الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالكهّان والكهانة، ومناسبة الباب للتوحيد.
الكُهّان: جمع كاهن، والكاهن: هو الذي يدّعي علمَ المغيّبات، ويخبر بها الناس ويأخذها من مسترقي السمع من الجن (^٣).
ومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ الكاهن لا يعلم الغيب إلّا باستخدام الجنّ، وهم لن يخدموه إلّا إذا تقرب لهم، وأشرك بالله.
* وقوله في التبويب: «ونحوهم»: تشمل كل من ادّعى علم شيء من الغيب، وكلَّ من مارس نوعًا من الكهانة: مثل: قراءة الفنجان أو الكف.
ومثل: ما يسمى بأبراج الحظ.
وصورتها: أن يُقال: إن كنتَ ولدتَ في بُرج كذا فسيحصل لك في هذا
_________________
(١) أخرجه معمر بن راشد في جامعه (ص: ٢٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢٦١٦١)، والخرائطي في مساويء الأخلاق (٧٣٩)، والطبراني في الكبير (١١/ ٤١)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٣٩)، وفي الشعب (٤٨٣١) وإسناده لا بأس به.
(٢) وفيه مسائل: الأولى: لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن. الثانية: التصريح بأنه كفر. الثالثة: ذكر من تُكهن له. الرابعة: ذكر من تُطير له. الخامسة: ذكر من سحر له. السادسة: ذكر من تعلم أبا جاد. السابعة: ذكر الفرق بين الكاهن والعراف.
(٣) انظر: معالم السنن، للخطابي (٤/ ٢١١)، المفردات، للراغب الأصفهاني (٧٢٨).
[ ٢٧٢ ]
العام كذا، أو أنَّ من وُلِد في هذا البرج، فإنَّ هذا الشهر عليهم شهر رزقٍ، وغير ذلك.
وإنك إن التمست ضابطًا في هذا، فيُقال: كُلُّ من ادّعى علمًا من الغيب واستخدم في ذلك وسيلة ظاهرة؛ ليوهم بها الناس، فهي من الكهانة، واستمدادُهم هذا من الشياطين، وهي لن تخدمهم إلّا إذا تقربوا لها، وأخطرُ ما في ذلك إذا توّلى مثل هذه الأمور أناسٌ يُظهِرونَ للعامَّةِ أنَّهم أولياء لله، وأنَّهم بقربهم لله نالوا ما نالوا، وهذا يزيد من افتتان الناس بهم، وتلبيسهم الباطل، ولا شك أنَّ هؤلاء أولياء، لكن للشيطان، لا للرحمن، عصمنا الله وإياك من الضلال.
المسألة الثانية: أورد المصنف ﵀ نصوصًا تنهى عن الذهاب إلى الكهان، وتبيّن عقوبة من أتى إليهم:
(١) عن بعض أزواج النبيّ ﷺ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَصَدَّقَهُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».
والعرَّاف: بيّنه المؤلف بأنَّه يطلق على من يخبر عن الغائب عن الأعين مما حصل في الماضي، كمن يخبر عن مكان الشيء المسروق، ومن هو السارق، والدابّة الضالّة، ونحو ذلك، ويعرفه بواسطة الجنّ.
(٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».
(٣) عن أبي هريرة ﵁: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».
(٤) عن ابن مسعود ﵁ مثله موقوفًا.
[ ٢٧٣ ]
(٥) عن عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ».
وقد خلص أهل العلم من مجموع الأحاديث إلى أنَّ إتيان العرَّافين والكهنة والسحرة له حالات:
أ- إتيانهم لسؤالهم وكشف باطلهم والإنكار عليهم: فهذا جائزٌ، بل مستحب لمن كان أهلًا لذلك.
ب- مجرد إتيانهم وسؤالهم بدون هذا القصد: فالوعيد فيه أنَّه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولو أنَّه لم يصدقهم أو شكّ في صدقهم.
ج- أن يسألهم ويصدقهم: فَيُحَمل عليه ما ورد في الحديث أنَّه كفر بما أنزل على محمد ﷺ؛ لأنَّ فيه إعانةً للكاهن على الشرك بالله، وفيه تصديقٌ لمن ادَّعى علم الغيب.
واختلف في هذا الكفر، هو أكبر أم أصغر؟
* القول الأول: أنَّه كفر أكبر، لأنه هو المتبادر من إطلاق الكفر في الحديث.
* القول الثاني: أنه كفر أصغر، وهذا رواية عن أحمد، صوّبها ابن مفلح (^١)، وحجتهم في هذا أمران:
١ - أنَّ حديث بعض أزواج النبيّ ﷺ لفظه عند أحمد في المسند: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»، فذكر التصديق وبيّن
_________________
(١) الفروع (٦/ ١٧١).
[ ٢٧٤ ]
العقوبة له، أنَّه «… لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».
٢ - أنَّ هذا الذي صدَّق الكاهن والعرَّاف إنما صدَّق من أخذ العلم ممن استرق السمع، فهو ليس كمن صدّق من ادّعى علمًا من الغيب بلا أي مستند.
لكن لاشك أنَّ جرمه وذنبه أعظم ممن لم يصدّق، ويكفيك أنَّ جمعًا من العلماء حكموا بأنَّه كفرٌ أكبر.
* القول الثالث: أنَّه يتوقف في تحديده، فيقال بأنَّه يكفر، ولا يُقطع بأنَّه يَخرُج من الملّة، وهذا رواية عن أحمد، والعلَّة في هذا أنَّه أوقع لهيبته في القلوب.
المسألة الثالثة: ذكر المصنف ﵀ قول ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم: «مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ خَلَاقٍ».
وهذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «يَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ وَفِي حُرُوفِ أَبِي جَادٍ، قَالَ: أَرَى أُولَئِكَ قَوْمًا لَا خَلَاقَ لَهُمْ».
ورواه الطبراني بلفظ: «رُبَّ مُعَلِّمِ حُرُوفِ أَبِي جَادٍ دَارِسٍ فِي النُّجُومِ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ خَلَاقٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^١).
والمراد بهذا الأثر: ذمُّ من يصنع هذا، وهو تعلّم الحروف الأبجدية، والاستدلال بكل حرف منها على أمور الغيب، ولهم في هذا طرق لا يدل عليها دليل، بل كل ذلك من ادعاء علم الغيب.
• وعلى هذا: فمن تعلم الحروف على وجه معرفة شيء من علم الغيب بها -وهو ما يسمى بعلم الحرف- فهذا محرّم لا يجوز، وأما تعلّمها للتهجي
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١١٧): فيه خالد بن يزيد العمري، وهو كذاب، وانظر: الضعيفة (٤١٧).
[ ٢٧٥ ]
وحساب الجمل فلا بأس به.
وبهذا تعلم أنَّ كلَّ طريق يعتقد أنَّ فيها معرفة شيء من أمور الغيب لا تجوز.
قال الشنقيطي: «لما جاء القرآن العظيم بأنَّ الغيب لا يعلمه إلّا الله، كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين» (^١).
* خلاصة الباب: أنَّ الكهانة محرمة بجميع صورها، وأنَّه يلحق بها كلّ وسيلة يدعي فيها صاحبها معرفة شيء من علم الغيب.
_________________
(١) أضواء البيان (١/ ٤٨٢).
[ ٢٧٦ ]