هذا هو الباب الثالث في الكتاب، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب، ومناسبته للتوحيد ولما قبله.
حينما تكلم المصنّف ﵀ في المقدمة عن التوحيد ومعناه، ثم تكلم في الباب الأوّل عن فضل التوحيد، ذكر هنا أمرًا له ارتباط بالباب قبله، وهو من فضائل التوحيد، يناله من حقق التوحيد، وهو أنَّه يدخل الجنة بغير حساب، وهذا فضلٌ يطمح إليه كل مسلم.
وليس يخفى على الموحد الحقّ أنه إذا ما أراد تحقيق التوحيد، والقيام به على أتمّ فسيؤذى، ويبتلى من الناس، ولكنّ كلَّ هذا العناء يهون إذا استشعر المسلم الموحدُ ثمرة تحقيق التوحيد.
فإن قيل: فما معنى تحقيق التوحيد، وبأي شيء يكون تحقيقه؟
* المراد بتحقيقه: تنقيتهُ وتصفيتهُ وتخليصه من الشوائب والخوارم التي تؤثر فيه، وإذا عرفت أنَّ التوحيد هو الشهادتان، فإنَّ أهل العلم يقررون أنَّ تحقيق الشهادتين يكون بأمور ثلاثة:
أولًا: تركُ الشركِ صغيره وكبيره، وهذا أهم الأمور التي يحقق بها المسلم توحيده.
ثانيًا: اجتنابُ البدع كلها.
ثالثًا: تركُ الذنوب والمعاصي؛ لأنَّ الوقوع في الذنب ينشأ من مرضٍ في
[ ٥١ ]
القلب كما قررّ ذلك ابن تيمية، وهذا ناشئ من ضعف تعظيم الله في القلب، إذ لو عظّم اللهَ لما عصاه، ولذا فبقدر تعظيم العبد لربّه تكون طاعته له، وقد أخبر الله أنَّ العلماء هم الذين يخشونه فقال (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، والمراد بهم العلماء به وبأوامره، حينما عرفوه عظموه فلم يعصوه.
إذا عرفت هذا، فإنَّ من أتى بهذه الأمور، فهو محققٌ للتوحيد.
وبعض أهل العلم يزيد أمرًا في تحقيق التوحيد، وهو أمرٌ يتفاضل فيه الناس، وهو أن يكون القلب متوجهًا إلى الله بكُلِّيته، ليس فيه التفاتٌ إلى غير الله، وهذه منزلةٌ يصل لها من كان عَمله وقوله، ونطقه وسكوته، وسائر أعماله يبغي بها الله سبحانه، وليس في قلبه التفاتٌ طرفةَ عينٍ إلى غيره ﷻ.
المسألة الثانية: ذكر المصنّفُ في البابِ مُستدلًا على ما بوبّ عليه قولَه تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل، الآية (١٢٠)]. وهي في الثناء على إبراهيم ﵈، حيث وُصِف بأنَّه كان أمّة، وأنَّه قانت، وأنَّه حنيف، وأنَّه لم يكن من المشركين.
* فأما كونه أمّةً: فالمعنى أنَّه كان قدوةً وإمامًا معلمًا للخير، فهو إمامٌ متبوع، وهو أمّةٌ في رجلٍ؛ لأنَّه حقق التوحيد.
* وأما كونه قانتًا: فالقانت هو الخاشع المطيع المداوم على الطاعة لا يفتر عنها.
* وأما كونه حنيفًا: فالحنيفُ قيل هو المائل عن الشرك.
وقال ابن القيم: «هو المقبل إلى الله المعرض عما سواه، ومَن فسره بالمائل (^١)
_________________
(١) كالزجاج في معاني القرآن (٣/ ٢٢٢)، وابن فورك في تفسيره (٣/ ٢٥٥)، والقشيري في لطائف الإشارات (٥١٥).
[ ٥٢ ]
فلم يفسره بنفس موضوع اللفظ، وإنما فسّره بلازم المعنى، فإنّ الحَنف: هو الإقبال، ومن أقبل على شيء مال عن غيره» (^١).
وإبراهيم ﵈ هو إمام الحنفاء، ودينه الحنيفيّة؛ لأنَّه حنف ومال عن الأديان وعبادة الأوثان إلى دين الله وحده، وحكى الله في القرآن قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام، الآية (٧٩)].
وأما كونه لم يكن من المشركين: فهي توكيد لما سبق قبلها، فإبراهيم لم يكن من المشركين، بل هو موحّدٌ خالصٌ من شوائب الشرك، وقد خالف المشركينَ وفارقهم بقوله وفعله وبدنه، حيث إنَّه أنكر على قومه شِركَهُم، وحين أبوا اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، وقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف، الآية (٢٦)]، فتبرأ من العابد قبل المعبود، وهذه حقيقة التوحيد: (أن تتبرأ من كل معبود دون الله، وكلِ من عبد مع الله غيره) وإبراهيم ﵈ حين بعثه الله كان الناسُ على الشرك والوثنية بعيدين عن عبادة الله وإفراده بالعبادة، فاجتهد في دعوتهم بكل الوسائل، ومع ذلك اجتمعوا على حربه وأذيته، فصبر على ذلك، فضاقوا به ذرعًا، فألقوه في النار، فنجَّاه الله من كيدهم، ثم هاجر عن بلادهم، فهيأ الله له من يستجيب لدعوته.
والمقصود من الآية: أنَّ الله تعالى وصف إبراهيمَ خليله بهذه الصفات الجليلة، التي هي أعلى درجاتِ تحقيق التوحيد، وقد رغبنا في الاقتداء والتأسي به، كما قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة، الآية (٤)]. فمن اقتدى به وحققّ التوحيد، فإنَّه يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ٢٦٩).
[ ٥٣ ]
ومعلومٌ أنَّه حينَ يُثني الله على عبدٍ من عباده، فإنَّ المقصود من ذلك أمران:
١ - محبةُ الذي أثنى الله عليه.
٢ - الندب إلى الاقتداء بالصفات التي أثنى عليه بها.
المسألة الثالثة: استدل المصنّف للباب أيضًا بآية ثانية، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون، الآية (٥٩)] وهي قد جاءت في مَعرِضِ آياتٍ وصفَ اللهُ فيها عباده الذين يسارعون إلى الخيرات وهم لها سابقون، فمن صفاتهم أنَّهم بربهم لا يشركون، فهم سالمون من الشرك صغيره وكبيره، وهذا هو تحقيق التوحيد.
المسألة الرابعة: استدل المصنّف للباب بحديث ابن عباس ﵄، وهو ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ له، من طريق حصين بن عبد الله بن عبد الرحمن قال: «كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى اَلْكَوْكَبَ اَلَّذِي اِنْقَضَّ اَلْبَارِحَةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ … الحديث، إلى قوله ﷺ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».
* وقوله: «أَيُّكُمْ رَأَى اَلْكَوْكَبَ اَلَّذِي اِنْقَضَّ اَلْبَارِحَةَ؟»: الكوكبُ هو الشهابُ الذي يُرمى به الشياطين الذين يسترقون السمع، وانقضاض الكوكب: سقوطه، وهو أمرٌ مشاهدٌ.
* وقوله: «اَلْبَارِحَةَ»: هي أقربُ ليلةٍ مَضت، قال ثعلب، وغيره من أهل اللغة: يقال قبل الزوال: رأيتُ الليلة، ويقال بعد الزوال: رأيتُ البارحة، وهي مشتقة من برح إذا زال (^١).
_________________
(١) انظر: المغرب لأبي الفتح المُطَرِّزِىّ (ص ٣٩)، والمصباح المنير (١/ ٤٢).
[ ٥٤ ]
* وقوله: «فَقُلْتُ: أَنَا»: القائل حُصين، لأنه كان مستيقظًا في الليل.
* وقوله: «أَمَّا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ»: خاف أن يَظُنّ الحاضرون -وقد أخبر عن رؤيته للكوكب- أنَّه كان يصلي من الليل، فدفع ذلك بقوله: لم أكن إذ سهرت أتهجد، وفيه بُعد السلف عن الرياء وأن يثنى عليهم بما لم يعملوا.
* وقوله: «وَلَكِنِّي لُدِغْتُ»: ذكر السبب في كونه كان مستيقظًا أنَّه لدغته عقرب أو نحوها.
* وقوله: «قُلْتُ: ارْتَقَيْتُ»: أي طلبت من يرقيني.
* وقوله: «فَمَا حَمَلكَ عَلَى ذَلِكَ؟»: أي ما دليلك وما مستندك في هذا الفعل، وفيه عنايتهم بالدليل في كل أمورهم.
* وقوله: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» (^١): العين: هي إصابة العائن غيرَه بعينه، والحُمة: بالضمّ لدغةُ إحدى ذواتِ السموم، كالعقرب ونحوها.
@ومعنى الحديث، كما ذكر الخطابي: «أنَّه لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة». ا. هـ (^٢)، وتجوز في غيرهما، لكنها فيهما أنفع.
_________________
(١) لفظة «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» موقوفة على بريدة كما في الصحيحين، وقد رواه ابن ماجه (٣٥١٣) عنه مرفوعًا، ورواه أحمد (٤/ ٤٣٨)، وأبو داود (٣٨٨٤) والترمذي (٢٠٥٧)، عن عمران بن حصين ﵁ مرفوعًا، قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١١١): «رجال أحمد ثقات»، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٤٩٦). وللحديث شواهد أخرى بلفظه عن أنس. علل الحديث لابن أبي حاتم (٦/ ٣٢٩) -، وميمونة -علل الحديث لابن أبي حاتم (٦/ ١٩٩) -، بمجموعها يرتقي للاحتجاج به.
(٢) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٣/ ١١١٢)، ونقله عنه: القاضي عياض في إكمال المعلم (١/ ٦٠٦)، والنووي في شرح مسلم (٣/ ٩٣)، وابن قرقول في مطالع الأنوار (٣/ ٤٦٧).
[ ٥٥ ]
وفيه إثبات العين، وفي حديث ابن عباس: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرَ، سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» (^١)، ولا يلزم أن يكون العائن حاسدًا، فقد يعين الإنسان نفسه وأولاده، وقد قال الله تعالى في شأن صاحب الجنتين: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف، الآية (٣٩)]. مع أنَّه يدخل جنته، ولذا قال بعض السلف: «من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله» (^٢) وروي عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة: «أنَّه كان إذا رأى شيئًا يعجبه أو دخل حائطًا من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله» (^٣) (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢١٨٨).
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٥/ ١٥٨)، وقال ابن كثير: هذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة، وقد روي فيه حديث مرفوع، أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، كما في الدر المنثور (٥/ ٣٩١).
(٤) قرر العلماء أن دفع شرّ العائن له حالتان: أ- قبل وقوعه والإصابة بالعين، يكون بأمور:
(٥) التعوذ بالله من شرّه. ٢ - الصبر عليه.
(٦) فراغ القلب من الاشتغال به. ٤ - الإحسان إليه ما أمكن.
(٧) الصدقة.
(٨) تقوى الله، والتوكل عليه، ومعرفة أنَّ الأسباب كلها بيد الله. ب- بعد الاصابة بالعين، يكون: ١. بالرقية. ٢. الاستغسال: لحديث ابن عباس ﵁: «وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» أخرجه مسلم (٢١٨٨) وطريقته: أن يتوضأ العائن، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه ويصب على المصاب ويشرب منه، وهكذا صُنِع في عهد النبيّ ﷺ لسهل بن حنيف ﵁ (أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٣٩)، وعبد الرزاق في المصنف (١٩٧٦٦)، وأحمد (٣/ ٤٨٦)، وابن ماجه (٣٥٠٩)، والنسائي في الكبرى (٧٦١٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢٨٩٥)، والطبراني في الكبير (٦/ ٧٨). ٣. أن يأخذ شيئًا مما يلي بشرته من ثيابه كاللباس على نصفه الأعلى، أو طاقيته ونحوها، ويصبّ عليها ماءً ويرش به المصاب أو يشربه.
[ ٥٦ ]
* وقوله: «قَدْ أَحْسَنَ مَنِ اِنْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ»: لأنَّه أخذ بما بلغه من العلم، فهو محسن.
* وقوله: «عُرِضَتْ عَلَيَّ اَلْأُمَمُ»: في رواية الترمذي والنسائي أنَّ العرض كان ليلة الإسراء والمعراج، وقيل: «كان في المنام» (^١).
* وقوله: «اَلرَّهْطُ»: الجماعة دون العشرة، والمراد: أن بعض الأنبياء لا يتبعه إلا الرهط، وبعض الأنبياء وليس معه إلّا رجلٌ أو اثنان، وبعضهم ليس معه أحدٌ، فالأنبياء متفاوتون في الأتباع كثرةً وقِلّةً، وليست هي القياس في إصابة الحقّ.
* وقوله: «وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»: في هذا أعظم عزاء للدعاة إلى الله، حين لا يستجب لهم الناس أو يقلّ المستجيبون، فلهم أسوة بالأنبياء ما دام منهجهم سليمًا.
* وقوله: «سَوَادٌ عَظِيمٌ»: رُفِع لي أشخاصٌ كثيرةٌ لا أدري من هم، ولم أميزهم لبعدهم.
* وقوله: «فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي»: إنما ظنّ ذلك لِما أوحي إليه، واطّلع عليه من كثرة أمّته.
_________________
(١) الفتح (٤٠٧/ ١١).
[ ٥٧ ]
وكون النبي ﷺ لم يعرف أمّته، وقد أخبر بأنَّه يعرفهم من أثار الوضوء: لأنَّ الذين رآهم كانوا من بُعد، فلم يميز أعيانَهم، فلو قربوا عرفهم.
* وقوله: «وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ»: من ضمن هذه الأمّة سبعون ألفًا يدخلون الجنّة بلا حساب ولا عذاب؛ لتحقيقهم التوحيد، وهؤلاء من أمّة محمد ﷺ، وقد ورد زيادة على السبعين ألفًا، فقد ورد من حديث أبي هريرة ﵁: «فَاسْتَزَدْتُ، فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا» (^١).
* وقوله: «فَخَاضَ اَلنَّاسُ فِي أُولَئِكَ»: أي تباحثوا وتناقشوا في هؤلاء السبعين ألفًا، بأي شيء وصفةٍ نالوا هذه الدرجة والمنزلة.
وفيه: إباحة المناظرة في أمور العلم، ولو كان بغير علم مادام لم يجزم فيه بيقين.
* وقوله: «هُمُ اَلَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ»: أي لا يطلبون من أحدٍ أن يرقيهم، وهذا من تمام توكّلهم على الله، واستسلامِهم لقضائه، وصبرهم بل وتلذذهم بالبلاء.
وقد ورد عند مسلم في صحيحة لفظة: «لا يرقون» وهي خطأ من وجهين:
١ - من جهة الإسناد: حيث إنَّها شاذة، تفرد بها سعيد بن منصور عن هشيم،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٩)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤٠٤): رجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر: إسناده جيد، والحديث في إسناده ضعف، لكن له شواهد، وورد في المسند أيضًا «مع كل واحد سبعين ألفًا»، لكنه ضعيف، فيه راويان، أحدهما ضعيف، والآخر لم يسم.
[ ٥٨ ]
ورواه عن هشيمٍ جماعة غير سعيد، ولم يذكروا هذه اللفظة (^١).
٢ - من جهة المتن والمعنى: فإنّ معناها أنَّهم لا يرقون أنفسهم ولا غيرهم، وهذا خلاف ما ثبت عن النبيّ ﷺ من فعله، فإنَّه كان يرقي نفسه، ومن قوله، حيث قال: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (^٢)، «لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (^٣)، وقد رقى النبيُّ ﷺ بعضَ أصحابه، ورقاه جبريل، بدون طلب منه (^٤).
*فإن قيل: هل الرقية ممنوعة إذن؟ وهل يخرج صاحبها من السبعين ألفًا؟
أ- إن كانت بغير طلبٍ فجائزة، وقد رقى جبريلُ النبيَّ ﷺ، ولا تنافي كمال التوكل.
ب- إن كانت بطلبٍ فجائزةٌ، وهي تنافي كمال التوكل؛ لأنَّه غالبًا يلتفت القلب إلى الرقية مع أنَّها سبب، وهذا مُخِلٌّ بكمال التوكل.
وقد قيل: إنَّ النبيّ ﷺ نبَّه على الاسترقاء وكذا الاكتواء؛ لأنَّ القلوب غالبًا تتعلق بهما، ولكن إذا استرقى أو اكتوى وقلبه معلق بالله فإنَّه لا يخرج
_________________
(١) انظر: كلام الألباني في الضعيفة (٨/ ١٦٩).
(٢) أخرجه مسلم (٢١٩٩) من حديث أَبي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ، وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرْقِي؟ فقَالَ ﷺ: فذكر.
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٠٠) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.
(٤) أخرجه مسلم (٢١٨٦) من حديث أبي سعيد، أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد، اشتكيت؟ فقال: «نعم» قال: «باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك».
[ ٥٩ ]
من السبعين ألفًا؛ لأنَّ الحديث معللٌ بِعلّةٍ وهي: «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ».
لكن عقّب على هذا بعض أفاضل أهل العلم بقوله: «هذا من مضائق الأمور، التي لا تكاد تحصل لأحدٍ إلّا للنبي ﷺ، فإنَّه قلّما يُرقى شخصٌ أو يُكوى إلّا ويلتفتُ المرقي والمكوي لهذا الأمر».
• أما ما يتعلق بالراقي نفسه: فإنه محسنٌ لغيره برقيته، وليس هو كالمسترقي الذي طلب من غيره والتفت قلبه لذلك، وعلى هذا فلا يخرج الراقي من السبعين ألفًا، وقد سبق التنبيهُ على شذوذ لفظة: «لا يرقون».
* وقوله: «وَلَا يَكْتَوُونَ»: أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم، وكذا لا يكوون أنفسهم، وهذا من تمام توكلهم واستسلامهم لقضائه ﷿.
وقد ورد في الاكتواء عدةُ أحاديثَ، منها: حديثُ جابر ﵁: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ» (^١).
وحديث جابر بن عبد الله ﵁: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي .. أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» (^٢).
قال ابن القيم ﵀: «تضمنت أحاديث الكيِّ أربعةَ أنواع: فعله - عدم محبته له - الثناء على من تركه - النهي عنه، ولا تعارض فيها بحمد الله؛ فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، أما الثناءُ على تركه فيدل على أن تركَه أفضلُ وأولى، وأما النهيُ عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهية» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٠٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٧٠٢)، ومسلم (٢٢٠٥).
(٣) زاد المعاد (٤/ ٦٦).
[ ٦٠ ]
* وقوله: «وَلَا يَتَطَيَّرُونَ»: أي لا يتشاءمون بالطيور ونحوها، وسيأتي الكلام على الطيرة في باب مستقل، وأصله من التشاؤم بالطير ولكنه أعمّ، فهو التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، أو الزمان أو المكان المعين، أو الطيور ونحوها، والطيرة كانت موجودة عند العرب، ويأتي بيانها في بابها.
* وقوله: «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»: هذا الأصلُ الجامع الذي تفرّعتْ عنه هذه الأعمال والخصال، وهو التوكلُ على الله وصدق الالتجاء إليه.
وليس معنى الحديث أن الأخذَ بالأسبابِ يُنافي التوكل، بل إنَّ الأخذ بالأسباب أمَرَ اللهُ به، وقد أمر النبيُّ ﷺ بالتداوي، وقال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً» (^١)، ولذلك فالتوكّل صدق اللجأ إلى الله بدفع الضرّ وجلب النفع مع فعل السبب.
فإن قيل: فكيف نجمع بين كون الأخذ بالأسباب مطلوب، وبين: أن ترك طلب الرقية والاكتواء من التوكل، وفعلهما ينافي كمال التوكل؟
* أما الاسترقاء: فإنْ سببه خفي، فيؤدي ذلك إلى التفات القلب إلى الراقي.
* وأما التداوي: فإنَّه يختلف عنه من وجهين.
١. أنَّ التداوي سببه ظاهر، وهو الدواء المشاهَد، بخلاف الرقية.
٢. أنَّ النبيّ ﷺ تداوى وأمر بالتداوي، ولو كان قادحًا في التوكّل لما أمر به ﷺ.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٠١٥ - ٣٨٥٥)، والترمذي (٢١٥٩)، وأحمد (٤/ ٢٧٨)، والنسائي في الكبرى (٧٥١١ - ٧٥١٢)، وابن حبان (٦٠٦١)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[ ٦١ ]
* وأما الكيّ: فسببه ظاهر كذلك، لكن لم يلحق بالتداوي؛ لأنَّ الشرع نهى عنه وكرهه، والنبيّ ﷺ أثنى على من تركه، وقال: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ».
* وقوله: «فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ، فَقَالَ: اُدْعُ اَللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتَ مِنْهُمْ»، وفي رواية البخاري: «اللهم اجعله منهم» ويجمع بين الروايتين بأنَّه سأل الدعاء أولًا فدعا له، ثم استفهم هل أجيب؟ فأخبر.
* وقوله: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ»: قال بعضهم: كأنَّ الرسول ﷺ علم أنَّ هذا الرجلَ لا يصل إلى هذه المرتبة فعرّض له بالكلام، ولم يقل له: لست منهم، وقال ذلك أيضًا: سدًّا للذريعة؛ لئلا يتتابع الناس، فيسأل من ليس أهلًا فَيُرَدّ، فيعرفه الحاضرون.
ولا يصح القول بأنَّه منافق؛ لأنَّه قلَّ أن يصدُرَ هذا السؤال إلّا عن قصد صحيح، ويقين بتصديق الرسول ﷺ، فكيف يصدر ذلك من منافق؟
* والخلاصة: أنَّ من صفة هؤلاء الذين يدخلون الجنّة بلا حساب أنَّهم أهل توكل وتوحيد، ولذا فهم لا يسترقون ولا يكتوون، ولو كان قد وقع لهم شيء فإنَّهم يتوبون إلى الله من طلب مثل هذه الأمور، وقد أخبر سعيدُ بن جبير حصينًا بهذا الحديث -وقد كان يسترقي- ليتوب منه، فدل على أن من تاب من هذه الأمور يرجى له أن يدخل في زمرة السبعين ألفًا، والله أعلم.
*
[ ٦٢ ]