هذا الباب من مهمات أبواب العقيدة، والكلام عليه في مسائل:
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٤٦٠)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٦١)، والدارقطني في السنن (٣٢٠٤)، والحاكم في المستدرك (٨٠٧٣)، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، متفق على ضعفه، قال الترمذي: والصحيح عن جندب موقوفًا.
(٢) أخرج البخاري (٣١٥٦) أصله مختصرًا، ليس فيه الأمر بقتل السحرة، أو قتل الساحرات الثلاث، وأخرجه كاملًا: أبو داود (٣٠٤٣)، والترمذي (١٥٨٧) والنسائي في الكبرى (٨٧٦٨)، وابن الجارود (١١٠٥)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) أخرجه مالك (٣٢٤٧)، والشافعي في المسند (٢٩٠)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ١٨٧)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ١٣٦).
(٤) فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة. الثانية: تفسير آية النساء. الثالثة: تفسير الجبت والطاغوت والفرق بينهما. الرابعة: أن الطاغوت قد يكون من الجن، وقد يكون من الإنس. الخامسة: معرفة السّبع الموبقات المخصوصات بالنهي. السادسة: أن السّاحر يكفر. السابعة: أنه يقتل ولا يستتاب. الثامنة: وجود هذا في المسلمين على عهد عمر فكيف في ما بعده؟
[ ٢٥٨ ]
المسألة الأولى: تعريف السحر.
السحر في اللغة: عبارةٌ عما خفي ولَطُفَ سببه، أي: صار سببُ ذلك الشيء لا يقع بظهور، بل بخفاء، ولذا سمي آخرُ الليل سَحَرًا، قال ابن فارس: «هو إخراج الباطل في صورة الحق، ويقال هو الخديعة، وسَحَرهُ بكلامِه استماله بِرِقَّته وحُسنِ تركيبه» (^١)، وقال الرازي: «ولفظ السحر في عُرفِ الشرع مختصٌ بكل أمرٍ يخفى سببه ويُتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع» (^٢)
وفي الاصطلاح: رقى أو عزائم وعقدٌ ينفث فيها، فتكون سحرًا له حقيقة، وحقيقة السحر: أنَّه استخدامٌ للشياطين في التأثير.
ومناسبة باب السحر للتوحيد: من جهة أنَّ السحر نوعٌ من الشرك، ففي الحديث: «من سحر فقد أشرك» (^٣)، وذلك لأنَّه لا يمكن أن يسحر إلّا بالتقرب إلى الشياطين، فهم لا يخدمونه إلّا إذا تقرّب لهم، وهذا شرك.
المسألة الثانية: ذكر أهل العلم أنَّ السحر نوعان:
١ - عقدٌ ورقى وطلاسم: وهو ما يكون بواسطة الشياطين، وهذا شرك.
٢ - أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته: وهو ما يسمى عند البعض بالقُمْرَة، ومنه بعض صور الصرف والعطف، فهذا عدوان وليس بكفر وشرك؛ لأنَّه مجرد تخييل.
لكن نبه صاحب التيسير وغيره: «أن هذا ليس بسحرٍ، وإن سمي سحرًا فعلى
_________________
(١) مقاييس اللغة (٢/ ١٣٨)، وانظر: المصباح المنير (ص: ٢٦٧).
(٢) تفسير الرازي (٣/ ٦١٩).
(٣) أخرجه النسائي (٤٠٧٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وإسناده ضعيف.
[ ٢٥٩ ]
سبيل المجاز، وفي الحقيقة فاعله مشعوذٌ لا يَصدُق عليه اسمُ الساحرِ، وفِعلُه حرامٌ، لمضرّته وخِداعه وشعوذته، ويعزّر فاعله تعزيرًا بليغًا» (^١).
المسألة الثالثة: ما حكم الساحر؟
* المقرر عند أكثر العلماء: أن الساحر كافرٌ (^٢)، بأدلة كثيرة، ساق المصنف بعضها، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [البقرة، الآية (١٠٢)]. والمعنى: أن الله قال فيمن اشترى السحر -أي: تعلّمه-، واستبدل السحر عن متابعة الرسول، أنَّه ليس له في الآخرة من نصيبٍ، وكلُ من لا نصيب له في الآخرة فعمله حابطٌ باطلٌ، فيؤخذ كفره من هذه الآية من مواضع:
أ- قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
ب- قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وعلى هذا يكفر من سحر، ومن تعلمه ولو لم يسحر، فمجرد تعلمه كفرٌ كما دلت عليه الآية.
ج- قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال الحكمي: «وهذا الوعيد لم يُطلَق إلا فيما هو كفرٌ، لا بقاء للإيمان معه، فإنَّه ما من مؤمن إلّا ويدخل الجنة، وكفى بدخول الجنة خلاقًا، ولا يدخل الجنة
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص: ٣٢٧).
(٢) وذهب الشافعي إلى أنه يفصّل في حكم الساحر، فقال: يقال للساحر صف السحر الذي تسحر به، فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب، وإلا قتل، وإن كان ما يسحر به كلاما لا يكون كفرًا فإنه لا يكفر. الأم (١/ ٢٩٣) والحقيقة أن الخلاف ليس له أثر ظاهر، فإن السحر لا يكون إلا بشرك بالله، وحينها فنبقى على مذهب الجماهير بكفر الساحر مطلقًا.
[ ٢٦٠ ]
إلا نفس مؤمنة» (^١).
المسألة الرابعة: أن مما ذمَّ الله به أهلَ الكتاب إيمانهم بالجبتِ والطاغوتِ، كما في الآية التي ذكرها المصنف، وهي قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء، الآية (٥١)].
والجبت: فسّره عمرُ بأنَّه السحر، والسحرُ من الجبت بلا شك.
وأما الطاغوت: فقد نقل فيه تفسيران:
١. الشيطان، وهو تفسير عمر ﵁.
٢. الكهّان كان ينْزل عليهم الشيطان، في كل حيٍّ واحد، وهذا تفسير جابر، وهو تفسير بالمثال، ويأتي الكلام على الكهان.
وإذا تقرر أن مما ذُمَّ به الكفارُ إيمانهم بالسحر يتبين لك أن الإيمان به محرم، وأن تعاطيه والبحث عنه مذموم.
المسألة الخامسة: قد عدّ النبيّ ﷺ السحرَ من الموبقات، في الدنيا والآخرة.
وذكر في الباب حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا اَلسَّبْعَ اَلْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: اَلشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ ..»، فعدّ السحر من الموبقات في الدنيا والآخرة.
فإن قيل: كيف عطف السحر على الشرك، وقد تقدم أن السحر داخل في الشرك؟
* فالجواب: أنَّ السحر لا يمكن الوصول إليه إلَّا بالشرك، والعطفُ في الحديث، إمّا أن يقال: لأن فيه شيئًا من المغايرة، ففي السحر لم يَقصِد الشركَ، بل
_________________
(١) معارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي (١/ ٥١٧).
[ ٢٦١ ]
دخل الشركُ تبعًا.
أو يقال: هو من عطفِ الخاصِّ على العام، فعطفُ السحر على الشرك للتنصيص عليه.
المسألة السادسة: هل يُقتَلُ الساحر؟
* ذكر المصنف ﵀ عدة نصوص تفيد قتله:
١) حديث جندب مرفوعًا: «حَدُّ اَلسَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ».
وجندب: هو غير جندب بن عبد الله البجلي، وإنما يسمى جندب الخير، وقد روى أبو نعيم بسنده في معرفة الصحابة قال: جاء جندب وقومٌ يلعبون ويأخذون بأعين الناس يسحرون، قال: فضرب رجلًا منهم ضربةً بالسيف فقتله، فَرُفِع إلى السلطان، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حَدُّ اَلسَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (^١).
وقيل: إنَّه قاله حين كان في مجلس الوليد بن يزيد الخليفة، فجاء ساحر يوهم الناسَ أنَّه يَقطع رأسه ويُعيده، فقتله جندب، وقال: «إن كان صادقًا فَليُعد رأسه» (^٢)، وكلا الأثرين في سنده ضعفٌ كما تقدم.
وقد أفاد هذا الخبرُ أنَّ حدَّ الساحرِ أن يُضرَبَ بالسيف، وهو كنايةٌ عن القتل.
٢) عن بجالة بن عبدة قال: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ».
_________________
(١) معرفة الصحابة (١٥٨٩).
(٢) انظر: معرفة الصحابة، لأبي نعيم (١٥٨٨).
[ ٢٦٢ ]
٣) عن حفصة ﵂: «أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا، فَقُتِلَتْ» ونُقِل عن أحمد ﵀ قوله: «عن ثلاثة من أصحاب النبيّ ﷺ».
وعلى هذا يقال: إذا ثبت أنَّه ساحرٌ يستخدم في سحره ما يَصدُق عليه أنَّه سحرُ تأثيرٍ لا تخييلٍ، فهو ساحرٌ يجب قتله، وهذا قول الجمهور، ونقل هذا عن عمر وعثمان وابن عمر.
القول الثاني: أنَّ الساحر لا يُقتَل بمجرد السحر، إلّا إن عمل في سحره ما يبلغ الكفر، وهذا مذهب الشافعي، نقله عنه غير واحد، منهم الترمذي في سننه (^١).
والصواب: ما عليه الجمهور، والنصوص صريحةٌ في الأمر بقتله مطلقًا، ولو لم يَقتُل بسحره؛ لما فيه من الضرر على الناس.
ويقول أهل العلم: إنَّ الساحر إذا ثبت عليه السحر يُقتَلُ ولا يُستتاب؛ لأنَّه ربما كذب وأظهر التوبة وبقى على سحره.
* خلاصة الباب: أنَّ السحر حرام، يوقع الساحر في الكفر والقتل، ويوبق طالب السحر في العقوبة العظيمة.
_________________
(١) انظر: الأم، للشافعي (١/ ٢٩٣)، سنن الترمذي (٤/ ٦٠).
[ ٢٦٣ ]