النبيّ ﷺ وقال: «اَللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»، وقد استجاب الله دعاء نبيه في هذا.
قال ابن تيمية: «وقد استجاب الله دعوته، فلم يُتَّخَذَ ولله الحمد وثنًا، كما اتُخِذَ قبرُ غيره، بل ولا يتمكن أحدٌ من الدخول إلى حجرته بعد أن بنيت الحجرة، وقبل ذلك ما كانوا يمكِّنون أحدًا من أن يدخل إليه ليدعو عنده، ولا يصلي عنده، ولا غير ذلك مما يفعل عند قبر غيره، لكن من الجهَّال من يصلي إلى حجرته أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهي عنه، وهذا إنما يُفعَلُ خارجًا عند حجرته لا عند قبره، وإلا فهو- ولله الحمد- استجاب الله دعوته، فلم يمكن أحدٌ قطُ أن يدخل إلى قبره فيصلي عنده أو يدعو أو يشرك به، كما فُعِلَ بغيره، اتخذ قبره وثنًا، فإنَّه في حياة عائشة ﵂ ما كان أحدٌ يدخل إلّا لأجلها، ولم تكن تمكّن أحدًا أن يفعل عند قبره شيئًا مما نهى عنه، وبعدها كانت مغلقة، إلى أن أدخلت في المسجد، فسدّ بابها وبني عليها حائط آخر، كل ذلك صيانةً له ﷺ أن يتخذ بيته عيدًا وقبره وثنًا» (^١).
* خلاصة الباب: أنَّ الغلوَ ومجاوزةَ الحدِّ تجاه القبور والأولياء قد يوصل الإنسان إلى أن يتخذها معبودةً من دون الله، والمشروع تجاه القبور هو أمور:
١. زيارتها للاتعاظ والاعتبار، كما فعل النبيّ ﷺ.
٢. الدعاء للمسلم منهم، كما فعل النبيّ ﷺ مع أهل أحد، وغيرهم.
٣. عدم وضع أي شيء من شأنه تعظيم المقبور، كأنوار وسرج وبنيان وستور وقباب، ونحو ذلك.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٢٨).
[ ٢٤٣ ]