الأنواء: جمع نَوء بالهمز، وهي النجوم، والاستسقاء: طلب السقيا.
والمراد: طلب السقيا من الأنواء، أو نسبةُ السقيا والأمطار إليها.
وهذا الباب له اتصال بما سبق، وهو نوعٌ مما كان يصنعه أهل الجاهلية تجاه النجوم، من الاعتقادات المحرمة، والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: الاستسقاء بالنجوم قسمان:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٣)، ولم يخرجه البخاري، وعدَّه الحميدي في الجمع بين الصحيحين (١٢٢٦) من أفراد مسلم، وإنما الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس مما له علاقة بالباب قوله ﵁: «خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الجَاهِلِيَّةِ: الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ» وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: وَيَقُولُونَ إِنَّهَا الِاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ. البخاري (٣٨٥٠).
(٢) فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الواقعة. الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية. الثالثة: ذكر الكفر في بعضها. الرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج عن الملة. الخامسة: قوله: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» بسبب نزول النعمة. السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع. السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع. الثامنة: التفطن لقوله: «لقد صدق نوء كذا وكذا». التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها؛ لقوله: «أتدرون ماذا قال ربكم؟». العاشرة: وعيد النائحة.
[ ٢٩٧ ]
١ - ما يكون شركًا أكبر، وذلك:
أ- أن يسأل الأنواء السقيا وإنزالَ المطر، فهذا شركٌ أكبر؛ لأنَّه دعاءٌ لغير الله.
ب- أو ينسبَ حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنَّها الفاعلة بنفسها من دون الله، فهذا شرك أكبر -وإن لم يَدْعُها- وهو شركٌ في الربوبية.
٢ - ما يكون شركا أصغر: وهو أن يَجعل هذه الأنواء سببًا في نزول المطر مع اعتقاده أنَّ الله هو المدبر الفاعل، فهذا شرك أصغر؛ لأنَّ كل شيء جُعِل سببًا لم يجعله الله سببًا فهو شرك.
المسألة الثانية: الاستسقاء بالنجوم ونسبة المطر لها كان موجودًا في الجاهلية، فكانوا يقولون مثلًا: مطرنا بنوء الثريا، وذلك أنَّه إذا سقط نجمٌ وطلع نجمٌ آخر قالوا: لابدّ من مطرٍ ورياحٍ، وينسبون كل مطرٍ إلى النجم الساقط، ولأجل ذلك جاءت النصوص محذرةً منه، ومبينةً بطلان من تعاطاه، ومنها:
(١) قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ والمعنى: أنكم تجعلون شكركم لله على ما أنزل عليكم من المطر والرحمة أنكم تكذبون، أي: تنسبونه لغيره، وقيل غير ذلك
(٢) حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ …» فجاء الحديثُ على جهة الذمِّ نسبةً إلى الجهل، أي: ستفعلُها هذه الأمة إمّا مع العلم بتحريمها، أو مع الجهل بذلك، وهذا ما وقع.
(٣) حديث زيد بن خالد ﵁: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» ففي الحديثِ
[ ٢٩٨ ]
النهيُ عن هذا القول؛ لما فيه من الالتفات إلى السبب ونسيان المنعم الحقيقي، وهو الله، قال العثيمين: «وصار كافرًا بالله؛ لأنَّه أنكر نعمة الله، ونسبها إلى سببٍ لم يجعله الله سببًا، فتعلقت نفسه بهذا السبب، ونسي نعمة الله» (^١).
المسألة الثالثة: نسبة المطر إلى النوء تحتمل معانٍ:
١ - نسبة إيجاد: بأن ينسب المطر إلى النوء، فهذا شركٌ أكبر، قال ابن رجب: «إضافة نزول الغيث إلى الأنواء، إن اعتقد أن الأنواء هي الفاعلة لذلك، المدبرة له دون الله ﷿، فقد كفر بالله، وأشرك به كفرًا ينقله عن مِلَّة الإسلام، ويصير بذلك مرتدًا، حُكمه حكم المرتدين عن الإسلام، إن كان قبل ذلك مسلمًا» (^٢).
٢ - نسبة سبب: بأن يعتقد أنَّ هذا النوء سبب وليس هو المسبب، وتكون الباء للسببية، فهذا شرك أصغر.
٣ - نسبة وقت: بأن يقوله ويريد أنَّ الله أنزل المطر في وقت هذا النوء، وتكون الباء للظرفية، فهذا من حيث المعنى صحيح، فالله أنزل المطر في وقت هذا النجم، ولكن لما في هذه اللفظة من مشابهة للفظة المنهي عنها اختلف العلماء في حكم قولها، على أقوال ثلاثة:
فقيل بالتحريم: قال ابن رجب: «وهو قول أكثر أصحابنا، والنصوص تدل عليه، لما فيها من إيهام المعنى المحرم «(^٣).
_________________
(١) القول المفيد (٢/ ٣٠).
(٢) فتح الباري (٩/ ٢٦٠).
(٣) فتح الباري (٩/ ٢٦٤).
[ ٢٩٩ ]
وقيل بالكراهة: وهو قول الشافعي، وأصحابه، وبعض الحنابلة.
وقيل بالجواز: وهو منقول عن البغوي وغيره (^١).
• ومع هذا: فالأولى أن يتجنبه، وأن يقول: «في نوء كذا».
* خلاصة الباب: أنْ تعلم أنَّ المطر نعمة من الله، وأنَّ نسبته لغيره سبحانه، أو طلبه من غيره سبحانه جرمٌ عظيم يوصل الإنسان إلى الشرك بالله تعالى.
_________________
(١) قال البغوي: «فأما من قال: مطرنا بنوء كذا، وأراد سقانا الله تعالى بفضله في هذا الوقت، فذلك جائز» شرح السنة (٤/ ٤٢١).
[ ٣٠٠ ]