الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب: لما ذكر المؤلف حكم السحر المعروف وحكم فاعله، ذكر أنَّ السحر قد يأتي في النصوص ولا يراد به السحر المعروف، بل يراد به أمورًا أخرى هي من أنواع السحر، أو أمورًا ليست من السحر، لكن فيها شبه به.
المسألة الثانية: من الأمور التي ذكرها في الباب العيافة والطرق والطيرة.
وقد أورد فيها حديث قبيصة العبدي أنَّه سمع النبيّ ﷺ قال: «إِنَّ الْعِيَافَةَ، وَالطَّرْقَ، وَالطِّيَرَةَ مِنَ الْجِبْتِ».
_________________
(١) أخرجه النسائي (٤٠٧٩)، والطبراني في الأوسط (١٤٦٩) من طريق الحسن، عن أبي هريرة، والحسن لم يسمع من أبي هريرة.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٠٦).
(٣) أخرجه البخاري (٥١٤٦)، وأما مسلم فأخرجه (٨٦٩) من حديث عمار بن ياسر ﵁.
(٤) فيه مسائل: الأولى: أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت. الثانية: تفسير العيافة والطرق. الثالثة: أن علم النجوم نوع من السحر. الرابعة: أن العقد مع النفث من ذلك. الخامسة: أن النميمة من ذلك. السادسة: أن من ذلك بعض الفصاحة.
[ ٢٦٥ ]
ونقل عن عوف بن أبي جميلة قوله: العيافةُ: زجرُ الطير، والطَرْقُ: الخطُّ يُخَطُّ بالأرض.
* أما العيافة: فهي زجرُ الطير للتشاؤم أو التفاؤل، فإذا أراد أن يُقدِمَ على شيء زجَر الطيرَ، فإذا ذهبت شمالًا تشاءم مما أقدم عليه، وإن ذهب يمينًا تفاءل.
* وأما الطَرْقُ: فهو نوع من الكهانة، والكهانة من السحر، وهو عبارة عن خطوط تُخطّ بالأرض بطريقة يزعم مَنْ خطّها أنَّه يعرف بذلك مكان المفقود أو غير ذلك، فتجد أنَّه يخط خطوطًا كثيرة، ثم يمسح منها بسرعةٍ خطين خطين ونحو ذلك، ثم يزعمُ أنَّه يتعرف على بعض الأمور، بما يبقى من الخطوط.
ومن صورها المعاصرة: ما يُعرف بالأبراج، التي يزعم أصحابها أنَّهم يعرفون عن طريقها بعض ما يقع على صاحبها من أمور الغيب، وكل هذا من الكهانة، وسيأتي الحديث عن الكهانة بأوسع من هذا.
* وأما ما ورد في حديث معاوية بن الحكم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» (^١) فيجاب عنه بجوابين:
١ - أنَّ النبيّ ﷺ علَّقه بأمرٍ لا يتحقق الوصول إليه؛ لأنَّه قال: «فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» وما يدرينا أنَّه وافق.
٢ - أنَّه إذا كان الخطُّ بالوحي من الله، فلا بأس به كما هي حال النبيّ ﷺ؛ لأنَّ الله يجعل له علامةً ينزل الوحي بها بخطوطٍ يُعلِّمُه إياها، أما هذه الخطوط السحريةُ فهي من الشيطان.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٣٧).
[ ٢٦٦ ]
* وأما الطيرة: فهي مما نهي عنه، وسيأتي لها بابٌ مستقل.
المسألة الثالثة: مما يُلحَقُ بالسحرِ تعلُّم النجومِ؛ ليستدلَّ بها على الحوادث الأرضية من أمور الغيب.
وأورد المصنف في هذا حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اِقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اِقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ».
فبيّن أنَّ مِنْ أنواع السحر تعلّم النجوم؛ لأنَّ كلًا من المنجِّم والساحِر يَدّعي علم الغيب الذي اختص الله بعلمه.
المسألة الرابعة: أورد المصنف حديث أبي هريرة ﵁: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا، فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ».
وفيه بيان أنَّ من نفث في العُقَدِ فإنَّه ينطبق عليه أنَّه ساحر، وأنَّ من تعاطى السحر فقد وقع في الشرك، والساحرُ متعلقٌ بغير الله وهم الشياطين، ومن تعلق بغير الله وكِل إليه، فالساحر يوكَلُ إلى شياطينه، ومن ذهب إلى السحرة والكهان فإنَّه يوكل إليهم.
المسألة الخامسة: أورد المصنف حديث ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ».
ووجه المطابقة بين النمام والساحر: من جهة أنَّ تأثير النمام في تفريق المجتمعين مثل أثر السحر، فلكل منهما أثر قوي وخفي في التفريق، بل نقل عن يحيى بن كثير أنه قال: «يُفْسِدُ النَّمَّامُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُ السَّاحِرُ فِي شَهْرٍ» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٧٠).
[ ٢٦٧ ]
المسألة السادسة: أورد المصنف في الباب حديث ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا».
والبيان: هو التبيين عما في النفس بالألفاظ الفصيحة التي تأخذ السامع والقلوب فتسحرها.
ووجه الشبه بين البيان وبين السحر بيّنه ابن قتيبة بقوله: «يريد أن منه -أي: البيان- ما يقرّب البعيد ويباعد القريب، ويزيّن القبيح، ويعظّم الصغير، فكأنَّه سحرٌ، وما قام مقام السحر أو أشبهه، أو ضارعه» (^١).
وقال ابن القيم: سحرُ البيانِ هو من أنواع التحيّل:
أ- إما لكونه بلغ في اللطف والحسن إلى حدّ استمالة القلوب، فأشبه السحر من هذا الوجه، وعلى هذا: لا يكون مذمومًا بإطلاق؛ لأنَّ استمالة القلوب لا تذمّ إلا إن كانت بالباطل.
ب- أو لكون القادر على البيان يكون قادرًا على تحسين القبيح وتقبيح الحسن، فهو -أيضًا- يشبه السحر من هذا الوجه (^٢).
وهو على هذا المعنى يكون مذمومًا، لما فيه من جعلِ الحقِّ في قالب الباطل، والباطلِ في قالب الحق، فيستميل به قلوبَ الجهال حتى يقبلوا الباطل وينكروا الحق.
• واعلم أنَّ الحديث مختلفٌ فيه:
فقيل: جاء للذم.
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (ص: ٣٦٠).
(٢) إعلام الموقعين (٢٩٧/ ٥).
[ ٢٦٨ ]
وقيل: جاء للمدح؛ لأنَّ الله مدح البيان، وعزى ابن عبد البر هذا إلى جمهور أهل الأدب والعلم بلسان العرب (^١)، ومنه: «أن عمر بن عبد العزيز سأله رجل عن حاجة، فأحسن المسألة، فأعجبه قوله فقال: هذا والله السحر الحلال» (^٢).
قلت: والذي يظهر أن دخول البيان في السحر هو من جهة التعريف اللغوي، فالبيان له أثرٌ دقيقٌ خفيٌ، وبعد هذا فقد يكون هذا الأثر يراد به أمرًا محرمًا، كتزيين باطل ونحوه، فيكون مذمومًا، وقد لا يكون كذلك، فلا يكون مذمومًا.
• وعلى هذا: ففي الحديث الذمّ لبعض البيان الذي فيه تصويب الباطل وتحسينه، حتى يتوهم السامع أنَّه حق، أو يكون فيه بلاغة زائدة عن الحدّ، أو قوة بالخصومة فيذهب بالحق، أما غيره من البيان فلا يذم.
* خلاصة الباب: أن ثمّة تصرفات محرمه تُلحَقُ بالسحر في حُرمتها وفي التأثير على النفوس، والتفريق، وإن كان السحرُ أعظم منها جرمًا، وأشنع جريرةً، وأبقى أثرًا.
_________________
(١) التمهيد، لابن عبد البر (٥/ ١٧١).
(٢) انظر: التمهيد (٥/ ١٧٤).
[ ٢٦٩ ]