الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: عقد المصنّف هذا الباب للحديث عن عبادة الخوفِ، وهي من العبادات القلبية، وهي وصفٌ يقوم بالقلب يحمل على فعل الأوامر وترك النواهي، وقد صدّر الباب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران، الآية (١٧٥)].
والشيطان: إبليس، ويدخل فيه كل شيطانٍ من الإنس والجنّ.
وقوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: أي يخوّفكم بأولياءه.
والواجب عليكم حينها ألّا تخافوهم، وإنما تخافوا من الله، فهو الذي بيده كل شيء، ولا يحدث في الكون شيء إلا بإرادته.
والتخويف الذي حصل من الشيطان ما أورده الله تعالى في الآية ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران، الآية (١٧٣)].
ومناسبة الباب للتوحيد، ولما قبله: أنَّ الخوف نوع من أنواع العبادة، وإذا كان كذلك فصرفه لغير الله شرك.
وإنما ذكر المصنف ما يتعلق بالخوف بعد ذكر المحبة:
١. لأنَّ العبادة ترتكز على الحب والخوف والرجاء.
[ ٣٠٨ ]
٢. لئلا يجنح أحد فيتمسك بالحب فقط دون الخوف، فالمؤمن يجمع بين الحبّ والخوف والرجاء.
المسألة الثانية: الخوف بالنسبة لمن يُخاف منه له حالتان:
١ - خوفٌ من الله. ٢ - خوف من غير الله.
فأما الخوفُ مِنْ غير الله فله صور:
أ. الخوف الشركي: وهو ما يسمى بخوف السرّ، بأن يخاف من غير الله، إما خوفًا من إضراره به، أو يعتقد أنَّه بخوفه منه ينفعه في الآخرة.
• مثاله: ما يقع من المشركين من خوفهم من الأولياء وأصحاب القبور، وخوفهم أن يضرّوهم إن تركوا عبادتهم ونحو ذلك، وهذا الذي كان المشركون يعتقدونه، ولذا يخوفون بهم أولياء الله كقوله: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود، الآية (٥٤)] ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر، الآية (٣٦)]. ولذا فهم يخافون الصالحين والطواغيت كما يخافون الله أو أشد.
ب. الخوف المحرم: وضابطه: الخوفُ من المخلوق؛ خوفًا يمنع من فعل الواجب أو ترك المحرم، كمن يترك صلاة الجماعة خوفًا من مخلوق، أو يحلق لحيته خوفًا من مخلوق، والواجب على المسلم ألّا يخشى أحدًا إلّا الله.
ج. الخوف الطبيعي: كما يخاف المرءُ من عدوٍ أو سَبُعٍ أو غَرَقٍ ونحوه، وهذا لا ذمّ فيه، ومنه قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص، الآية (٢١)].
وأما الخوف من الله: فهو عبادةٌ مِنْ أجلّ العبادات، وهو خوف التعظيم والذلّ
[ ٣٠٩ ]
والخضوع لله سبحانه، وقد أثنى الله على أهله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر، الآية (٢٨)]. وأمر بالخوف منه في نصوص عدة، ومنها:
١) الآية التي ساقها المصنف هي قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فجعل الخوف منه شرطًا في الإيمان.
٢) قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، والشاهد فيها: أنَّ الله حينما ذمّ المشركين ونفى عنهم عمارة المسجد الحرام بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ أثبت ذلك للمؤمنين، وأثنى عليهم وبيّن أنَّ مِنْ أظهَرِ خصالهم أنَّهم لا يخشون إلّا الله، والمراد: خشية التعظيم والعبادة، وبه تعلم أنَّ من صفات المؤمنين خشيتهم لله، وهذا دليل على أنَّهم مهتدون؛ لقوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ قال ابن عباس ﵁: «(عسى) من الله واجبة» (^١).
المسألة الثالثة: اعلم أنَّ العبد له مع الخوف من الله مقامان:
١) أن يكون مائلًا عن الاستقامة ومقصرًا: فيخاف أن يعاقبه الله، وذلك
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٧٦٦) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال بمثل قول ابن عباس: يحيى بن سلام في تفسيره (١/ ١٥٥)، والشافعي في الأم (٤/ ١٦٩)، والأخفش في معاني القرآن (٢/ ٤٢٦)، والطبري في تفسيره (٨/ ٥٧٩)، (١٤/ ١٦٨)، والزجاج في إعراب القرآن (٢/ ١٨١). وقال أبو عبيدة: (عَسَى اللهُ) هي إيجاب، وهي فِي القرآن كلها واجبة، فجاءت عَلَى إحدى لغتي العرب؛ لأن (عسى) فِي كلامهم رجاء ويقين. أخرجه ابن المنذر في تفسيره (٢٠٦٠).
[ ٣١٠ ]
الخوف ناشئ من ثلاثة أمور:
١. معرفته بجنايته وقبحها.
٢. تصديق الوعيد، وأنَّ الله رتّب على المعصية عقوبتها.
٣. أنَّه لا يعلم لعله يُمنع من التوبة ويُحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب.
٢) أن يكون مستقيمًا: فخوفه دائمًا يكون مصاحبًا له؛ لِعلمه أنَّ الله مقلّب القلوب، ويتأمل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. فأي قرارٍ لمن هذه حاله؟ ومَن أحقُّ بالخوفِ منه؟ وقد كان الرسول ﷺ يقول: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» (^١) (^٢).
• واعلم أنَّ نقصان الخوف من الله، إنما هو بسبب نقصان معرفة العبد بربه.
المسألة الرابعة: أورد المصنف قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ وعلاقتها بالخوف من جهة أنَّ كثيرًا من الناس يدّعي أنَّه يخاف من الله، ولكن عند المحكّات يتبين أنَّ خوفه هو من الناس لا من الله، والدليل: أنَّك تراه إذا أوذي على تمسّكه بدين الله، فإنَّه حينها لا يحتمل أذاهم، فيفرُّ مِنْ ذلك بأن يوافق هؤلاء في أهوائهم وما يريدون، فيكون قد خاف من هؤلاء كما يخاف من الله، والمؤمنُ يعلم أنَّه لابد أن يناله ما يناله في طريق الدين.
ويعلم أنَّ العباد ليس بيدهم جزاء ولا حساب، وحينها فلا ينبغي أن يخاف منهم خوفَ تعظيم، ولا أن يسألهم، ولذا قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٦١٧) من حديث ابن عمر.
(٢) انظر: طريق الهجرتين، لابن القيم (٥١٢).
[ ٣١١ ]
بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت، الآية (١٠)].
المسألة الخامسة: أنَّ الخوف من الله ينشأ في القلب إذا قوي اليقينُ بالله ربًا خالقًا مدبرًا، وإذا ضَعُفَ اليقينُ بالله تعلّق بعباد الله، وحينها يخذله الله، ويكله إلى الناس، ولضعف اليقين علامات:
١. أن يسعى العبدُ لإرضائهم ولو على حساب سخط الله.
٢. أنَّه إذا جاءه رزقٌ ظنَّ أنَّه من الناس فحمدهم، وإذا مُنِعَ من أمرٍ ظنّ أنَّه من الناس فسخطهم، وهذا نشأ من عدم معرفته بربه، ومن عدم خوفه من خالقه، ولو علم أنّ المتفرد بالعطاء والمنع هو الله، وأنَّ المخلوق لا يقدر على إعطائه شيئًا لم يقدّره الله له لما ذمهم.
* ويدل على هذا: ما ورد عن أبي سعيد ﵁ الذي ساقه المصنف، وهذا الحديث إسناده ضعيف -كما سبق في التخريج-، لكن معناه صحيح كما قال صاحب التيسير (^١)، ويروى موقوفًا عن ابن مسعود.
المسألة السادسة: أورد المصنف حديث عائشة ﵂: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ»، وفيه أنَّ من بحث عن رضا الناس ولو كان ذلك بسخط الله، فإنّ العاقبة أنَّ الناس سيسخطون عليه، وسيسخط عليه رب العالمين، والعكس بالعكس، ولذا قال الشافعي: «رضى الناس غاية لا تدرك، فعليك بما فيه صلاح نفسك فالزمه» (^٢).
• فالعاقل هو من يبحث عن رضا الله، وإن سخط الناس.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص: ٤٢٢)
(٢) مناقب الشافعي، للأبري (ص: ٩٠) مدارج السالكين (٢/ ٢٨٦)
[ ٣١٢ ]
* وعلاقة هذا بالخوف: من جهة أنَّه إذا بحث عن رضا الله، وكان في ذلك سخط الناس فربما خاف منهم، وهنا تذكير للإنسان ألّا يخاف إلّا الله.
* خلاصة الباب: أنّ الخوف المصحوب بالتعظيم والإجلال عبادة لا تصرف إلّا لله، فمن صرفها لغيره فقد وقع في الشرك بالله سبحانه.
*
[ ٣١٣ ]