الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف التنجيم لغة: مصدر نجَّمَ، مشتقٌ من النجم، والمُنَجِّمُ هو الذي ينظر في النجوم، ويستدل بحركتها وسيرها.
والتنجيم شرعًا: الاستدلالُ بالأحوالِ الفلكية على الحوادث الأرضية، كالمطر والربيع والمحل وغير ذلك، قال الخطابي: «عِلمُ النجومِ المنهي عنه هو ما يدّعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنَّها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها، يدّعون أن لها تأثيرًا في السفليات» (^١).
المسألة الثانية: مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
التنجيم ينافي التوحيد لما فيه من ادّعاء علم الغيب، ولما فيه من تعلق القلب بغير الله.
المسألة الثالثة: مصطلح التنجيم يدخل فيه ثلاثة أنواع:
١. اعتقادُ أنَّ النجوم مؤثّرةٌ بنفسها ولها تصريف في الكون: وهذا كفرٌ أكبر، وهو ما كان يفعله الصابئة، وهو شرك قوم إبراهيم;.
_________________
(١) معالم السنن (٤/ ٢٢٩).
[ ٢٩٢ ]
٢. علم التسيير: وهو أن يتعلم منازل النجوم وحركاتها؛ ليستدل بها على أمور جائزة، كهبوب الرياح ووقته، والوقت الذي جرت فيه سنة الله في إنزال المطر، ودخول الفصول ونحو ذلك، فهذا جائز.
ويكون مشروعًا لو استدل بها على أمور مشروعة، كالاستدلال بالنجوم على معرفة جهة القبلة، أو الأوقات ونحوه.
قال ابن رجب: «المأذون في تعلمه؛ علمُ التسيير، لا علم التأثير؛ فإنَّه باطلٌ محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير: نتعلم ما يحتاج منه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائزة عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه، لِشَغله عما هو أهم منه» (^١).
٣. علم التأثير: وهو الاستدلالُ بحركةِ النجوم وطلوعها والتقائها ومواضعها على أمور غيبيةٍ مما يحدث في الكون والأرض من أحداث مستقبلة، وهو ما يراد هنا، وهو نوع من الكهانة؛ لأنَّ النجوم ليس لها أي علامة، ولكن الشياطين توحي إلى المنجِّم بما سيقع فيخبر به.
* ومما يدل على النهي عنه:
١) ما ذكره البخاري في صحيحه، عن قتادة: «خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ».
_________________
(١) فضل علم السلف، لابن رجب (ص: ١٢).
[ ٢٩٣ ]
وله تتمة عند ابن أبي حاتم في تفسيره: «وَإِنَّ نَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كَهَانَةً: مَنْ أَعْرَسَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَعَمْرِي مَا مِنْ نَجْمٍ إِلا يُولَدُ بِهِ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ وَالطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالْحَسَنُ وَالذَّمِيمُ، وَمَا عَلِمَ هَذَا النَّجْمُ وَهَذِهِ الدَّابَّةُ، وَهَذَا الطَّائِرُ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِ».
٢) الأدلة الدالة على تحريم السحر والكهانة، فالتنجيم نوع من الكهانة والسحر، ولذا أتى في الباب بحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ».
المسألة الرابعة: من صوَّر التنجيم المحرم ما يسمى بالأبراج، إذا ولد فلان في البرج الفلاني أو الشهر الفلاني أو اليوم الفلاني، أو كان اسمه يبدأ بحرف كذا أو كذا فسيصيبه كذا وكذا، ويضعون عليها دعاياتٍ مِنْ مثل: مِنْ شهر ميلادك تعرف حظك، أو من اسمك تعرف حظك، وهذا كثير الآن.
وقد صار للتنجيم رواج في الأزمان المتأخرة، فأُلف فيه مؤلفاتٌ، بل وجدت معاهد تعطي شهادات في ذلك، وأُنشئ اتحادٌ للمنجمين ويضم هذا الاتحاد أكثر من خمسة وخمسين ألف عضو من جنسيات متنوعة، والغريب أنَّ رئيس ونائب الاتحاد كلاهما عربي، وهذا يدل على الخلل الموجود عند أعدادٍ من المسلمين، ووجوب التوعية بحرمة مثل هذا الأمر (^١).
المسألة الخامسة: من حرص السلف على إغلاق باب التنجيم، ما نقل عن قتادة أنَّه كره تعلم منازل القمر، ولم يرخص ابن عيينة فيه.
والمراد بمنازل القمر: المنازل التي ينزلها القمر في الشهر، وهي ثمانية وعشرون منزلًا، ويستفاد من معرفتها: حساب الأيام، ومعرفة الفصول، وأوقات
_________________
(١) انظر: التنجيم والمنجمون وحكم ذلك في الإسلام، د. عبد المجيد المشعبي (ص: ١٥١).
[ ٢٩٤ ]
الصلوات ونحو ذلك.
وعلّة الكراهة: أن ذلك وسيلة للاعتقاد فيها ما لا يجوز، فمنعوا منه؛ سدًّا للذريعة، لكن أكثر العلماء على جوازه بقدر الحاجة، وهذا ما يعرف بعلم التسيير كما سبق؛ لأنه لا شرك فيه.
* خلاصة الباب: أنَّ من أدعى أنَّ النّجوم لها أثر في تصريف القدر، أو زعم أنَّه يتعرّف على القدر بنظره في النجوم، فقد ادَّعى علم الغيب، وهذا المنهي عنه.
[ ٢٩٥ ]