الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بهذه الترجمة: ما سبق من الأبواب كلها في حماية النبيّ ﷺ للتوحيد، لكنه في هذا الباب أراد أن يبيّن حمايته الخاصة للتوحيد، وما كان عليه ﷺ من التحذير من الشرك وحماية التوحيد، فذكر في الباب نصوصًا تبين هذا الهدي من النبيّ ﷺ، وأنَّه حريص على أن يحمي الأمة من كل أمرٍ قد يَدخلُ عليهم الشرك من قِبَله، وذلك ناشئ من تعظيمه لربه أن يُشْرَكَ به، ومِن رحمته بالأمة أن لا تزلّ بهم القدم في مهاوي الشرك.
المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة، الآية (١٢٨)].
والمعنى: أنَّ الله يقول ممتنًّا على الأمة: إني أرسلتُ إليكم رسولًا عربيًا من جنسكم، يخاطبكم بلسانكم، وأيضًا هو من خالص العرب، فلم يُصِبهُ مِنْ ولادة الجاهلية شيء، يشقّ عليه ما يشقّ عليكم، ولهذا بُعِث بالحنيفية السمحة، وكانت شريعته أسمح الشرائع في العمل، وكان يترك أمورًا لئلا يشق على أمته.
[ ٢٤٥ ]
• والشاهد: أن الله بين في الآية بعض أوصاف النبيّ ﷺ، ومحاسنه التي تقتضي أنَّه ينصحُ لأمته، ويسدُّ الطُرُقَ الموصلة إلى الشركِ لئلا تقع الأمة في ذلك.
المسألة الثالثة: مِنْ حرصه ﷺ على إغلاق بابِ الشرك نهيُه أن يُتَّخَذَ قبرُه عيدًا، وقد ورد في الباب حديثان يدلان على هذا:
١) حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ».
وقوله: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا»: ذكر ابن تيمية أنَّ في هذه الجملة فائدتين:
أ. النهي عن تعطيل الصلاة في البيوت؛ لئلا تشبه القبور، فأمر بتحري العبادة فيها.
ب. النهي عن الصلاة عند القبور، وبيان أنَّ القبور لا يتعبد فيها وعندها، فإذا كان النبيّ ﷺ شبّه البيت الذي لا يصلى فيه بالقبر، ففيه أن القبر لا يتعبد عنده.
وقوله: «وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ»: العيد: اسم لما يعود ويعتاد فعله، قال ابن القيم: «العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان …» (^١) ا. هـ.
ففيه: أنَّ النبيّ ﷺ نهى عن زيارة قبره على وجه مخصوص، واجتماع كالعيد الذي يكون على وجه مخصوص، فيكون قبره مكانًا يجتمع فيه للعبادة.
قال العثيمين: «أي: لا تترددوا على قبري، ولا تعتادوا ذلك، سواء قيدوه
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١/ ١٩٠).
[ ٢٤٦ ]
بالسنة أو الشهر أو الأسبوع، فإنَّه نهى عن ذلك، إنما يزار لسبب، كما لو قدم من سفر أو زاره ليتذكر الآخرة» (^١).
فأما زيارة قبره ﷺ بدون شدِّ رحل، وبدون غلوٍ فيه وعبادةٍ عنده فتجوز.
• والشاهد: أنَّ في الحديث حماية النبيّ ﷺ لجناب التوحيد فيما يتعلق بقبره وغيره من جوانب:
١. بيان أنَّ القبر موضع لا يتعبد لله عنده. ٢. نهيه أن يجعل قبره عيدًا.
٣. بيان أنَّه ليس للصلاة عليه عند قبره خاصّية، بل إذا قصد القبر للصلاة عليه فهذا منهي عنه، إنما يقصد للسلام عليه بدون شدِّ رحلٍ، ويصلي عليه إذا قدم للمدينة بلا سفر؛ لأجل ذلك إذا صليت عليه في أي موضع بلغه.
٢) ما أورده عن علي بن الحسين: «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةً كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ اَلنَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ، قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا».
وهذا الرجل كان يكرر المجيء إلى هذا الموضع، وذلك إما لاعتقاده أنَّ له فضلًا ومزية، أو بدون هذا الاعتقاد، ولكنه تردد على قبر النبيّ ﷺ ليصلي عليه ويدعو عنده ربه، لكن هذا من وسائل الشرك، ويفتح بابًا إلى الشرك، فنهاه علي بن الحسين، وبيّن له أنّ صلاته على النبيّ ﷺ تبلغه أينما كان.
وفيه أيضًا: الإنكار على من يأتي ويدعو عند قبر النبيّ ﷺ (^٢).
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٤٤٧).
(٢) ذكر الشيخ صالح الفوزان جملةً من الوسائل القولية والفعلية، التي نهى عنها رسول الله ﷺ، لأنها تفضي إلى الشرك:
(٣) نهى رسول الله ﷺ عن التلفظ بالألفاظ التي فيها التسوية بين الله وبين خلقه؛ مثل: "ما شاء الله وشئت"، "لولا الله وأنت"، وأمر بأن يقال بدل ذلك: (ما شاء الله ثم شئت)؛ لأن الواو تقتضي التسوية و"ثم" تقتضي الترتيب، وهذه التسوية في اللفظ شرك أصغر، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر. ٢ - نهى ﷺ عن الغلو في تعظيم القبور بالبناء عليها وإسراجها وتحصيصها والكتابة عليها.
(٤) نهى عن اتخاذ القبور مساجد للصلاة عندها؛ لأن ذلك وسيلة لعبادتها.
(٥) نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لما في ذلك في التشبه بالذين يسجدون لها في هذه الأوقات.
(٦) نهى عن السفر إلى أي مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله فيه بالعبادة؛ إلا إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
(٧) نهى ﷺ عن الغلو في مدحه؛ فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله"، والإطراء هو المبالغة في المدح.
(٨) نهى ﷺ عن الوفاء بالنذر إذا كان في مكان يعبد فيه صنم أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية. كل هذا حذر منه؛ صيانة للتوحيد، وحفاظًا عليه، وسدًا للوسائل والذرائع التي تفضي إليه. الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للفوزان (٤٨).
[ ٢٤٧ ]